ما هو الفرق بين من دافع عن المحتل الإسرائيلي في محاكمة الجاسوس عزام وبين من دافع عن المحتل البريطاني في محاكمة دنشواي؟
سفير إسرائيل في القاهرة يعترف: من يدافع عن الإسرائيليين أمام المحاكم المصرية يحصل على أتعاب تزيد كثيراً عن الأتعاب المعروفة .
رئيس النيابة يقول: التطبيع يستهدف تخريب مصر . . وللأسف بيننا من شب عبداً لذاته وملذاته وباع نفسه ل الإسرائيليين في سوق النخاسة باسم التطبيع .
بعد محاكمة دنشواي: إبراهيم الهلباوي طلب المغفرة من المصريين وقال إن الشعب المصري يحتقر من يدافع عن المحتلين . . فهل يفعلها فريد الديب؟
الرئيس مبارك بعد أن صرح كثيرا بأن مصير الجاسوس الإسرائيلي عزام في يد القضاء المصري وحده . . لماذا أفرج عنه فجأة قبل أن يكمل عقوبته؟
فريد الديب ترافع دفاعاً عن الجاسوس عزام فنال لقب هلباوي التطبيع
(سبع سنوات في بلاد المصريين) هذا هو اسم المذكرات التي صدرت في إسرائيل عام 1992 لموشيه ساسون، ثاني سفير للكيان الصهيوني في القاهرة . . وهي المذكرات التي ترجمتها وأصدرتها باللغة العربية دار الكتاب العربي في كل من دمشق والقاهرة عام 1994 .
وعلى صفحة (113) من هذه المذكرات، قال السفير الإسرائيلي نصاً: (المحامي المصري الذي يقبل أن يدافع عن شخص إسرائيلي أمام المحاكم المصرية، يحصل على أتعاب كريمة تزيد كثيراً عن الأتعاب المعروفة) .
وفريد الديب المحامي، هو أشهر نموذج دافع عن الإسرائيليين أمام المحاكم المصرية باسم التطبيع، وحصل طبعاً على تلك الأتعاب الكريمة التي تحدث عنها السفير الإسرائيلي في مذكراته . . لهذا اخترت أن نتوقف عنده، لنعرف المدى الذي يمكن أن يصل إليه المطبعون في الدفاع عن الإسرائيليين المحتلين، خصوصاً أن فريد الديب في هذه القضية لم يدافع عن إسرائيلي متهم في حادث مرور، وإنما عن متهم بالتجسس ضد بلده مصر، فهل هناك فرق بينه وبين إبراهيم الهلباوي، الذي وقف في المحكمة (زمان) يدافع عن جريمة عساكر المحتل البريطاني ضد أهالي دنشواي؟
أمام المحكمة التي نظرت القضية رقم 1574 لسنة 1997 أمن دولة طوارئ . . والمعروفة باسم قضية الجاسوس الإسرائيلي عزام متعب عزام قال المستشار هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا بالحرف: (إذا كانت مصر قد هانت على المحامي فريد الديب، لدرجة أنه اعتبر أن ما ارتكبه المتهم الإسرائيلي عزام في حق مصر لا يشكل أي إضرار بمصالح مصر العليا، فمصر لن تهون علينا أبداً مهما كان الثمن ومهما كانت الأتعاب) .
وبصوت وأداء مسرحي، كان المحامي فريد الديب قد وقف قبلها، وقال ضمن ما قاله دفاعاً عن الجاسوس الإسرائيلي: (حضرات القضاة . . الهدف الحقيقي من هذه القضية ومن الضجة الإعلامية المثارة حولها، هو وقف عجلة التطبيع مع إسرائيل) فهل تعرف ما الذي قاله يومها رئيس النيابة، رداً على فريد الديب وفضحاً للتطبيع والمطبعين؟ وهل تذكر ما الذي قاله فريد الديب وقتها في حق الصحفيين المصريين أو في حق المخابرات المصرية؟! وهل تعرف كيف دافع الديب يومها عن الجاسوس الإسرائيلي بالقطن والبصل والملابس الداخلية؟
كل ذلك وغيره، ومن باب التذكرة لمن باعوا الذاكرة أو صهينوها حررنا هذا المحضر، لإيداعه ضمير الناس والتاريخ وذاكرة الوطن، لكشف نموذج آخر من الذين تعاملوا مع العدو الصهيوني ودافعوا حتى عن جواسيسه .
