أرسلت من مخبئي للمسؤولين في الدولة مذكرة تفصيلية بأدلتي على أن المطبعين طابور خامس وأن تجار إسرائيل في مصر رجال مخابرات .

الوكيل التجاري لالإسرائيليين في القاهرة دعاني للغداء في منزله بحضور زوجة السفير الإسرائيلي وقال لي: (لازم يكون لك حسابات بره تسندك وقت اللزوم . . الريس مسكين صحته في تدهور وأكله نعناع مغلي وضهر أرنب) .

الإسرائيليون يدمرون كل شيء في مصر تحت ستار التطبيع وحينما رفضت أن أشاركهم تخلصوا مني بحجة أنني أعمل مع المخابرات المصرية .

أنيس منصور أشاد بتعاوني مع إسرائيل ووصفني في عموده بالتاجر المثقف فرددت عليه بإعلانات تقول: ثوار . . لا تجار .

كامل الكفراوي من المخبأ: المطبعون طابور خامس لمصلحة إسرائيل

هل تذكر المليونير الذي تبحث عنه الشرطة، نيابة عن إسرائيل؟

هل تذكر كامل الكفراوي؟ هل تذكر مدرس (الفلسفة) الذي تحول في زمن التطبيع إلى تاجر (فراخ وبيض) إسرائيلي؟ هل تذكر ما فعلته فيه المخابرات الإسرائيلية؟

هل تذكر كامل الكفراوي، الذي أشاد به أنيس منصور في عموده اليومي، ووصفه بالتاجر المثقف لأنه يطبع مع إسرائيل . . فرد عليه كامل الكفراوي بإعلانات في الصحف المصرية يقول فيها عن نفسه وعن شركائه: (ثوار . . لا تجار)؟

هل تذكر كامل الكفراوي . . الكاتب والمؤلف المسرحي الماركسي الذي كتب مسرحيات: المحنة، وعروس النيل، وكوميديا الرجل الكئيب . . ثم فجأة تحول في زمن التطبيع والتركيع، إلى صاحب مزارع عروس النيل (للكتاكيت) . . ومصنع الفراعنة لعلف (الدواجن) . . وشركة الصفا لتوريد حضانات (البيض) ومعدات التفريخ؟

هو زمان كان يتحدث قبل الأكل وبعده عن خطر الصهيونية، وينادي بمقاطعة إسرائيل وبالمقاومة المسلحة لتحرير فلسطين، ثم تحول، في زمن التصهين والأمركة، إلى أشهر مستورد للبيض الإسرائيلي؟

إغراءات الصهاينة

في البداية، أغرته إسرائيل بالتسهيلات، ومنحته البيض والكتاكيت بأرخص الأسعار، ودون أن تأخذ منه سوى شيكات (مؤجلة) الدفع . . ولما رفض أن ينفذ ما طلبته منه المخابرات الإسرائيلية . . غدر به الإسرائيليون، وقدموا شيكات ديونه المؤجلة إلى النيابة العامة في مصر . . وصدر أمر بالقبض عليه، فهرب من الشرطة، واختفى تماماً عن الجميع، وأصبح حديث الصحافة المصرية كلها، بل وسمته الصحف وقتها في تهكم: المليونير الذي تبحث عنه الشرطة نيابة عن إسرائيل؟ هل تذكرونه؟

أنا استطعت أن ألتقيه في (مخبئه) . فأدلى لي ولجهاز التسجيل . . باعترافات مذهلة كشف فيها حقيقة التطبيع والمطبعين المصريين، وما سماه نصاً: (الطابور الخامس الذي يعمل في مصر تحت ستار التطبيع) . . وكيف ألقت به إسرائيل خلف ظهرها كالفأر الميت، حينما انتهى دوره؟

هل تذكر ذلك المطبع (النموذج) لمصير كل المتصهينين المصريين حينما تنتهي مهمتهم، ويصبحون هم أيضاً فئراناً إسرائيلية ميتة؟

أنا أتذكره جيداً . . ووفقاً لذاكرة جهاز التسجيل . . أتذكره، حينما كان بداية الستينات، مدرساً للفلسفة في مدرسة ديرب نجم الثانوية بمحافظة الشرقية .

