بعناية شديدة وملحوظة كان ظهور الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن على مختلف وسائل الإعلام الأمريكية في لقاءات استهدفت الترويج لكتابه نقاط حاسمة، الذي صدر مؤخراً ليحكي فيه عن منعطف حاسم في حياته خلال توليه منصب الرئاسة للقوة الأكبر في العالم (الولايات المتحدة الأمريكية)، هذه العناية في اختيار برامج وصحافيين بعينهم غير معروف عنهم انتقادهم لإدارة بوش، عكست حقيقة واضحة حاول بوش في كتابه تثبيتها في الأذهان ولدى الرأي العام الأمريكي تحديداً، وهي الدفاع عن النفس، وتقديم المبررات كافة اللازمة لتنقية صورته كرئيس، حملتها صفحات هذا الكتاب التي بلغت 528 صفحة، تضمنت كمّاً من التناقضات الصارخة التي لا ينافسها في مضمون هذه السيرة سوى السطحية المباشرة والتبسيط المبالغ فيه، وهو ما يؤكد أنه بالفعل صاحب هذه السطور مقارنة بشخصيته وعدم ولعه بالقراءة، إذ من غير المعروف عنه العمق أو الذكاء المفرط، لدرجة قول أحد المعلقين الكبار عندما سألوه عما إذا كان قرأ كتاب بوش، إنه سيقرأه عندما يقرأ بوش نفسه كتابه .
كأن بوش وهو يمضي في شرح وجهة نظره في ياسر عرفات قد وصل إلى قناعة أراحته، فنجده يختم هذه القناعة بقول خطير كنتيجة تنتظر التحرك، لقد كذب عرفات عليّ، فلن أضع ثقتي فيه مرة أخرى أبداً، ولن أتكلم معه مرة أخرى، فبحلول ربيع 2002 وصلت إلى قناعة بأن السلام لن يكون ممكناً طالما بقي عرفات في السلطة .
فهل أبلغ بوش تل أبيب ساعتها بقناعاته تلك التي أسهمت إسرائيل دون شك في وصوله إليها؟ وهل يمكن الربط الآن بين كلمات بوش هذه في كتابه وبين محتوى خطاب شارون في الكنيست العام ،2003 حيث كانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها حيث أشار شارون في خطابه إلى أنه بعد 6 أشهر ستفتح آفاق جديدة ورؤية جديدة في المنطقة، وأن وضع إسرائيل سيتحسن وستكون فرص السلام كبيرة، وهل يمكن الربط أيضا بين ذلك الخطاب وبين ما رواه الصحفي الإسرائيلي، ناحوم بارنيح بأن السر وراء تفاؤل شارون كان تقريراً طبياً عن حالة عرفات الصحية، إضافة لمعلومة أخرى صادرة عن الصحفي الأقرب إلى شارون أوري دان في كتابه الذي صدر عام ،2006 وذكر فيه أن شارون اتصل هاتفياً عام 2004 بالرئيس جورج بوش، وأن بوش أبلغ شارون بأنه لا مانع لدينا (نحن الأمريكان) في أن تقوموا بأي شيء ترونه مناسباً ضد عرفات .
وإذا ضممنا إلى كل ذلك ما يوصف بمحضر القدومي وهو محضر اجتماع كشف عنه فاروق قدومي أمين سر اللجنة المركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني، في العام 2009 وهو محضر اجتماع سري ضم محمود عباس ومحمد دحلان وارييل شارون بحضور ضباط من الاستخبارات الأمريكية ونقل فيه قول شارون صراحة بأن أفضل السبل هي قتل عرفات مسموماً .
سوريا - إيران
ولم يكن عرفات أو إيران فقط على رأس القائمة السوداء في ذهن الرئيس جورج بوش، فها هي سوريا ونظامها تحتل المقدمة في إرهاصاته المتضخمة عن نشر الديمقراطية، ونراه في الجزء الخاص بسرده عن طبيعة علاقته بجاك شيراك الرئيس الفرنسي الأسبق والتي تطورت بعد لقاء مصارحة في أوائل يونيو/حزيران 2004 لتصل فجأة إلى علاقة توافق ايجابي نراه يقول:
أنا وجاك شيراك لم نتفق على شيء تقريباً، فشيراك كان يعارض ازاحة صدام، ووصف عرفات بأنه رجل شجاع، وفي أحد الاجتماعات ذكر أن أوكرانيا هي جزء من روسيا، إلا أنه في أوائل يونيو/حزيران 2004 وفي مقابلة لي مع شيراك بباريس، تطرقنا إلى موضوع الديمقراطية في الشرق الأوسط، وأنا بدأت استعد لمحاضرة أخرى (يقصد أنه كان يتوقع من شيراك أحد محاضراته عن ثوابته السابقة) لكن شيراك استمر في الحديث (والكلام لبوش) وقال لي شيراك: في هذه المنطقة لا توجد سوى ديمقراطيتين الأولى قوية وهي في إسرائيل والثانية هشة وهي في لبنان . واستطرد بوش وأنا لم أرغب أن اقاطعه لأقول له أنه نسي أن يضيف الديمقراطية الجديدة في المنطقة أي العراق .