وبناء على: بمعرفتي أنا الموقع أعلاه يا حضرات القضاة تم فتح هذا المحضر في ساعة تاريخه، حتى لا ننسى يوماً رصاصة الرحمة التي أطلقها في ساحة المحكمة المستشار هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا، على منطق هلباوي التطبيع ومغالطاته . . خصوصاً أن ذاكرة جهاز التسجيل مازالت تحتفظ بكلمات المحامي فريد الديب ومنطقه، ومازالت تحتفظ أيضاً بكلمات هشام بدوي رئيس النيابة وبغيرها، من وقائع تلك المحاكمة الشهيرة، التي حضرت كل جلساتها بتصريح رسمي من رئيس المحكمة وانتهت في 31/8/1997 بمعاقبة الجاسوس الإسرائيلي عزام بالأشغال الشاقة المؤقتة، أي بالسجن لمدة (15) عاماً . . ثم فجأة، أفرج الرئيس مبارك عن الجاسوس الإسرائيلي في 5/12/2004 أي بعد أن قضى سبع سنوات فقط من العقوبة التي قررها القضاء، رغم أن مبارك كان قد قال قبلها للصحافيين أكثر من مرة (مصير عزام في يد القضاء المصري وحده) .
ووفقاً لذاكرة شريط التسجيل، وقبل أن ينتهي هشام بدوي من كلامه في حق التطبيع مع إسرائيل، أو في حق فريد الديب وأتعابه . . انتفض الديب من مقعده في قاعة المحكمة شاحب الوجه والكلمات . . ليس فقط ليصرخ في قاعة المحكمة مطالباً رئيس النيابة ب (التحرز في ألفاظه) . . وإنما أيضاً ليتحسس موضع باقي طلقات هشام بدوي فيه وفي دفاعه عن المتهم الإسرائيلي عزام . . تلك الطلقات التي اغتالت فجأة البسمة العريضة التي كانت تملأ وجه الديب منذ قليل، وهو يستمع نهاية دفاعه عن عزام إلى كلمات التهنئة وإيماءات الاستحسان سواء من أشقاء الجاسوس عزام أو من أعضاء السفارة الإسرائيلية في القاهرة، أو من أسعد الأسعد مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو . . خصوصاً حينما وقف فريد الديب في ساحة المحكمة، وقال بأداء مسرحي: (حضرات القضاة . . الهدف الحقيقي من هذه القضية ومن الضجة الإعلامية المثارة حولها، هو للأسف وقف عجلة التطبيع مع إسرائيل) .
عندها، وقف هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا على الفور، وقال بالحرف الواحد: (أي تطبيع هذا الذي يستهدف أمن مصر وضرب ازدهارها . . أي تطبيع هذا الذي يستهدف تخريب مصر والتجسس على شعبها . . ولماذا كل هذه الهرولة نحو هؤلاء الذين يريدون بحقدهم وعدائهم الدفين تدمير مصرنا العزيزة، إما بأيديهم أو بأيدي بعض أبناء مصر الخونة أو السماسرة . . إذا كان هذا هو ما يريده الإسرائيليون، فليعلموا جيداً أن مصر كانت دائماً مقبرة لكل من أرادها بسوء . . وإذا كان بيننا من شب عبداً لذاته وملذاته وباع نفسه لالإسرائيليين في سوق النخاسة والخيانة، فمصر بها أيضاً شرفاء كثيرون يحمونها بأرواحهم ودمائهم، في كل وقت) .
وقال هشام بدوي أيضاً بالحرف: (مصر يا حضرات القضاة رفعت لواء السلام والعدل والاستقرار بعد أن لقنت الإسرائيليين درساً لن ينسوه في حرب أكتوبر 1973 فانصرفوا عن لواء السلام ورفعوا لواء الغدر والشك والارتياب لأنهم أشد الناس عداوة وأصحاب نفوس حاقدة لا يحترمون عهداً ولا يعرفون ذمة، لكن إخلاصنا للسلام يدفعنا إلى أن نقول إن مثل هذه الأفعال الدنيئة سوف تجرّد هذا السلام من معناه وتفضح أيضاً حقيقة جدواه . . فهل يريدون سلاماً مبنياً على مشاعر الود والثقة؟ هل يريدون سلاماً يحقق الأمن لجميع الأطراف ويراعي جميع الحقوق أم يريدون سلام الغدر والشك والإضرار بالمصالح القومية لمصرنا الغالية؟) .
