بعناية شديدة وملحوظة كان ظهور الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن على مختلف وسائل الإعلام الأمريكية في لقاءات استهدفت الترويج لكتابه نقاط حاسمة، الذي صدر مؤخراً ليحكي فيه عن منعطف حاسم في حياته خلال توليه منصب الرئاسة للقوة الأكبر في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية)، هذه العناية في اختيار برامج وصحافيين بعينهم غير معروف عنهم انتقادهم لإدارة بوش، عكست حقيقة واضحة حاول بوش في كتابه تثبيتها في الأذهان ولدى الرأي العام الأمريكي تحديداً، وهي الدفاع عن النفس، وتقديم المبررات كافة اللازمة لتنقية صورته كرئيس، حملتها صفحات هذا الكتاب التي بلغت 528 صفحة، تضمنت كمّاً من التناقضات الصارخة التي لا ينافسها في مضمون هذه السيرة سوى السطحية المباشرة والتبسيط المبالغ فيه، وهو ما يؤكد أنه بالفعل صاحب هذه السطور مقارنة بشخصيته وعدم ولعه بالقراءة، إذ من غير المعروف عنه العمق أو الذكاء المفرط، لدرجة قول أحد المعلقين الكبار عندما سألوه عما إذا كان قرأ كتاب بوش، إنه سيقرأه عندما يقرأ بوش نفسه كتابه .
هذا الكتاب حظي بنسبة مبيعات لا بأس بها بين مؤيدي سياساته ومنتقديها، وهم يتراوحون بين الغاضبين من حروبه وأدائه إزاء إعصار كاترينا، والانهيار الاقتصادي الكبير، الذي ظهرت بوادره في عهد بوش الذي تميز بالحروب وتنفيذ سياسات لمصلحة الشركات الكبرى وتحالفات المال والأغنياء على حساب الطبقة المتوسطة، ما أدى إلى أزمة اقتصادية مازالت الولايات المتحدة تعاني منها، وكذلك العالم، إضافة لسجله، أي سجل إدارته في مجال حقوق الإنسان، وبين مؤيدين هم في أغلبيتهم إما عملوا في إدارته أو استفادوا من فترة حكمه، أو الذين لديهم أيديولوجيات يمينية أو توجهات رافضة لإدارة أوباما الديمقراطية الحالية .
عموماً، فإن ما جاء في صفحات هذا الكتاب جدير بالفحص، لا سيما ما ذكر حول القضايا التي تهم عالمنا العربي، أو تلك التي تتعرض لمواقف على أساسها اتخذ هذا الرئيس قرارات كان من شأنها التأثير في مصير ملايين البشر بحكم منصبه .
لكن، وقبل أن نستعرض أهم النقاط أو الوقفات الحاسمة التي تشكل مضمون هذا الكتاب المثير للجدل، فإنه ينبغي علينا التوقف عند كتاب أخطر هو عبارة عن تحليل نفسي دقيق لهذا الرئيس، وذلك لنفهم دوافعه وحكاياته وآراءه، وهذا الكتاب صدر عام ،2004 أي خلال وجوده في الحكم وحمل عنواناً مثيراً هو بوش على الأريكة داخل عقل رئيس من تأليف الدكتور جوستين فرانك، (المقصود بالأريكة هنا هو أريكة الطبيب النفسي) .
تكمن أهمية هذا الكتاب الصادر قبل ستة أعوام من صدور كتاب سيرة بوش الابن، في أنه حمل تحليلاً خطيراً لنفسية جورج بوش الابن والأمراض النفسية والأعراض التي يعانيها هذا الرئيس، بناء على أسلوب تحليل نفسي مطابق للتحليل النفسي للزعماء والقيادات، وهو التخصص الذي برعت فيه وكالة الاستخبارات الأمريكية منذ عقود وحتى الآن، بل وعرف عن أحد زملاء الدكتور جوستين مؤلف الكتاب خبرته في هذا المجال، أي أن كتاب جوستين الذي تم التعتيم على مضمونه وقت صدوره كان تطبيقاً عملياً وعلمياً لما دأبت وحدة متخصصة في ال سي . آي . إيه على ممارسته ومازالت منذ عقود بعيدة .
