أقام مركز الأرض لحقوق الإنسان في القاهرة ندوة حول الفلاح المصري في الآداب المصرية الحديثة والمعاصرة، عبر ثلاث جلسات عن علاقة الفلاح بالسلطة عبر المعالجات الأدبية، والمشهد الاجتماعي في الريف المصري من خلال النص الأدبي، وشهادات الأدباء حول هذا المضمون . في البداية أشار الناقد د . السيد إبراهيم العميد الأسبق لكلية الآداب في بني سويف، إلى ضرورة الفصل بين التحليل الذاتي والاجتماعي في شخصية الفلاح المصري بالرواية، واستنباط العلاقة بين الريف والمدينة من خلال عناصر كل منهما، ثم الفروقات الظاهرة بين الفلاح في صعيد مصر، والفلاح في الدلتا، وهو ما يتضح على مستوى الشعر لدى محمود حسن إسماعيل صاحب أغاني الكوخ وفي الرواية لدى بهاء طاهر في خالتي صفية والدير .
أكد د . سيد إبراهيم أن رواية الأيام لطه حسين، تضمنت وصفاً دقيقاً للقرية المصرية في الصعيد، وكذا العلاقة بين الشيخ المعلم والفتى، مضيفاً أن الأخلاق الأولى في حياة ا لطفل تؤسس نمط سلوكه في ما بعد، ويصبح جزءاً من مكونات ثقافته العامة بعيداً عن فكرة القرية أو المدينة، وأشار إلى رواية الأرض لعبدالرحمن الشرقاوي بما تحمله من دلالات نحو شقاء الفلاح، وهذه الرواية قررت على طلبة الدراسات العليا في جامعة السربون على أساس أنها تنظير للأدب السياسي .
ثم تحدث الناقد د . مدحت الجيار عن أن الرواية في الأصل بنت المدينة، وأنها في البدايات تسلحت بالنقد الاجتماعي مؤكداً أن هيكل لم يكن أبو الرواية المصرية كما يرى البعض، فقد سبقه مجموعة كتبوا عن الريف مثل محمود خيرت الذي كتب روايتي الفتى الريفي، والفتاة الريفية اللتين صدرتا في محافظة الفيوم قبل صدور رواية زينب لهيكل، ومن المفارقات أنه إذا أطلق لفظ الأرض في الرواية المصرية، فإنه لا يعني صحراء سيناء مثلا أو الوطن، ولكن تعني الزراعة على وجه الخصوص، واللافت أن فن الرواية يعد تأريخا للمصريين خلال القرن العشرين مع العلم أن الريف في صعيد مصر يختلف عنه في الدلتا وكذا فإن القضايا الاجتماعية أيضا مختلفة رغم أن الأرض ثابتة .
وأضاف الجيار أن الرومانتيكية في رواية زينب تبدو فقط في اللغة الشعرية ولكن في ما عدا ذلك في مواضع كثيرة، فالرواية واقعية جداً، كما أن لهيكل رواية مهمة جداً لا يلتفت إليها النقاد وهي رواية الفلاح التي أراد أن يجسد فيها بطولة الفلاح بعد نجاح زينب، ثم تناول توفيق الحكيم الريف في الشمال في يوميات نائب في الأرياف، واتجه يحيي حقي للريف في الجنوب ويلاحظ أن الثلاثي هيكل، وحقي، والحكيم قانونيون، بينما كان ليوسف السباعي تصور تأملي أخلاقي وليس أمراً روائياً، فحين جاءت ثورة 1952 كان لابد أن ينحاز كتاب الثورة للريف وفق تطلعات الثورة نحو الفلاحين، ومع هذا فإن رد قلبي لم تكن رغم شهرتها بها هذا القدر المقنع من صورة الفلاح بقدر ما كانت تمجيداً للثورة ذاتها .
وفي هذا السياق لا نستطيع أن ننسى يوسف إدريس، لأنه كان عبقرياً في اختيار العناصر التي ركز عليها، ففي الوقت الذي أشاد فيه الجميع بالثورة لأنها أنصفت الفلاح، كتب إدريس روايته الحرام التي ترصد الواقع المرير لعمال التراحيل الزراعيين ويصدر بعدها قرار جمهوري بتعديل وضع عمال التراحيل وسن قانون لتكييف الأوضاع للعمال .
وتحدثت الكاتبة والروائية عزة رشاد مديرة تحرير مجلة الرواية عن تفاوت ظهور واختفاء الفلاح المصري في الأنواع الأدبية من أديب إلى آخر، وكذلك تفاوت أسلوبية التناول في العمل الأدبي خاصة الرواية، مضيفة أنه ليس ضروريا أن تكون هناك مجموعة قصصية كلها تدور في الريف أو عن الفلاحين لأن الأساس في الإبداع هو التنوع، وهناك قناعة بأن الفلاح المصري كان ضحية على مر العصور، وفي كل الأنظمة السياسية، وأن ارتباط الفلاح بأرضه يجعل اليومي موضوعاً لاهتمامه أكثر من المستقبلي أو الاستراتيجي .
وأشارت د . عزة رشاد إلى أن أول قصة نشرت لها كانت بعنوان هناك دراجة على الطريق، تناولت فيها مجموعة من الفلاحين ذوي خيال جامح وهم يرون شاباً يسابق السيارات فوق دراجته .
وأكدت عزة أن هناك تناولاً نمطياً يبرز في الفلاح الذي يكون حتماً مظلوماً والعمدة ممثل السلطة، يقابله تناول جاد وعميق لأبعاد أكثر حيوية في ملامح الفلاح عند بهاء طاهر ويحيي الطاهر عبدالله ومحمد مستجاب .