وأتذكره: وهو يجلس بجلبابه الأبيض على مصاطب الفلاحين في القرية، يتحدث عن الاشتراكية وعن خطورة الصهيونية، وعن جرائم إسرائيل في فلسطين المحتلة .

وأتذكره: حينما وصفه أهله وأهل قريته بالمجنون لأنه قرر أن يستقيل من مهنته مدرس فلسفة ويتنازل عن بعض فدادينه للفلاحين، ويبيع البعض الآخر، لينشئ بثمنها فرقة آمون .

المسرحية

أتذكره: وهو يحكي لي كيف شارك في كل حروبنا مع إسرائيل، بصفته ضابطاً بالقوات المسلحة المصرية . . ثم نسي شهداء فصيلته، وتنكر للأطفال الذين حرقتهم الطائرات الإسرائيلية بقنابل النابالم في مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية، التي هو أحد أبنائها؟

وأتذكره: بعد أن أصبح تاجر فراخ وبيض وكتاكيت إسرائيلية . . يلومه كل أصدقائه القدامى ويفجعون فيه .

وأتذكره أخيراً: نجماً للتطبيع مع العدو الصهيوني . . ثم فجأة تنقلب عليه إسرائيل ووكلاؤها في مصر . . فيصفونه بالنصاب، ويشيعون إفلاسه، ويقدمون شيكات مديونيته للنيابة العامة، فتنهال عليه الأحكام بالسجن، ويقرر الهرب والاختفاء من الشرطة، بعد أن صدرت الأوامر بالقبض عليه .

ولأن ديونه لإسرائيل ووكيلها في القاهرة هي فقط نصف مليون جنيه . . ولأن أي عاقل في الدنيا لا يمكن أن يصدق أن إسرائيل بالذات، يمكن أن تضرب أحد المطبعين والمتعاونين معها من أجل نصف مليون جنيه فقط . . فقد كان كل همي منذ هروب المليونير كامل الكفراوي أن أبحث عنه، لكي أجري معه هذا الحوار الصحفي، لا لتبرئته أو إدانته . . وإنما بالضبط، لكي نستمع إليه كشاهد من أهلها . . شاهد من أهل التطبيع . . فربما من خلال شهادته، وضعنا أيدينا على ما يفضح فصلاً جديداً من مسلسل الفساد والتصهين والأمركة، خصوصاً أن نجم التطبيع الهارب، اعترف لي بأنه على استعداد أن يسلم نفسه لسلطات الأمن المصرية، بعد نشر هذا الحوار، ليفضح حقيقة التطبيع والمطبعين، ويفضح أيضاً حقيقة الدور الذي يلعبه التطبيع في تخريب مصر، وهو ما حدث بالفعل .

تهريب المستندات

وقبل أن نقرأ هذه الاعترافات الخطيرة، والتي مازالت ذاكرة جهاز التسجيل تحتفظ بها كاملة، أستطيع أن أصارحكم بأنني جلست مع المليونير الهارب كامل الكفراوي في مكان ما على أرض مصر . . وأستطيع أن أؤكد أيضاً أنه على عكس ما أشيع، لم يهرب خارج مصر ولو ليوم واحد . . مستنداته فقط هي التي قال لي إنه هربها إلى السودان . . وزوجته الطبيبة أرسل لها هي أيضاً من مخبئة ورقة الطلاق ليعفيها كما يقول مما تحملته في غيابه . . ونصحها بأن تنشد الأمان في بلد آخر ليس فيه مصريون متصهينون، فسافرت تعمل في إحدى الدول العربية . . أما نجله، فيقول إنه تركه وحيداً عند بعض نجوم المجتمع من أصدقائه .

