سنة ،1981 وبعد سنوات من غياب السينما المصرية عن النهل من أدب الروائي نجيب محفوظ، قام المخرج الراحل أشرف فهمي بتحقيق فيلم الشيطان يعظ مخرجاً ومنتجاً عن سيناريو لأحمد صالح مقتبساً بأمانة عن رواية محفوظ بالاسم نفسه . دراما اجتماعية في مصر العشرينات حيث يتنافس على السُلطة اثنان من المعلّمين الكبار (فريد شوقي وعادل أدهم) بينما يحاول المكوجي الشاب (نور الشريف) إيجاد مكان آمن بينهما . لكن كيف ذلك وهو متزوّج من امرأة حسناء (نبيلة عبيد) يتمنّاها أحد المعلّمين؟
المكوجي هو المحور الحدثي لما يدور، لكن في المحيط بأسره الفكرة التي تداولتها روايات المؤلّف الكبير: السعي للسُلطة واستحواذها وكل ما تعنيه أو يلج تحت اعتبارها من استحواذ البشر وامتلاك النساء وإثبات الذات وفرض الإتاوات والنرجسية الذكورية التي تصل إلى حد التقاتل الدموي . بالنسبة للمخرج، فإن ما يبعثه على الشاشة من مشاهد قتل وقتال ليس سوى ترجمة لما رسمه الكاتب بالكلمات . لكن المخرج يبتعد عن استخدام كل ذلك بالطريقة ذاتها التي استخدم فيها مخرجون آخرون (بينهم حسام الدين مصطفى في الحرافيش ونيازي مصطفى في التوت والنبّوت) الحكايات . يهتم بالفحوى الأدبي والمحيط الواقعي ويوفّره تماماً كما فعل في العام ذاته على بدرخان حين قدّم أهل القمّة . في هذا النطاق بدأ أشرف فهمي من حيث توقّف صلاح أبوسيف . أشرف فهمي ينجز مهمّة المؤلف في جعل الصراع بين معلّمين هو الصراع على مصر والعالم العربي بين القوّتين الكبيرتين (آنذاك واليوم) روسيا وأمريكا . الشيطان يعظ يمتد من الماضي عابراً إلى اليوم وذلك عندما نصل إلى المشهد الأخير الذي يولد فيه طفل تريد أمه (لنقل أنها ترمز إلى مصر) أن تنشئ به مستقبلاً مختلفاً .
بهذا ينقل المخرج الماضي إلى الحاضر من دون توقف ومن دون مباشرة . عملية نشعر بها أن كل ما رأيناه، والذي نعرف أنه ما زال ماثلاً بشكل مختلف هنا وهناك، لم ينته بعد وأن نهاية الفيلم هي أمل بداية جديدة دائماً ما يقفز أمامنا ونحن نسعى لتحقيقه .