وبناء عليه: لا يحق لأحد أن يتجاهل ذلك السؤال الذي فجره هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا في ساحة القضاء، أثناء مرافعته ضد الجاسوس الإسرائيلي عزام متعب عزام . . ويبدو أن بنيامين نتنياهو وكان وقتها رئيساً لوزراء إسرائيل، قد أراد أن يقطع الشك بالقين، ويعلن لكل العرب والمصريين على بلاطة، حقيقة السلام الذي يريده الكيان الصهيوني، فقال في الخطاب الذي ألقاه في الجيش الإسرائيلي ونشرته مجلة المصور على صفحة (13) من عددها الصادر في 22/8/1997 ما نصه ( السلام الذي نريده مع العرب هو سلام الردع والقوة، والذي يتطلب منا أن نطور باستمرار قدرت إسرائيل العسكرية، والمثل الساطع للعلاقة التي تريدها إسرائيل مع العرب، هي علاقة أمريكا بالاتحاد السوفييتي سابقاً، وهي العلاقة التي لم تتطلع فيها أمريكا أبداً إلى تطبيع علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي، ولكن كان هدفها دائماً هو الحفاظ على قوتها العسكرية وتطوير هذه القوة باستمرار حتى انهار أمامها الاتحاد السوفييتي واختفى . . وبالمثل يجب أن يكون هدفنا دائماً هو الحفاظ على تفوقنا العسكري وإضعاف العرب وبث الفرقة بينهم . . ويجب أن يكون سلامناً دائماً، قائماً على القوة وفرض الأمر الواقع، وحتماً سوف يأتي اليوم الذي ينهار فيه العرب أمام إسرائيل مثلما انهار الاتحاد السوفييتي واختفى أمام أمريكا) .
هذا هو ما قاله نتنياهو، ونشرته مجلة المصور في 22/8/1997 وهذا هو أيضاً ما قاله رسمياً هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا في حق التطبيع والمطبعين في ساحة القضاء المصري، ضمن تعقيبه على مرافعة فريد الديب أمام المحكمة . . تلك المرافعة التي وصفها رئيس النيابة يومها حرفياً، بأنها: (نوع من الإفلاس ولا تستحق البحث أو التعقيب، وأنها تضمنت أموراً وتقارير مضحكة، وكلاماً لا يصدر إلا ممن ليس له دراية بالقانون، بل وتضمنت أيضاً من الفساد والمغالطات ما يستعصي على العقل والمنطق تقبله، وما لا يستند إلى الواقع أو الحقيقة) . . والمرافعة استمرت على مدى ثلاثة أيام، أكثر من عشر ساعات متفرقة، استعان خلالها فريد الديب المحامي بأربعة من مساعديه الشبان كانوا يلازمونه في كل جلسة . . واستعان أيضاً فريد الديب في دفاعه عن الجاسوس الإسرائيلي ب (خمس شنط كبيرة مملوءة بالكتب والمذكرات والملابس الداخلية، وأكياس ملح الليمون، والقطن وعلب الكارتون، وقشر البصل، وزجاجات صغيرة قال فريد الديب إنها مملوءة بحبر سري يباع عند البقالين وإنه اشتراها من عم أحمد الأمريكاني) . . وهي أيضاً المرافعة نفسها التي استخدم خلالها فريد الديب من فنون الأداء والتقليد والتعبير الحركي والصوتي المنغم، ما جعل القاعة تنفجر أحياناً بالضحك، وأحياناً بالدهشة أو الاستهجان . . ولكن يبدو أن كل ذلك لم يشفع للمحامي الشهير فريد الديب عند هشام بدوي رئيس النيابة، فوقف بدوي في 31/8/1997 أي في الجلسة الأخيرة لتلك المحاكمة الشهيرة، التي انعقدت برئاسة المستشار محرم درويش، وعضوية المستشارين عبدالرحمن أبو المجد وعبدالراضي أبوليلة، يصف دفاع فريد الديب عن الجاسوس الإسرائيلي عزام، بأنه: (دفاع حافل بالفساد والمغالطات والأمور المضحكة، يحاول المحامي فريد الديب من خلاله إيجاد منفذ أو ثغرة تؤدي به إلى براءة موكله الإسرائيلي ولكن هيهات) .