المدهش أنه وبمضاهاة ما جاء في كتاب بوش الأخير مع ما ذكره الدكتور جوستين في كتابه، سنصدم بمدى صدق وحرفية تحليل جوستين لشخصية بوش الابن لدرجة مخيفة .
ففي كتاب جوستين نجده قد طبق الآلية النفسية التي سبق ذكرها لفحص حالة وشخصية الرئيس بوش الابن وذلك حسب قوله بأنه بحكم الظهور الدائم للرؤساء عبر وسائل الإعلام كان تحليل شخصيتهم أسهل من وجود الشخص أو المريض بنفسه أمامه وعلى الأريكة .
ويصل جوستين إلى نتيجة في نهاية دراسته ليؤكد أن بوش الابن يعاني مشكلات نفسية كبيرة وفي حاجة للعلاج . ويضيف إذا كان بوش هو دمية في يد ديك تشيني، فإنه دمية تختار محرك الدمى أو العرائس التي يحركها، فهو يتخذ قراراته الرئاسية بإيمان واضح وذاتي بأنه صاحب القرار وأن السلطة بيده ولديه قناعة ذاتية بأنه الرئيس الفعلي .
عوارض خطرة
ويقول لو أن أحد مرضاي قرر قول شيء وفعل شيئاً آخر، فأنا كطبيب نفسي يهمني أن أعرف السبب، وأن أعرف ما إذا كان يستخدم كلمات تخفي المعنى الحقيقي لما يريديه فعلاً، وما إذا كان يخلق لنفسه شخصية تخفي طبيعة أفعاله، وهذا ما يزعجني، فلو وجدت لدى المريض هذا يقصد جورج بوش نظرة غير مرنة بالنسبة للعالم وتتميز بالتبسيط الزائد عن الحد ضحالة وتبسط الصح والخطأ والخير والشر والحلفاء والأعداء، ساعتها سيكون التساؤل حول قدرته على مواجهة الواقع، وما إذا كانت أفعاله تكشف عن لا مبالاة تصل إلى حد السادية، وعدم الاعتراف أو التعرف إلى معاناة الناس في نفس الوقت الذي يغلف نفسه بإدعاءات التعاطف والتدين، ساعتها كطبيب نفسي سأكون خائفاً على أمن وسلامة من هم حول هذا المريض، ولكن هذا المريض ليس أحد مرضاي، إنه رئيسنا، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية .
ويمضي الدكتور جوستين ليشخص حالة بوش الابن ليفاجئنا بصورة لرجل يعاني عدداً من العوارض السيكولوجية الممكن علاجها، ولكنها عوارض خطرة وجادة للغاية، فهو لديه قدرة ضعيفة على التركيز ليست لديه قدرة على التركيز، يعاني من حالة إدمان كحول لم تعالج ولم يشفى منه، لديه عقدة القوة بمعنى محاولة الظهور بمظهر القوي، ويعاني من بارانويا وعقدة أوديب والسادية ومتلازمة عصبية سيكولوجية موروثة من الطفولة، عوارضها الرعشة وبعض الحركات اللاإرادية، حيث كان لبوش طفولة بائسة، نتلازم مع أصوات لا إرادية، كما أنه لديه قدرة ضعيفة على التفرقة بين الواقع والخيال .
هذا كان ملخص الكتاب الذي يحلل بشكل علمي وصارم في الوقت نفسه شخصية بوش، وبالمناسبة فكل العوارض التي تحدث عنها هذا الطبيب ونصح بوش في نهايتها بضرورة العلاج أرفقها بحوادث وأحداث بعينها، بمعنى أنه أرفقها بأدلة تدلل على ما توصل إليه من تشخيص .
