قليلة هي الأبحاث التي تتطرق لموضوع اللهجات في أي بلد من البلدان، ولا ندري ما هي الأسباب الحقيقية التي تحول دون ذلك . . هل ينطوي الأمر على حساسية مفرطة، أم إنه موضوع أكاديمي صرف يحجم عنه الدارسون لصعوبته؟

يشير أكثر من باحث في هذا المجال إلى أهمية دراسة اللهجات العامية لأنها نافعة لمعرفة اللغة العربية، ومنهم السعودي سليمان ناصر الدرسوني الذي يؤكد أن ذلك يفيد في دراسة اللهجات الجاهلية التي وردت في النصوص القديمة، وأيضاً لتقصير الفصيحة عن وضع مسميات لبعض الألفاظ والاستئناس بما ورد في النصوص الجاهلية، كما يأتي على ذكر الشعر الجاهلي الذي يكاد يغيب عن الدراسات الجادة لدارسي اللغة العربية، كما يؤكد أكثر من دارس على أن لهجات الجزيرة العربية تضرب بجذورها في الفصحى، أو هي كما يعرف الجميع لغة القرآن الكريم، في السياق ذاته أشار الباحث د . فالح حنظل محقق كتاب ديوان محين الشامسي إبحار في التاريخ والاجتماع والسياسة إلى القضية نفسها بتأكيده أن لغة البادية كانت الأقرب إلى الفصيحة، وقد تم تداولها وما يزال في مناطق عديدة من الجزيرة العربية، وصولاً إلى الأردن والعراق . ولكن، ماذا عن اللهجات العامية في البلدان الغربية؟

المتتبع لمثل هذا الأمر يلحظ جدلا واسعا بين مؤيدين ومعارضين لانتشار العاميات في بلدانهم، ففي فرنسا على سبيل المثال، وهي التي تكثر فيها معاهد اللغات، وهي أيضاً شهدت أول انطلاقة في علم اللهجات منذ عام ،1880 وذلك راجع لأسباب يراها البعض جوهرية لجهة أنها أي فرنسا هي من أكثر البلدان الأوروبية التي شهدت منذ مئات السنين اختلاطاً عرقياً، حيث تكثر فيها لهجات قادمة من مجاهل إفريقيا وأخرى من منطقة الكاريبي وبلدان أوروبية عدة، فكان مجرد ذكر هذا الموضوع مدعاة لإثارة الجدل حول العلاقة بين العرق واللغة، وهذا اسهم في ترويج حملة من الأطروحات الأيديولوجية والسياسية، من ذلك على سبيل المثال ما ذكر عن بيان الثورة الفرنسية الذي اعتبر اللهجات من بقايا عهود الإقطاع والاستعباد، فلا مناص من محاربتها ونشر اللغة الفرنسية بدلاً منها، ومنهم الراهبً . وعودة إلى أهمية اللهجات، فقد أكد بعض المؤرخين أن بعضها استطاع أن يصل إلى مستوى اللغة، لما انطوت عليه من قيمة أدبية عالية، وهذا شأن اللهجات السبع التي كانت سائدة بين القبائل في قريش، لا بل إن الدراسات الأنثروبولوجية في علم اللغة كشفت عن أن بعض اللهجات القديمة وخاصة المحكية استطاعت أن تحافظ على تماسك أشكالها وكلماتها بدرجة أفضل من بعض اللغات الأدبية، وقد شكّلت هذه اللغات المحكية بمعنى من المعاني حلقة وصل ساعدت في تفسير بعض الأشكال اللغوية الحية وخاصة المتقدمة منها .

بين دعاوى الحفاظ على التراث، وتلك الأبحاث الخجولة عن اللغات في الوطن العربي، فقد آن الأوان للانتقال باللغة من كونها موضوعاً بالغ الدقة والحساسية إلى موضوع حيوي وعلمي يبحث في مستواه النقدي والمعرفي .