وبناء عليه: وعلى سبيل العينة، قال هشام بدوي رئيس النيابة إن من بين المغالطات العديدة التي لجأ إليها فريد الديب في دفاعه المطول عن المتهم الإسرائيلي، قوله إن النيابة (انتزعت نتفاً من هنا، ونتفاً من هناك ولفقت منها الاعترافات المنسوبة إلى موكله الإسرائيلي عزام) وشكك أيضاً فريد الديب في قانونية كل الإجراءات التي اتبعتها النيابة مع موكله واتهمها ب (تمزيق أوصال القضية بدعوى خطئها في ترقيم بعض الصفحات وعدم ذكر ساعة فتح محضر التحقيق أو ساعة إغلاقه في بعض المحاضر، واستجواب موكله الإسرائيلي بعد التاسعة مساء) .
وقال أيضاً فريد الديب في حق النيابة إنها: (خالفت قانون الخبرة بانتدابها أحد خبراء جهاز المخابرات المصرية، لفحص الملابس الداخلية المضبوطة في القضية، والتي قالت نتيجة الفحص إنها مشبعة بالحبر السري) .
ورداً على هذه الاتهامات التي أطلقها فريد الديب ضد النيابة، وقف هشام بدوي رئيس نيابة أمن الدولة العليا يقول: (هذا الكلام لا يصدر إلا ممن ليس له دراية بالقانون، لأن قانون الإجراءات الجنائية لم يحدد طريقة معينة لترقيم صفحات القضايا، ولم يحدد وقتاً معيناً لاستجواب المتهمين ليلاً أو نهاراً، وترك تنظيم أوراق الدعوى وما شابهه من أمور، لتقدير النيابة التي هي أمينة على الدعوى الجنائية، والتي دائماً ما تضع نصب أعينها المشروعية والحقوق التي أعطاها القانون للمتهمين . . وفي قضايا التجسس أو القضايا الماسة بأمن الدولة من الخارج، جرت العادة على أن تستعين النيابة بخبرة العاملين في هيئة الأمن القومي، لما لهم في هذا المجال من خبرة وكفاءة مشهودة، ولما لدى هيئة الأمن القومي من وسائل ومعامل حديثة نادرة وقادرة على تحليل واكتشاف مثل هذه المواد السرية والمعقدة التي تستجد في أغراض التجسس، ويؤيد مشروعية ذلك حكم محكمة النقض الذي قدمته النيابة إلى هيئة المحكمة الموقرة، والذي يجيز للنيابة أن تستعين بخبراء ومعامل جهاز المخابرات العامة المصرية في مثل هذه الأمور التي عادة ما تحتاج إلى قدر كبير من الكفاءة والسرية) .
وفي حق المخابرات المصرية، قال لي فريد الديب أيضاً في حوار مسجل بمكتبه، إن المخابرات المصرية (تسرعت) في القبض على موكله الإسرائيلي عزام، ووصف القضية بأنها نصاً، قضية (مسلوقة وأدلتها واهية ومنهارة ولم تضبط بالأحكام والحنكة والخبرة التي نعرفها عن المخابرات المصرية) .
وفي قاعة المحكمة قال أيضاً فريد الديب علناً (المخابرات المصرية ليست جهة خبرة، هي فقط جهة رسمية مثلها مثل مصلحة المجاري ومصلحة الكهرباء) .
ومن أجل عيون موكله الإسرائيلي عزام، اتهم فريد الديب المخابرات المصرية أيضاً بأنها (لم تعط للقضية حقها من البحث والتحري وأنها قدمت للمحكمة قضية لم تكن تستحق أن تصل أصلاً إلى ساحة القضاء) . . وقال أيضاً بالنص: (هذه القضية في حقيقتها تسيئ إلى مصر وإلى المحكمة . . والهدف الحقيقي منها ومن الضجة الإعلامية المثارة حولها، هو وقف عجلة التطبيع مع إسرائيل) .
كل ذلك وأسوأ، قاله هلباوي التطبيع من أجل عيون إسرائيل من دون خجل . . ومن أجل عيون إسرائيل أيضاً، لم تسلم الصحافة المصرية هي الأخرى من مغالطات فريد الديب .
وبناء عليه: وقف فريد الديب في جلسة 19/7/1997 وقال نصاً: (الصحافيون المصريون ارتكبوا جريمة من جرائم أمن الدولة العليا، وهي جريمة تستوجب أن تبادر النيابة بالتحقيق فيها دون انتظار بلاغ، لأن الصحافيين ضخموا القضية على عكس حقيقتها . . وقدموا عزام للرأي العام المصري والعربي في صورة شيطان، وأثاروا حول قضيته ضجة إعلامية مفتعلة)!