الإقلاع عن الإدمان
وعودة إلى كتاب بوش الابن نقاط حاسمة، سنجد مضاهاة تصل إلى حد التطابق مع ما توصل إليه الدكتور جوستين من نتيجة، لا سيما تلك المتعلقة بفترة طفولته أو بفترة قراره الإقلاع عن إدمان الكحول، والتي خصص لها أول 80 صفحة من كتابه .
وكان صادقاً أي بوش وهو يحكي تفاصيل الإقلاع عن الإدمان، لأنها النقطة الحاسمة في حياته التي قاده إنجازها إلى أن يصبح رئيس الولايات المتحدة، فهو في الكتاب يقول إنه لو لم يفعلها (أي الإقلاع عن ادمان الكحول) في عمر ال،40 لما أمكن أن يصبح حاكماً ولفترتين لولاية تكساس، ولما أصبح أبداً رئيساً لفترتين .
كما يذكر كيف أن الكشف عن حادثة قديمة تم القبض عليه فيها بسبب ضبطه يقود سيارته مخموراً في عطلة عيد العمل عام ،1976 وبسرعة عشرة أميال في الساعة على الرصيف، قد كلفه خسارة مليوني صوت انتخابي في هذه الانتخابات (التي فاز فيها بفارق ضئيل نحو مئتي صوت على منافسه الديمقراطي آل جور) .
هذه الحادثة وحادثة أخرى، وهي وفاة شقيقة صغيرة له وهو طفل وهي الحادثة ذاتها المذكورة في كتاب جوستين، وعرض فيها تأثير قيام الأبوين بوش الأب وزوجته باربارا بترك مراسم دفن وجنازة طفلتهما ليذهبا للعب الجولف في ولاية أخرى ، والقصد عزيزي القارئ من الإسهاب في سرد الوقائع الشخصية في هذا الكتاب لأنها تمهيد مهم للغاية لفهم ما جاء من تناقضات في سرد الرئيس بوش الابن لحوادث خطرة شكلت تقريباً معظم فترتي رئاسته، ومنها على سبيل المثال لا الحصر وقائع حول نومه أثناء المحاضرات عندما كان طالباً في جامعة اييل المرموقة، ووصفه لإيمانه بمثل دارج في ولاية تكساس، مفاده أن الدارسين والمثقفين يتمتعون بالذكاء المبني على علمهم لكنهم لا يعرفون التعاطي مع واقع الحياة العملية، وأيضاً سرده لأيام إدمان تعاطي الكحول، وواقعة توجهه بسؤال لإحدى ضيوف والديه عن كيفية وماهية ممارسة الجنس بعد سن الخمسين وكيف أرسلت له بعد فوزه بانتخابات الرئاسة ووصوله لسن الخمسين، رسالة ذكرته بالواقعة وتساءلت إذن كيف هي الحال بعد سن الخمسين يا جورج؟ .
وإلى جانب هذه الحوادث التي تعكس شخصية هذا الرئيس المثير للجدل تبدو محاولاته للظهور بمظهر الزعيم والتأكيد على زعامته التي لن تدركها سوى الأجيال القادمة وبعد مرور عقود، ومحاولاته أيضاً لإظهار الصلابة والإرادة، عبثاً .
على أية حال، وعودة للمحطات الأهم في هذا الكتاب وصاحبه المثير للجدل، سنجده وقد قسمه إلى 14 نقطة أو محطة حاسمة بعد مقدمة ومدخل طويل يمثل النقطة الأولى، وهي إقلاعه عن الكحول، ودور الدين وإيمانه بأن اقترابه من الرب والإقلاع أوصله إلى الرئاسة، وهو ما يفسر لاحقاً كلماته السريعة التي تراجع عنها لاحقاً حول الحرب الصليبية أو إيمانه كمسيحي، أو كيف ساعده الرب .