واستمر شيراك يصف معاناة لبنان تحت الاحتلال السوري، وعن عشرات الآلاف من القوات السورية الموجودة في لبنان حيث كانوا يشفطون أموال الاقتصاد اللبناني، ويخنقون محاولات توسيع الديمقراطية، واقترح شيراك أن نعمل معاً (الولايات المتحدة وفرنسا) لوقف سوريا عن السيطرة على لبنان، وأنا على الفور وافقت وقررنا سوياً أن نبحث عن فرصة لوضع مشروع قرار في الأمم المتحدة .
وفي اغسطس/آب 2004 فتح الرئيس اللبناني إميل لحود لنا الطريق - أي قدم لنا الفرصة - بإعلانه أنه سيمدد فترة رئاسته وذلك في خرق للدستور اللبناني، فقدمنا أنا وشيراك مشروع القرار 1559 الذي أعلنا فيه احتجاجنا على قرار لحود وأصررنا على أن تسحب سوريا قواتها من لبنان . وفي الثاني من سبتمبر/أيلول صدر القرار ،1559 ولمدة 6 أشهر بعدها كان رد الفعل السوري هو الرفض والتحدي .
المنشأة السورية
وفي موضع آخر من كتابه المثير للجدل، نجد جورج بوش يعود إلى الموضوع السوري لكن من نافذة إيران فيقول: إيران لم تكن الدولة الوحيدة التي تهدد أجندتي للحرية، ففي ربيع 2007 وصلني تقرير سري للغاية من شريك استخباري لنا، وجلسنا نتفرج على صور لمبنى مثير للشكوك، مخبأ جيداً في الصحراء الشرقية لسوريا، المبنى كان يشبه بطريقة غريبة المنشأة النووية في يونجيونج بكوريا الشمالية، ووصلنا لخلاصة بأن المبنى كان بداخله مفاعل تبريد بالغاز يتم التحكم فيه بالغرافيت، مفاعل نووي قادر على انتاج بلوتينيوم لتصنيع الأسلحة النووية، حيث إن كوريا الشمالية كانت الدولة الوحيدة التي أقامت مفاعلاً مماثلاً خلال ال 35 عاماً الماضية .
ويستطرد بوش بلهجة الواثق: إن ضبطنا سوريا ويدها ملطخة ببناء قدرات تسلح نووي بمساعدة من كوريا الشمالية، فهذا من المؤكد هو ما توصل إليه أولمرت الذي قال لي في محادثة هاتفية جورج . . أنا أطلب منك أن تذهب لقصف المنشأة، وذلك بعدما وصلني التقرير السري جداً، وأجبته عليه شكراً لك لأنك أثرت هذا الموضوع، أعطني المزيد من الوقت للنظر في المعلومات الاستخباراتية، وأنا سأعطيك جواباً، وعقدت اجتماعاً مع فريق الأمن القومي لمناقشات مركزة (حول المنشأة) وكمسألة عسكرية فإن مهمة قصف الموقع سهلة، وسلاح الجو ممكن أن يدمره، لكن قصف دولة ذات سيادة بشكل منفرد ومن دون اعلان المبررات سينتج عنه ردود فعل شديدة، الخيار الثاني هو القيام بغارة سرية، وقد درسنا الفكرة بجدية، والعسكر وصلوا لقناعة بأنها ستكون مخاطرة كبيرة، لأن نرسل فريقاً يدخل ويخرج من سوريا ومعه متفجرات كافية لتدمير المنشأة، أما الخيار الثالث فكان أن نبلغ حلفاءنا بالمعلومات الاستخبارية وتكشف سوريا الستار عن المنشأة ونطلب من سوريا ازالتها تحت إشراف وكالة الطاقة النووية، وكشفنا لازدواجية النظام السوري ممكن أن يستخدم للضغط على سوريا لإنهاء تأييدها للارهاب، وتدخلاتها في لبنان والعراق، وإذا رفضت سوريا أن تفكك المنشأة فإنه سيكون لدينا منطق عام وتأييد عام وشعبي - للقيام - للعمل العسكري .
