يطل مسجد الغوري على سوق الغورية الشهير الكائن في المنطقة التي تحمل نفس الاسم بالقاهرة القديمة كتحفة معمارية فريدة، ليرسم مع ما يتضمنه ذلك الحي العريق من آثار إسلامية تعود إلى عصور شتى، لوحة مفعمة بالجمال تعكس ملمحاً مهماً من ملامح الحياة في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي قبل ما يزيد على خمسمائة عام .
وينظر كثير من المؤرخين وعلماء الآثار بل والمتخصصين في فنون العمارة الإسلامية إلى مسجد الغوري باعتباره مدرسة قائمة بذاتها في فنون العمارة الإسلامية، وواحدا من أهم ما تركه الملك الأشرف قنصوه الغوري، الذي تولى حكم مصر خلال فترة وجيزة لم تزد على خمسة عشر عاماً، بداية من العام 906 هجرية حتى وفاته في العام 922 هجرية .
ويعد مسجد السلطان الغوري نموذجاً فريداً يعكس قدرة العمارة الإسلامية في ذلك العصر البعيد، ومدى ما بلغته من دقة في الحرفة ومهارة في التشييد والبناء، حيث تم بناؤه على نظام المدارس ذات التخطيط المتعامد، وهو ما يبدو واضحاً في تصميمه الرئيسي، فهو يتكون من صحن كبير يحيط به أربعة إيوانات، أحدها مخصص للقبلة، وهو الأكبر حجماً بينما الثلاثة الباقية تجاوره في اتجاهات ثلاثة .
ويتميز مسجد الغوري بجدرانه المكسوة بالرخام الملون، الذي تتجلى فيه براعة الخط العربي القديم، حيث تحفل هذه الجدران بالعديد من الآيات القرآنية المكتوبة بالخط الكوفي المزهر، فضلاً عن الخطوط المملوكية التي كانت سائدة حينذاك، والتي يمكن ملاحظتها بوضوح فوق عقود الإيوانات الأربعة أسفل إزار من المقرنصات بديعة التكوين .
ويطل مسجد الغوري بإحدى واجهاته الثلاث على المنطقة التي تجمع تقاطع شارع الأزهر بشارع المعز لدين الله الفاطمي، حيث تضم هذه الواجهة المدخل الرئيسي للمسجد، وثلاثة صفوف من الشبابيك المصنوعة من الأرابيسك والتي تعلوها آيات قرآنية مكتوبة بالخط المملوكي، إضافة إلى اسم باني المسجد وألقابه وبعض الأدعية التي تتضرع إلى الله تبارك وتعالى أن يجزيه عن هذا البناء خير الجزاء في الدنيا والآخرة .
وتستقبل منارة المسجد الزائر عند أول إطلالة من الناحية القبلية، وهي منارة ضخمة مربعة القطاع، تتكون من عدة مقرنصات منوعة، وتنتهي من أعلى بحطة مربعة الشكل تعلوها خمسة رؤوس .
وتعد قبة مسجد الغوري في حد ذاتها تحفة معمارية رائعة الجمال، على ما تحتويه من زخارف ومقرنصات وتلابيس رخامية تماثل إلى حد كبير تلك الموجودة في مدخل المسجد، وتضم القبة صفين من الشبابيك، معقودة على ثلاثة أعمدة رخامية يعلوها شباك مستدير وجميعها محلاة بزخارف محفورة في الحجر .
ويقول آثاريون مصريون إن هذه القبة الكائنة حالياً ليست القبة التي كانت موجودة بالمسجد عند إنشائه لأول مرة، فقد هدمت في أيام الغوري مرتين لخلل في بنائها، قبل أن يقرر المعماريون الذين أشرفوا على البناء صناعتها من الخشب، ثم عادوا لبنائها مجددا وكتبوا على جدرانها: أمر بإنشاء هذه القبة المباركة مولانا السلطان العالم العامل العادل المجاهد المرابط المؤيد المظفر المنصور سيف الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين قاتل الكفرة والمشركين مولانا السلطان الملك الأشرف أبوالنصر قنصوه الغوري .
ويعد مسجد الغوري البناء الأهم في المجموعة التي تحمل اسم السلطان الغوري، المسجد والوكالة والحمام والمنزل الذي كان يقيم فيه الغوري إضافة إلى السبيل والكتاب والخانقاه .