بعدها قسم الكتاب إلى نقاط تشمل:
- مرحلة الانتخابات الرئاسية
- علاقته بأعضاء إدارته وكبار موظفيها واختياره لهم
- موقفه بالنسبة لقرار السماح باستمرار أبحاث الخلايا الجذعية
- أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها
- الاستعداد للحرب
- حرب أفغانستان
- حرب العراق (غزو العراق)
- تأثير ظاهرة لازاراس في حياته، أي لا زاراس الذي أحياه المسيح من الموت، القيادة، كارثة كاترينا، سياسة التصعيد في العراق، أجندة العراقة، الأزمة الاقتصادية، ثم خاتمة الكتاب التي حاول فيها أن يصور نفسه فيها على أنه عاد إلى مكانه كمواطن عادي يحمل كيساً بلاستيكياً في يديه وهو يهرول ليزيل فضلات كلبه، الذي عاش مدللاً في البيت الأبيض .
وإذا كان بوش يقول في كتابه انه ورث عيون والده وفم أمه في اشارة إلى لسانها وما هو معروف عنها من طول اللسان وسرعة الغضب، فإن تحليل وقائع هذه النقاط الفارقة في حياته وتعاطيه على المستوى العالمي مع زعامات ورؤساء وملوك الدول وحبه لبعضهم، وكرهه أو احتقاره للبعض الآخر يظهر صدقية هذه المقولة .
أحداث 11/9
أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كانت بالنسبة لجورج بوش منعطفاً مهماً، ذلك لأنها كانت بداية تفاعله الحاسم مع الهجوم الذي تعرضت له أمريكا، ونراه يسرد كيف أنه لدى وصوله إلى المخبأ بقاعدة أوفت في نبراسكا أي بالقرب من قيادة الحرب النووية في أوماها بالولاية ذاتها - كان أول ما فعله هو التطلع إلى شاشة التلفاز واصدار أوامره إلى جورج تينت رئيس الاستخبارات باحضار كل المعلومات الاستخبارية الممكنة . ويقول بوش جعلتها واضحة أنني أنوي استخدام العسكر في هذه الحرب عندما يحين الوقت، وأن الهدف والعملية لن يكونا بمثابة شكة دبوس أو اهدار صاروخ كروز ثمنه مليون دولار لنسف ضحية قيمتها 5 دولارات، وذلك عندما ترد أمريكا على هذه الهجمات .
وفي سرد الرئيس الأسبق بوش لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر نلحظ محاولته الإيحاء بأن التاريخ فقط سيحكم عليه وعلى أفعاله التي تمت كتداعيات ل 11/،9 وعما إذا كانت حروبه اثر 11/9 في أفغانستان والعراق عمليات ناجحة أو فاشلة .
ثم نجده يحاول الاستمرار في إلقاء اللوم على الاستخبارات الأمريكية، تماماً كما فعل وادارته بعد ظهور كذب مبرر غزو العراق من وجود أسلحة دمار لدى هذا البلد العربي، فهو في ما يتعلق بفضيحة التعذيب في غوانتانامو وأبوغريب نجده يلتمس لنفسه العذر في عدم معرفته بحقيقة ما كان يحدث، ونجده تارة يتحدث عن جهله بما حدث (الأسبوع الفائت قالت مديرة سجن أبوغريب المتقاعدة العقيد جاينت كاربينسكي إنه كان يعلم ووصفته بالجاهل) .
ثم نجده تارة أخرى يدافع عن استخدام وسائل الإغراق في الماء في تعذيب المعتقلين بتهمة الإرهاب، ذلك لأنه أمر باستخدامه بعد أن قال المحامون (أي مستشاروه القانونيون بالبيت الأبيض) ان هذا الأمر مجاز قانونياً، ويتمسك بأن تعذيب خالد شيخ محمد منع حدوث أعمال إرهابية في لندن (الحكومة البريطانية نفت الأسبوع الفائت حدوث هذا الأمر، بمعنى أنها كذبت بوش)، الغريب أن بوش لدى سرده لوقائع خياراته بالنسبة لقضية التعذيب، المحرمة دولياً، ذكر أن مستشاريه قدموا له نوعين آخرين من التعذيب رفض ذكر تفاصيلهما، مؤكداً أنه رفض استخدام هذين النوعين من التعذيب رغم إبلاغ مستشاريه له بقانونيتهما .