أستاذ كامل الكفراوي: أعرف أنك (مؤلف) مسرحي قبل أن تكون تاجر (فراخ) وبيض إسرائيلي . . فأرجوك، حتى لا نظن أنك تحاول كسب العطف بهذه البداية (الميلودرامية) . . ضعنا مباشرة أمام قصتك مع إسرائيل . .

حينما اكتشفت أن إسرائيل تحت ستار التطبيع، تسعى لتدمير كل شيء في مصر من الداخل، قلت لنفسي لا يمكن أن أسكت على مصيبة تحاك لبلدي في الظلام من أجل الشيكات (إللي ماسكني بيها) الإسرائيليون . . أو خوفاً من سنة أو تسعة شهور سجن إذا قدموا الشيكات للنيابة، بعد أن علموا أن رصيدي في البنك لا يكفي لسداد نصف المليون جنيه التي هي مجموع مستحقاتهم عندي . . حينما اكتشفت هذه المصيبة ورفضت أن أشارك فيها، بدأ الإسرائيليون في محاصرتي، تمهيداً لضربي .

أستاذ كامل: قبل أن أضغط على زر التشغيل في جهاز التسجيل الذي أضعه الآن بيني وبينك، قلت لك إنني لست مقتنعاً بأن الإسرائيليين ضربوك من أجل نصف المليون جنيه فقط التي لهم طرفك، ولابد أن تكون هناك أسباب أخرى . . وقلت لي إنهم قرروا الإجهاز عليك، لأنهم اكتشفوا مؤخراً، كما تقول، إنك ( مش بتاعهم) . . وإنك حسب - تعبيرك - لست (بالمواصفات) التي يريدونها . . وهذا في الحقيقة كلام (إنشائي) مرسل، وأنا أريد وقائع محددة؟

أنا لست جهاز مخابرات، ولكن ما شعرت به كضابط خدم في القوات المسلحة المصرية أكثر من (14) عاماً ويعرف جيداً هذه الأمور، يجعلني أوكد أن في مصر طابوراً خامساً لالإسرائيليين يعمل تحت ستار التطبيع، وأدلتي على ذلك ليس من حقي أن أفصح عنها في هذا الحديث الصحفي المفترض نشره على الكل، لكني ذكرتها تفصيلاً في المذكرة التي أرسلتها من مخبأي إلى العديد من المسؤولين في الدولة . . ربما تكون تخميناتي خاطئة، ولكني لا أضع فرض تخميني إلا إذا كانت أدلته تفوق الخمسين في المئة، وعلى ذلك أستطيع أن أوكد أن التطبيع مع إسرائيل خداع وتضليل، وما يجري على أرض مصر باسم السلام أو باسم التطبيع، ستار لطابور خامس يعمل لمصلحة إسرائيل متخفياً وراء العمل بالتجارة وخلافه . . وهذا الطابور الخامس في مصر( ممسوك) بشيكات لإرهابه وضربه وقت اللزوم، مثلما ضربوني عن طريق وكيلهم (صلاح نبهان) الوكيل التجاري للشركات الإسرائيلية في القاهرة .

غداء في منزل نبهان

* لكني علمت أن صلاح نبهان، دعاك للغداء في منزله قبل القبض عليك بأيام . .

فعلاً . . قبل ضربي بأيام، كانت العلاقات بيني وبين الإسرائيليين في أحسن صورها . . ودعاني وكيلهم صلاح نبهان للغداء في منزلة الذي يفتح من الداخل على صالة واسعة للجلوس، والسفرة في الجهة البحرية لتلك الصالة، وتفتح مباشرة على المطبخ . . وكانت معنا على الغداء زوجة السفير الإسرائيلي التي تجيد بعض العربية، حيث اعتذر السفير عن عدم الحضور . . وبعد أن جلسنا منفردين على أريكة عربية دار بيني وبين صلاح نبهان هذا الحديث الذي سأترك التعليق عليه لمن يقرأه . . قال صلاح نبهان: هيه يا أبو كمال . . عامل إيه . . أنت لك حسابات فين؟ قلت: ماليش . . قال: إزاي يا ابني الكلام ده . . مالكش ولا حساب بره أبداً؟ ثم حكى لي كيف أنه خرج إلى ألمانيا أيام عبد الناصر، ثم عاد بضمان خاص من الرئيس السادات . . وأراني بعض صوره مع الرئيس السادات وهو يضيف: لازم يا أبو كمال يكون لك استعدادات بره تسندك عند اللزوم . . الريس مسكين صحته في تدهور، وأكله نعناع مغلي وضهر أرنب . . فقلت: والله يا صلاح بيه أنا ما أعرفش أي حاجة من دي .