وفي جلسة أخرى، طلب فريد الديب أيضاً من هيئة المحكمة، وبالحرف الواحد أن (تضرب بيد من حديد على أيدي الصحافة والصحافيين المصريين) لوقف ما وصفه الديب ب (الهراء والفجاجة والاعتداءات المتكررة التي يرتكبها الصحافيون المصريون في حق القضاء وفي حق المحكمة . . أما ما يرتكبونه في حقه هو، فهو متنازل عنه) لأنه كما قال حرفياً أمام المحكمة (أكبر من أن يقف موقف الخصومة مع هؤلاء الصحافيين الضعفاء) .
هذا على سبيل العينة بعض ما قاله فريد الديب أمام المحكمة لإرهاب الصحافة والصحافيين في مصر . . وهو في الحقيقة لا يختلف كثيراً عما قاله الديب أيضاً سواء في حق زملائه المحامين المصريين الذين وقعوا بأسمائهم على الشكوى التي قدمها ضده وقتها زميله المحامي نبيه الوحش إلى نقابة المحامين في القاهرة، أو في حق المحامين الذين جاؤوا مع زميلهم المحامي مرتضى منصور إلى قاعة المحكمة للإعراب عن احتجاجهم وغضبهم من فريد الديب، لدفاعه عن الإسرائيلي المتهم بالتجسس ضد مصر . . علماً بأن المطبعين المصريين، وبالذات عبدالمنعم سعيد، وصلاح منتصر، وعلي سالم، كل منهم وقتها دافع عن فريد الديب!
المحامي الشهير فريد الديب، لم يكتف بالدفاع عن الجاسوس الإسرائيلي عزام وحده، وإنما تطوع أيضاً في جلسة الإثنين 18/8/1997 بالغزل في إسرائيل، وفي تكنولوجيا إسرائيل، وفي قيم إسرائيل وفي الفوائد التي يمكن أن تعود علينا من التعامل مع إسرائيل . . وتغزل فريد الديب أيضاً في ما وصفه أمام المحكمة ب (نبل المتهمة الإسرائيلية الهاربة منى أحمد شواهنه، وفي (جدعنة) زميلتها الهاربة أيضاً زهرة يوسف جريس) وبرر فريد الديب عرض المتهمة زهرة على المتهم عماد إسماعيل العمل معها لمصلحة المخابرات الإسرائيلية بأنه: (كان على سبيل الهزار، كلام في الهجايص يعني) هكذا نصاً قال المحامي الشهير فريد الديب أمام المحكمة .
وبناء عليه: ومن باب التذكرة لمن باعوا الذاكرة أو صهينوها . . (زمان)، كان في مصر محام شهير آخر اسمه إبراهيم الهلباوي . . وفي المحاكمة الشهيرة التي جرت لأهالي قرية دنشواي بتهمة أنهم منعوا جنود الاحتلال البريطاني من صيد الحمام في قريتهم، وقتلوا أحد الجنود . . في تلك المحاكمة التي جرت صباح الأحد 24 يونيو/حزيران 1906 أسندت قوات الاحتلال البريطاني في مصر رئاسة المحكمة إلى بطرس باشا نيروز غالي جد وزير المالية بطرس بطرس غالي . . وأسندوا إلى إبراهيم الهلباوي مهمة القيام بدور ممثل الاتهام ضد أهالي دنشواي لإثبات التهمة عليهم . . وبالفعل، نجح الهلباوي ليس فقط في تبرئة جنود الاحتلال الإنجليزي من قتل أم صابر وحرق أجران القمح في دنشواي، وإنما نجح أيضاً في إثبات أن الإنجليز هم الضحايا، وأن أهالي دنشواي هم المذنبون .
ووفقاً لما نشرته جريدة الأهرام في 25/6/1906 وفي كلمات لا تختلف كثيراً عما قاله فريد الديب في دفاعه عن الجاسوس الإسرائيلي عزام، قال إبراهيم الهلباوي (زمان) أمام محكمة دنشواي: (الاحتلال الإنجليزي لمصر حرر المواطن المصري وجعله يترقى ويعرف مبادئ الواجبات الاجتماعية والحقوق المدنية) . . وقال أيضاً: (هؤلاء الضباط الإنجليز، كانوا يصيدون الحمام في دنشواي، ليس طمعاً في لحم أو دجاج، ولو فعل الجيش الإنجليزي ذلك لكنت خجلاً من أن أقف الآن أدافع عنهم) . . وقال الهلباوي أيضاً: (هؤلاء السفلة، وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي، قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعصي والنبابيت، وأساءوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنجليز بيننا خمسة وعشرون عاماً، ونحن معهم في إخلاص واستقامة) .