غزو العراق
وفي سرد بوش لفترة ما قبل وخلال، وبعد غزو العراق، نجد الكثير من الوقائع المثيرة، ومنها تلقيه اخباراً سارة عن فوز توني بلير يوم الثلاثاء 18 مارس 2003 بتصويت البرلمان، وبالتالي فقد سر جورج بوش لأن ذلك يعني أن بريطانيا العظمى ستكون بجانبنا، وحكى بوش كيف كان رئيس الاستخبارات سي آي إيه ومعه كولن باول وزير الخارجية آنذاك يقومان بدأب بإطلاعه على التطورات، وكيف كان لديهما أمل في أن يوافق صدام حسين على الخروج إلى المنفى كحل، وذلك بقبوله عرضاً من حكومة شرق أوسطية كان تعرض خروج صدام مقابل مبلغ يتراوح ما بين 1 2 مليار دولار إلى دولة بعيدة (أوكرانيا)، إلا أن بوش يستطرد في مفارقة حمل فيها بشكل غير مباشر صدام حسين سبب قرار الغزو، ليقول إنه بينما كان لدينا شعور باحتمال قبول صدام لهذا العرض، فإنه أي صدام قام باتخاذ قرار آخر من قراراته حين قطع لسان أحد المعارضين وتركه ينزف حتى الموت، وبهذا فإن دكتاتور العراق اتخذ قرار الحرب، ففي صباح الأربعاء قمت بعقد اجتماع لمجلس الأمن القومي في غرفة الموقف وأعطيت الأوامر بإطلاق عملية حرية العراق، وبعدها ب 6 ساعات وصلتني مكالمة غير متوقعة من دونالد رامسفيلد يقول فيها إنه في الطريق إلى المكتب البيضاوي لأمر عاجل، وعندما دخل سألته: ماذا يحدث؟ قال أي رامسفيلد نعتقد أن لدينا فرصة لقتل صدام حسين، بعدها عقدنا واحداً من أكبر الاجتماعات غرابة في رئاستي حضره كل أعضاء مجلس الأمن القومي، وكان النقاش حول معلومات استخبارية تفيد باعتزام صدام حسين وبعض من أفراد عائلته قضاء عطلة في مزارع الدورة، وكان الاقتراح قصف المكان، وبالتالي تحقيق إمكانية إزالة رأس النظام العراقي، وأنا الكلام لجورج بوش كان لدي شكوك حول هذا التصور، لأنه لا وجود لخطة محكمة بعمليات سرية قبل بدء القصف (أي عبر عمليات تخريب قبل الغزو)، ذلك لأن قيام طائرتين من طراز شبح F117A من دون غطاء جوي أو حماية فوق مدينة محصنة بدرجة كبيرة أمر خطر . ويضيف بوش واصفاً مخاوفه من أن تكون هذه المعلومات الاستخبارية مجرد فخ، وأن يقوم صدام بإرسال حافلة مملوءة بأطفال عراقيين أبرياء، بحيث يكون أول ما سينقل من مظاهر الحرب هي تصوير الأمريكان وهم يقتلون أطفالاً أبرياء، لذا فقد رأى بوش أن يتم الاستمرار في الخطة الأساسية، بدلاً من قتل صدام وانهاء الحرب بذلك قبل أن تبدأ . وأن يتم انقاذ أرواح لدرجة أنه سأل رئيس أركانه الجنرال مايرز حول الأمر فأبلغه أن الطائرتين الشبح على استعداد وعليهما صواريخ ال توماهوك مبرمجة وجاهزة للإطلاق، ويقول بوش: استدرت نحو الجالسين من حولي وقلت لهم لنبدأ، وفور انتهاء مهلة ال 48 ساعة المقدمة لصدام للخروج بدأ القصف، وفي اليوم الثاني جاءت كوندي (كوندوليزا رايس) وأبلغته بالعثور على شبيه لصدام حسين بين الأنقاض، وبمرور الأيام تغير الأمور، وبدأت تصل معلومات تدلل على خطأ التقديرات الاستخبارية (نلاحظ هنا مرة أخرى محاولة إلقاء بوش اللوم على الاستخبارات)، ثم نجده يعرج على مبرر آخر مدللاً بقيام رئيس عربي بإبلاغ توني فرانكس أن العراق لديه أسلحة بيولوجية وانه من المؤكد أنه سيستخدمها ضد قواتنا .