هذا هو تقريباً كل ما دار يومها بيني وبين صلاح نبهان الوكيل التجاري العام لإسرائيل في القاهرة . . وبعدها مباشرة التقاني صلاح نبهان مرة ثانية، ثائراً وهو يصيح: إزاي تبقى تاجر وفي المخابرات المصرية؟ وأقسمت له أنني لا أعرف شيئاً عن المخابرات، وليست لي بهم أي صلة . . فقال لي: طيب . . إنس بقى إنك كنت ضابطاً في الجيش المصري حتى عام 1974 وإنس كمان إنك اشتركت في كل الحروب التي دخلتها مصر مع إسرائيل .

وبعد أن أقنعته بعدم صلتي بالمخابرات المصرية، اتفقنا على جدولة ديوني لإسرائيل، وقلت له إنني أحتاج لصيغة قانونية للسداد بشرط أن تمهلوني حتى أستطيع تحصيل نقودي من السوق لسدادكم، ووافقني على ذلك بعد أن قلت له إنني أشعر بأن القضية ليست قضية فلوس . . لأن المنطق والعرف التجاري يقضيان بأن أي شركة أو أي تاجر كبير لا يشتكي أحد عملائه إذا كان بينهم عمل أو مديونيات في حدود العشرة ملايين جنيه، وأنا كل ديوني لكم هي نصف مليون جنيه فقط .

تحايل تجاري

* من فضلك: كل هذه الأسئلة أنت الأولى بالإجابة عنها، إن كنت حقاً تعرف لها إجابة وتحرص فعلاً على مصلحة وطنك . .

هناك عصابة تهريب في مصر باسم التطبيع، واسألوا بنك قناة السويس عن حجم المبالغ التي حولت رسمياً عن طريقه إلى إسرائيل . . اسألوه عن حجم المبالغ التي حولها كل من يوسف رفعت، وصلاح نبهان، وعلى العوضي، إلى إسرائيل حتى مارس ،1981 كل بضائع الشركات الإسرائيلية تصل ارتجالياً دون فتح اعتمادات، ودون تحويل لأي بنك من البنوك . . وفي الجمارك لهم وسائلهم في إدخال البضائع ليتم بيعها (دكاكيني، بعد مسك) العملاء بشيكات حتى لا ينطق أحد منهم أو يبلغ أجهزة الدولة . . وبعد البيع يذهب كل عميل بعد تصريف البضاعة إلى بنك قناة السويس ليودع ما عليه في حساب صلاح نبهان وتتم عملية تحويل سريعة ومريبة لكل هذه المبالغ إلى إسرائيل وبطريقة لم أرها في تاريخ التجارة . . وأبسط دليل على ذلك هو أن جميع الرسائل التي وصلت المطار باسمي من إسرائيل جاءتني دون فتح اعتماد . . ولما نبهني أحد الأصدقاء إلى أن هذا يعدّ نوعاً من التهريب وشرح لي كيف أن هذا يخل بالميزان التجاري، طلبت رسمياً من بنك قناة السويس في مارس 1981 تحويل النقود بالصورة الرسمية .