وعليه: وبفضل ما أبداه إبراهيم الهلباوي هو وغيره يومها من إخلاص واستقامة في الدفاع عن جرائم المحتلين الإنجليز، تم تعليق أهالي قرية دنشواي على أعواد المشانق . . فلفظه عموم المصريين، وهاجمه مصطفى كامل، وعباس العقاد، وحافظ إبراهيم، وأحمد لطفي السيد، ومحمد حسين هيكل، بل ووصفه عبد العزيز جاويش على صفحات جريدة اللواء بجلاد دنشواي، وراح المصريون يطاردونه كلما رأوه هاتفين (يسقط جلاد دنشواي) .
وفي 20/2/1910 اقتص صيدلي شاب اسمه إبراهيم ناصف الورداني لأهالي دنشواي، وأطلق الرصاص على بطرس باشا غالي الذي رأس محاكمة دنشواي، والذي كان قد قفز بعدها إلى رئاسة وزراء مصر . . ولما علم الهلباوي باغتيال بطرس غالي، وسمع الأهالي يغنون لمن اغتاله: (يا ميت صباح الفل على الورداني) . . لم يهدر الهلباوي فرصة التكفير عن سقطته، وقرر أن يدافع هذه المرة عن الورداني نفسه . . ونقلاً عن مذكرات إبراهيم الهلباوي التي أصدرتها الهيئة العامة للكتاب عام 1995 وقف الهلباوي في المحكمة يقول:
(المصريون كلهم كرهوا محاكمة دنشواي، واحتقروا كل من شارك فيها ودافع عن المحتلين الإنجليز . . ولست هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن نفسي . . ومع ذلك أستطيع أن أؤكد أن الشعب المصري يحتقر كل من يدافع عن المحتلين أو يأخذ صفهم أو يبرر جرائمهم . . وأؤكد أيضاً أن مواطنينا لم يقدروا الظروف التي دفعتني أنا وغيري إلى ذلك . . لهذا جئت للدفاع عن الورداني الذي قتل القاضي الذي حكم على أهالي دنشواي بالإعدام . . جئت نادماً أستغفر مواطنينا عما وقعت فيه من أخطاء شنيعة . . اللهم إني أستغفرك وأستغفر مواطنينا) .
آخر سطر: حينما أعدت على ذاكرة المحامي الشهير فريد الديب حكاية إبراهيم الهلباوي، وسألته في حوار مسجل: (متي تفعلها أنت أيضاً وتستغفر المصريين؟) . . قال غاضباً: أنا لست إبراهيم الهلباوي .
إشادة بالاجراءات
على عكس فريد الديب، وقف أحمد محمود بكر، محامي المتهم المصري عماد إسماعيل في القضية ذاتها، وأشاد أمام المحكمة بالمخابرات المصرية وقال نصاً إنها (كانت أمينة على موكله وأثبتت في أوراق القضية كل أقوال موكله عماد إسماعيل من دون زيادة أو اجتزاء) . وعلى عكس فريد الديب أيضاً، أشاد أحمد محمود بكر المحامي بالإجراءات التي اتبعتها النيابة مع موكله عماد إسماعيل، ووصف النيابة بأنها (كانت هي الأخرى أمينة عليه وعلى كل اعترافاته) ومن قاعة المحكمة وجه المحامي نفسه شكره وتقديره للصحافة وللصحافيين المصريين وأعرب عن سعادته لما سماه (اهتمامهم المحمود بهذه القضية، لتنبيه الشباب المصري إلى مخاطر التعامل أو السفر إلى إسرائيل) التي وصفها أحمد محمود بكر المحامي أمام المحكمة بأنها (دولة من الجواسيس) . . وطالب أيضاً المحامي نفسه في مرافعته كل المخلصين في مصر بفضح حقيقة إسرائيل وبالمزيد من التوعية الأمنية والإعلامية للشباب المصري (حتى لا تخدعهم أكاذيب السماسرة الذين يروجون للسفر إلى إسرائيل أو التعامل مع الإسرائيليين) .
* ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
** الآراء الواردة في الكتاب تعبر عن رأي كاتبها