ويقول بوش ان هذا الرئيس كان يرفض قول هذا الكلام في العلن خشية تهيج الشارع العربي، لكن المعلومات الاستخباراية من هذا الزعيم مهمة لأنه كان يعرف صدام جيداً، ويؤكد بوش ان تلك المعلومة كان لها تأثير في تفكيره لأنها تؤكد انه طالما كانت هناك مخاطر تتعلق بالعمل العسكري فإن هناك مخاوف من مخاطر من عدم القيام بهذا العمل العسكري مع وجود صدام المسلح بسلاح بيولوجي يمثل تهديداً لنا جميعاً .
ويسرد بوش كيف جلس للاستماع إلى الآراء من مصادر مختلفة، منها أكاديميون وعراقيون في المنفى وآخرون خارج الإدارة، إلا أن أحد الذين انبهر بآرائهم كان ايلاي وايزل (74 عاماً) أحد الناجين من الهولوكست الحاصل على جائزة نوبل للسلام، والذي تأثر بنصيحته حين نظر إلى عينيه ولمح تأثره وهو ينصحه مقارناً بين وحشية صدام ووحشية الإبادة النازية قائلا السيد الرئيس عليك واجب أخلاقي بأن تتحرك ضد الشر . هذه الجملة أثرت في جورج بوش بعمق حسب وصفه وهو الرأي إياه الذي شرحه لاحقاً إيلاي وايزل في مقال ذكر فيه أنه مع معارضته للحرب، إلا أنني مع التدخل في حالة صدام حسين من دون تردد أو تأجيل، لا يوجد خيار آخر .
ويعلق بوش على كلامه فيقول أنا دائماً أتساءل لماذا ان كثيرين من منتقدي الحرب لم يفهموا نقطة النقاش الأخلاقي تلك التي طرحها أناس مثل وايزل؟
واستمر بوش مدافعاً عن قرار الحرب على العراق ليقول انه بعد الطلقة الأولى نحو مزارع الدورة فإن نشاطاً عسكرياً أمريكياً كبيراً بدأ عند حدود العراق مع الكويت بانطلاق الجيش والمارينز نحو بغداد، فيما كانت قواتنا الجوية تقوم بقصف العاصمة، وفي أول موجة هجوم أطلقت أكثر من 300 صاروخ من طراز كروز أطلقناها بالتوازي مع موجة من قاذفات الشبح، وهذا قضى على أكثر مراكز القيادة العسكرية لصدام، وعلى خلاف القصف Fire Bombing يقصد القذف الشديد في قلب منطقة، فإن الخراب طال مربع هذه المنطقة، كما حصل من قبل وتم محو مدينة دردسن الألمانية، أو استخدام النابالم في فيتنام أو الضربة النووية في هيروشيما ونغازاكي والكلام مازال لبوش فإن هجومنا ترك الكثير من القتلى والدمار في البنية التحتية .
ونجد بوش يصنف بكل فخر وعظمة هذه الغارة بأنها كانت واحدة من أوسع الغارات إن لم تكن أفضلها دقة في التاريخ .