* أستاذ كامل: قبل بدء هذا الحوار أخبرتني بأن الدكتور مصطفى السعيد وزير الاقتصاد السابق، حينما زارك في التخشيبة بصفته نائباً في البرلمان عن دائرتك ديرب نجم، قلت له إنك عرفت الكثير دون قصد . . فهل هذا فقط هو ما كنت تقصده؟

لا طبعاً . . هذه نقطة في محيط . . أنا في تعاملاتي معالإسرائيليين مثل من ذهب يبحث عن قرش صاغ فوجد كنزاً . . وعليه، كان لابد أن يقتلوه مادام قد عرف هذا الكنز . . تماماً مثل فيلم (ماتي) الذي يقول إن المخابرات الأمريكية حينما اكتشفت أن الرجل الذي كان يعمل معها، هو في الحقيقة ضدها، نسفته في طائرة . . وأنا لم ينسفني الإسرائيليون في طائرة، أنا عملولي قضية وحاولوا تصويري علي أنني (نصاب) . . لقد كنت أعرف جيداً أن إسرائيل لاهم لها من وراء ما يسمى التطبيع، سوى تدمير كل شيء في مصر من الداخل .

* غريبة . . لماذا إذن يا أستاذ كامل وافقت من البداية على أن تكون أحد (أدوات) إسرائيل في هذا التطبيع الذي تقول إنه يدمر مصر من الداخل؟

كل منا له شخصيته وأسلوبه في الحرب . . وأنا تعاملت مع إسرائيل رغم أن طبيعتي ضد التعامل معها . . طبيعتي كمحارب، وطبيعتي ككاتب تربى في أحضان الإخوان المسلمين ضد التعامل مع إسرائيل . . وأنا تعاملت مع الإسرائيليين وأنا أعرف جيداً أن هذا التطبيع خداع وتضليل . . أنا محارب وأعي هذه الأمور جيداً . . أنا دارس وكاتب تدور كل أعماله حول الشخصية اليهودية وخطر الصهيونية . . وبالمناسبة، أنا لست ماركسياً كما تعتقد، أو كما توحي مسرحياتي، ولكني - كما قلت - تربية الإخوان المسلمين، وإن كنت لست عضواً في جماعتهم . . ومن يفسر آية واحدة من سورة (الإسراء) أو من سورة (الطور) لابد أن يعرف ما هي المعركة التي ستدور بيننا وبين إسرائيل . . ثم ماذا تريدني أن أفهم حينما أجدهم في صلاة الغفران يقولون حتى الآن: السبت المقبل في سيناء . . السبت المقبل في سيناء .

أستاذ كامل: أنت لم تجبني حتى الآن . . وها أنا أعيد السؤال . . مادمت تعرف كل هذا، لماذا تعاملت مع الإسرائيليين من البداية؟

أنا حينما تعاملت مع الإسرائيليين لم أتعامل إلا بالكميات التي تصلح للاختبار، ورغم ذلك اكتشفت الكثير . . اكتشفت مثلاً، أن القضية ليست قضية إفساد المصريين بالمناصب، أو الفلوس أو خلافه . . القضية هي أن البلد متدمرة من الداخل، وأن السوس ينخر في كل الجسم، وأن إسرائيل تدمر كل شيء في مصر من الداخل تحت ستار التطبيع . . والأهم والأخطر، هو أنني اكتشفت أيضاً أن تجارة الإسرائيليين في مصر لم يدخل فيها تاجر إسرائيلي واحد . . وإنما دخل فيها أشخاص تكاد العين تشك فيهم أو تكاد تقول لهم: (أنا شفتك فين؟) . . والإجابة المنطقية: (شفتك في الحرب . . شفتك على خط النار) . . أنا لا أعتقد أن مصر دخلها تجار إسرائيليون . . وأستطيع أن أقطع بأنهم جميعاً رجال المخابرات الإسرائيلية المعروفة باسم (الموساد) . . أو رجال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية . . وكلهم جاءوا إلى مهام أخرى في مصر تحت ستار التجارة أو خلافه . . وحس التاجر والمفكر والكاتب والمحارب داخلي يؤكد ذلك، لأنني أعرف جيداً أن الإسرائيليين كذابون ومخادعون، وأن ما يروجون له حول السلام أوهام فاسدة .