وقبل أن أتخذ القرار - يكمل بوش - طلبت من مدير وكالة الاستخبارات مايكل هيدن أن يضع تقييماً استخبارياً، وهيدن شرح لي أن المحللين لديه كانت لديهم ثقة كبيرة في أن المبنى كان داخله مفاعل نووي، لكن لأنهم لم يكونوا قادرين على تحديد أماكن المنشآت اللازمة لتحويل البولومنيوم إلى سلاح نووي، فلم يكن لديهم ثقة كبيرة بأن سوريا لديها برنامج تسلح نووي .
وقد جعلني تقرير وكالمة الاستخبارات الأمريكية أتخذ قراري، فأنا لا أستطيع أن أبرر هجوماً - يعني هجوماً أمريكياً - على دولة ذات سيادة إلا إذا كانت أجهزة الاستخبارات قد قدمت ما يؤكد أن هناك برنامج تسلح، وقد أبلغت أولمرت بأن قرار الخيار الدبلوماسي المصحوب بالتهديد باستخدام القوة سيحمي مصالحك وأولئك ويجعل احتمال تحقيق أهدافنا هو الأكثر احتمالاً .
أولمرت شعر بخيبة أمل وأبلغ بوش أن هذا الأمر يضرب في مركز أعصاب هذا البلد، أي أن التهديد بأن يكون لدى سوريا برنامج تسلح نووي هو موضوع بقاء - يعني موضوع حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل .
ويكمل بوش ليروي كيف كان أولمرت قلقاً لاحتمال فشل السبل الدبلوماسية وتعثرها لدرجة أن قال لبوش أنا لا بد أن أصدقك القول وأقول لك صراحة بأن استراتيجيتك تقلقني جداً، كان هذا هو نهاية المحادثة الهاتفية بين بوش وأولمرت .
وأضاف بوش في كتابه أنه يوم 6 سبتمبر/ أيلول 2007 تم تدمير المنشأة من دون أن يشرح المزيد عن الكيفية ولكنه تحدث عن هذه التجربة باعتبارها كاشفة على جهات عدة، فقد رأى بوش رغم اقراره بمخاوف سي آي إيه وعدم تأكدها أو ثقتها بوجود برنامج تسلح نووي بسوريا، رأي أن هذه الواقعة أكدت له نوايا سوريا لبناء سلاح نووي!!، كما أكدت له أيضاً تصرفات سوريا وقيام السوريين بإخفاء بقايا المبنى بدقة، لأن معنى تصرفهم هذا أنه لو كانت سوريا بريئة لما قامت بإخفاء بقايا المبنى ولكان صوت الرئيس الاسد ارتفع ضد إسرائيل في قاعات الأمم المتحدة(!)، ويستطرد بوش بلهجة القانع أن أداء أولمرت أو خياره القيام بتوجيه ضربة عسكرية، عوضني عن ثقتي بإسرائيل التي خسروها خلال حرب لبنان .
ويكمل بوش: اقترحت على أولمرت أن يصمت لفترة، ثم نكشف عن العملية كوسيلة لعزل النظام السوري، أولمرت قال إنه يريد أن تظل الضربة سرية بشكل تام، كان يحاول تفادي أي شيء يضع سوريا في الزاوية، مما يجبر الأسد على القيام بعملية التفاف، وشعرت أنني ملزم باحترام رغبته، وبقيت صامتاً مع أننا كنا نضيع فرصة . القصف أظهر استعداد إسرائيل للعمل منفردة، وأولمرت لم يطلب ضوءاً أخضر ولم أعطه، ونفذ ما رآه ضرورياً لحماية إسرائيل .
انتهى أهم ما جاء على لسان بوش في كتابه حول سوريا وروايته حول تعامله وتعامل إسرائيل مع حادث قصف المنشأة السورية والتي أكدت سوريا مراراً نفس ادعاءات إسرائيل وواشنطن حولها .
هذا التعامل السياسي والاستخباري ثم العسكري مع الأمر، ثم القناعة التي وصل إليها الرئيس الأمريكي حينئذ ثم القراءة الأمريكية لردود الفعل السورية تطرح سؤالاً مهماً يكشف عن خطوط التفكير الأمريكي في ردود الفعل العربية، وهي ردود فعل غالباً ما تكون متأثرة بثقافة شرقية قد تكون أخذت الأمر بثقافة عربية تفضل لملمة الأمر كنوع من الترفع وتقليل من قيمة فعل العدو، ولكننا رأينا هنا كيف تمت ترجمة رد الفعل هذه على أساس يكاد المريب يقول خذوني، فلو كانت سوريا وضعت النزاهة جانباً واستهلمت نحيب إسرائيل المعتاد وصوتها العالي وطالبت المجتمع الدولي بإدانة هذا الاعتداء على دولتها ذات السيادة، ترى هل كانت ترجمة السي آي إيه وبوش بغض النظر عن قناعاته المسبقة للسلوك السوري هكذا!!
إعصار كاترينا
على أية حال فإن المتبقي من كتاب بوش كان يركز على بعض المشاكل والقضايا الداخلية، وهي جد مهمة لأي مواطن أمريكي إلا أن أبرزها حادثة كاترينا، التي ذهب بوش ليتفقد حجم الكارثة كمتفرج من نافذة طائرة، ونجده في الكتاب يعترف ضمناً بأن رد فعل الادارة لم يكن فقط مليئاً بالأخطاء ولكنه كان غير مقبول، ويجادل بقوله المشكلة لم تكن في أنني اتخذت القرار الخطأ، ولكن تكمن المشكلة في أنني استغرقت وقتاً طويلاً لاتخاذ القرار(!) .
هذا الجدل يؤكد استمرار قناعة بوش بأنه الحكيم الذي يتخذ دوماً القرارات الصحيحة بحماية الرب . نفس الأمر يتكرر في دفاعه الدائم عن نفسه حين يتحدث عن نجاحه في الاتفاق السليم لحماية أمريكا في مقابل تقليصه من الانفاق الحكومي الذي لا يتعلق بأمن البلاد، وهو أمر في حد ذاته ينطبق عليه القول بأنه عذر أقبح من ذنب، فالرئيس بوش استلم أمريكا من عهدة سابقه كلينتون ولديها فائض في الميزانية يبلغ 800 مليار دولار، وعندما خرج من الحكم كانت ميزانية أمريكا تعاني من عجز رهيب وغير مسبوق في تاريخها الحديث، فما الذي فعله الرئيس؟ لقد أنفق ببذخ على ميزانية الأمن والدفاع ومعظم هذه الأموال أي أموال دافع الضرائب الأمريكي، ذهبت إلى شركات السلاح والطاقة والأمن وغيرها في الأساس، بدلاً من توجهها إلى برامج الرعاية الصحية والاجتماعية والخدمات وعلاج المسنين والمدارس العامة وغيرها بل وصل الأمر به إلى محاولته طرح مشروع يسمح بتحويل أموال التأمينات الاجتماعية المعاشات إلى البورصة للاستثمار، وهو المشروع الذي أوقفه الكونغرس، والذي في حال اقراره فسيكون لمصلحة الشركات والأغنياء وسوق المال الذين لا يعنيهم الفقراء، وهي نفس الجهات التي أهداها بوش قبيل رحيله تشريعاً بأكبر استقطاعات للضرائب لأغنياء أمريكا تحمل تبعاتها المواطن الأمريكي العام حيث كلفت هذه الاستقطاعات الميزانية العامة ما يزيد على تريليون دولار من الديون؟!
والمفارقة أن القانون نفسه الذي يريد أوباما وقف العمل به هي النقطة نفسها التي استخدمها الحزب الجمهوري والجماعات اليمينية لهزيمة أوباما بعد أن اقنعوا رجل الشارع الساذج بأن قانون أوباما يهدف لفرض المزيد من الضرائب مع أن أوباما أراد إزالة اعفاءات بوش الضرائبية من على أغنياء أمريكا 2% من السكان ويقلل الضرائب على الطبقة المتوسطة .
وفي تعليق درامي قصد بوش على ما يبدو أن يجعله دراماتيكياً نجده يشرح كيف أيقن أن حياته قد تغيرت عندما تسلل كلبه بارني الذي اعتاد على العيش مع الأسرة الأولى في البيت الأبيض لثماني سنوات، إلى حديقة الجيران ليقضي حاجته، وكان بوش يمشي خلفه حاملاً حقيبة بلاستيكية ليزيل وسخ كلبه بارني، ترى هل نجح بوش حقاً في إزالة الوسخ .
إن حقبة بوش - تشيني باتت محفورة في كتاب التاريخ والوسخ الذي لطخت به هذه الحقبة سمعة أمريكا وستظل لعقود وربما لقرون طويلة قادمة ماثلة للعيان .
وإذا كانت مذكراته تلك المعنونة بلحظات القرار في نظر المراقبين ليست إلا دليلاً اتهامياً ذاتياً واضحاً لا لبس فيه على جرائم ارتكبت في حق الانسانية وفي وضح النهار، فإن التاريخ سيصدر حكمه على هذا الرجل بشكل لا يقبل التأويل، وسيمنحه القلادة التي طلبها وهو يفخر ما بين كل فقرة وفقرة بحربه اللامبررة على العراق .
نعم لقد حقق بوش رقماً قياسياً متفوقاً على هولاكو الذي بقي حتى غزوة بوش في الصدارة باعتباره مسؤولاً عن إراقة الدماء وتدمير العراق في مذبحة لم يعرف تاريخ المنطقة مثلها، حتى أتى بوش وفعل بهذا البلد وبأهله أضعاف أضعاف ما فعله هولاكو .