ثم: ألم أقل لك من قبل إن هناك طابوراً خامساً يعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية تحت ستار التطبيع . . أنا لست جهاز مخابرات حتى أحدد لك أسماء هذا الطابور الخامس من التجار والمثقفين والساسة والصحفيين المصريين وغير المصريين . . ولكني فقط أحدد خيوطه ومنابعه وعلى الجهات المسؤولة أن تستجلي الباقي إن أرادت . . وأن تتصدى له تصدياً حقيقياً، إن كانت حقاً تخاف على مصر . . اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد .

محاولة التسلل إلى السودان

أستاذ كامل: مادمت قد اتفقت مع وكيل الإسرائيليين، كما تقول، على جدولة ديونك لديهم، فلماذا إذاً قدم شيكات مديونيتك إلى النيابة؟

لأن الإسرائيليين علموا بما حدث بيني وبين الأخ والتاجر السوداني فتح الرحمن البشير، وهو الرجل الذي كان له دوره في المصالحة والتكامل بين مصر والسودان، ويعدّ أقوى رجل أعمال في السودان مالياً وسياسياً وقبلياً . . ولأنني كنت قد عرفته جيداً من خلال سفرياتي المتعددة للسودان، فقد انتهزت فرصة وجوده في القاهرة، وعرضت عليه موقفي مع الإسرائيليين وحصارهم لي تمهيداً لضربي . . فوقع الرجل معي هذا العقد، لأقوم بموجبه بتصنيع وتوريد معدات ومستلزمات أربعمئة مزرعة دواجن يملكها في السودان ليساندني في تسديد ديوني . . ومن خلال مناقشتي بعدها مع صلاح نبهان، شعرت بأن الإسرائيليين أحسوا بأنني بعقد فتح الرحمن البشير سوف أتمكن من أن أقف على قدميّ، وأتمكن من الإفلات من حصارهم، ولن أكون مثل بقية المصريين الذين يتعاملون معهم، وأرضخ لإغراءاتهم أو لابتزازهم وأنفذ ما يطلبونه مني، أو أسكت عليه . . ولهذا انتهز الإسرائيليون الفرصة وطلبوا مني أن (يتسللوا) إلى السودان من خلال هذا العقد، وذلك بأن يوردوا لي معدات الأربعمئة مزرعة مصنعة في إسرائيل، ثم أقوم أنا بتوريدها جاهزة إلى السودان بدلاً من تصنيعها محلياً في مصنعي، وما عليك إلا أن تقرأ محضر النيابة، لتتأكد أن الإسرائيليين طلبوا مني إغلاق مصنعي، وأن يمدوني هم بالمعدات والعنابر اللازمة للأربعمئة مزرعة التي تعاقدت على توريدها للسودان، بل وعرضوا أن يمدوني بهذه العنابر بسعر أرخص بكثير من سعر تصنيعها محلياً في مصنعي ليتسللوا من خلالها إلى دولة عربية جديدة هي السودان . . ولما رفضت، ومن أجل ابتزازي ودفعي دفعاً للرضوخ لمطالبهم، سارع مندوبهم (صلاح نبهان) بتقديم شيكات مديونيتي للنيابة، التي أمرت بحبسي أربعة أيام على ذمة التحقيق، لأن الشيكات كانت بلا رصيد يكفي لسدادها . . ولما انتهت فترة حبسي على ذمة التحقيق قررت الهرب لأجهز نفسي لفضحهم، لأن إسرائيل تدمر كل شيء في مصر من الداخل . . ومن يكابر، يسأل وكيلهم صلاح نبهان: كيف تدخل البضائع الإسرائيلية إلى مصر باسم التطبيع، وكم دفعت عليها من جمارك ومن كان ومازال يهرب لها أثمان بضائعها خارج مصر؟

* ينشر بترتيب خاص مع وكالة الأهرام للصحافة

* الآراء الواردة في الكتاب تعبر عن رأي كاتبها