انتهى المشاركون في الملتقى الخليجي الثاني عشر للجمعية الخليجية للإعاقة المنعقد في مسقط، والذي نظمته وزارة التنمية الاجتماعية بالتعاون مع الجمعية الخليجية للإعاقة والجمعيات الأهلية ذات العلاقة في السلطنة، إلى ثلاث عشرة توصية تستهدف تحقيق الدمج الشامل في ضوء الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة والاحتياجات الخاصة، كان أبرزها ضرورة وضع الخطط العامة للوصول إلى الدمج الشامل ضمن الاستراتيجيات الوطنية للإعاقة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتكييف وتطويع مناهج التعليم العام، وتطويع المكتبات للأشخاص، وتحقيق الدمج بمؤسسات التعليم العالي وإنشاء مراكز خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة، والتأكيد على أهمية الشراكة بين الأسرة والمجتمع والجهات المعنية، والعمل على استخدام التقنية المساعدة وتطويع البرامج الحاسوبية ومواقع الإنترنت، وتشجيع إعداد الدراسات والبحوث وتطبيقاتها بدول المجلس، وحث وسائل الإعلام للتوعية بأهمية الدمج الشامل في حياة المواطن، ونشر المبادرات الخليجية في هذا المجال، وتبادل الزيارات بين الجهات المعنية للاطلاع على التجارب الخليجية للاستفادة منها، وتبني مجلس وزراء التربية والتعليم بدول المجلس ومجلس وزراء التربية العرب للتجارب الخليجية والعربية في تعليم وتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة وتعميمها على الدول الأعضاء، إلى جانب دعوة مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أنواعها للقيام بمبادرات لتفعيل الدمج الشامل .
شهدت الفعاليات استعراضاً لبعض التجارب الناجحة التي عكست أهمية الدمج الشامل، حيث عرض عدد من التجارب وصف الملتقى أصحابها بنجوم التحدي الذين نقلوا تجاربهم وتجارب ذويهم في تخطي تحديات الإعاقة بقوة ارادتهم محطمين حواجز العزلة والعجز، والذين كان من أبرزهم محمد أمين مختار من دولة الإمارات، وصفية البهلانية ووليد بن علي الناصري من السلطنة، ومحمد همام المحمد من دولة قطر، وذلك إلى جانب مشاركة أربعمائة وخمسين من ذوي الإعاقة وأسرهم، والأكاديميين والمتخصصين في مجالات الإعاقة والتقنية والعاملين في مجال تعليم وتأهيل المعاقين .
وفي جلسة ترأسها الشيخ أحمد بن هاشل المسكري مستشار وزير التنمية الاجتماعية للتخطيط، استعرضت الجمعيات المشاركة تجاربها في خدمة ذوي الإعاقة، فعن توظيف التقنية المساعدة في المواقع التعليمية المدمجة بدولة قطر، تقول الدكتورة وفاء حمد الصالح مديرة وحدة الدراسات بمكتب نائب الوزير لتعليم البنات بوزارة التربية والتعليم القطرية، إنه تم الاطلاع على الدراسات والأدبيات الأجنبية والعربية المرتبطة بتصميم وإنتاج البرامج التعليمية الإلكترونية لدعم تعليم طريقة برايل إلكترونياً للمتعلمين باللغة العربية، حيث اتضح في هذا الصدد ندرة البرامج العربية بينما وجدت بعض الدراسات والبرامج الأجنبية، وتركز الدراسة الحالية على تصميم برنامج تعليمي إلكتروني لتعلم طريقة برايل العربي المطور للمبصرين الذي يسهم في إعداد المعلمين والمهتمين، ويتكون من قائمة بالدروس لتعليم منهج متكامل يتضمن الرموز الأساسية من الألف إلى الياء، والاختصارات، والرياضيات، والعلوم الطبيعية، ورموز وأشكال الحاسب الآلي، وقائمة بالتدريبات والاختبارات التي تشمل مجموعة من المستويات التأهيلية للمتدربين إلى جانب نتائج المتدربين من تحديد مستوى المتدرب المتمكن من تعلم طريقة برايل المطور العربي .
تطويع التكنولوجيا
مهدي صالح النعيمي، رئيس جمعية الصم البحرينية، يتحدث عن مشروع مركز الاتصال المرئي الذي يستفيد منه الصم والمعاقون سمعياً في حالات الطوارئ وطلب المساعدة، والاستعلام والأخبار والمناسبات العامة والخاصة، والتعليم والتدريب، والاتصال بالمستشفيات والمراكز الطبية وطلب المشورة الصحية والنفسية، كما يستفيد من المشروع الجهات الأخرى، كالمطار والأمن والدفاع المدني والبنوك وشركات التأمين ومراكز التعليم والتدريب والمستشفيات والأطباء، ويشمل التطبيق المجالات الصحية والتعليمية والشرطة والمرور والإعلام والاتصالات .
وعن تجربة جامعة القدس المفتوحة في تطويع التكنولوجيا والمساهمة في تطبيق الدمج الشامل للطلبة المكفوفين، تتحدث أسمهان موسى محمود الجمل عن إنشاء مختبرين حاسوبين للمكفوفين للمساهمة في دمجهم بالمجتمع المحلي، وذلك بهدف تطوير قدراتهم باعتبارهم يعانون صعوبات في الإبصار وزيادة الوعي لديهم بالتكنولوجيا الحديثة وتزويدهم بالمعدات والبرامج والدعم اللازم، إضافة للتدريب من خلال المختبرين من أجل تحسين أوضاعهم المعيشية وأدائهم الأكاديمي وتحسين فرص العمل، وإن من الفوائد التي تحققت بإنشائهما محو الأمية الحاسوبية لدى الطلاب المكفوفين والمساعدة على دمجهم في المجتمع والوصول إلى المعلومات من خلال الإنترنت وتمكين الطلاب المكفوفين من خلال المشاركة الفاعلة في النقاشات واقتراح الأفكار البناءة، إضافة إلى تنمية الاعتماد على الذات والدافعية والاستقلالية ومساعدة الطلاب على الاندماج في المجتمع .
ومن مركز خدمات الاحتياجات الخاصة بجامعة الملك سعود، يقول الدكتور علي بن حسن الزهراني، أستاذ مشارك بقسم التربية الخاصة، إن تطوير مركز خدمات ذوي الاحتياجات الخاصة بالجامعة أحد الأهداف الاستراتيجية لعمادة شؤون الطلاب، حيث يقدم كافة الخدمات المساندة والمساعدات للطلاب ذوي الإعاقة التي تتمثل في التعرف إلى مشكلاتهم وإيجاد الطرق والوسائل وتقديم الاقتراحات لتذليلها، وتوفير الأجهزة والأدوات التي تزودهم بمهارات وخبرات نفسية واجتماعية توقظ مواهبهم وطاقاتهم الكامنة، وتسهم في بناء شخصيتهم وتزرع ثقتهم بأنفسهم وتزيد من فاعليتهم ونشاطهم ومساعدتهم على الاندماج في الحياة الجامعية والمجتمع، إلى جانب بناء وتنمية أواصر التعاون بين المركز والكليات وإدارات الجامعة، ومساعدة المراكز المماثلة التي قد تنشأ مستقبلاً سواء من داخل الجامعات السعودية أو غيرها .
ومن جامعة الملك عبدالعزيز، تتحدث الدكتورة مها عبدالله أركوبي، أستاذة مساعدة للتعليم الخاص، عن مكتب خدمات للطالبات من ذوات الإعاقة منذ عشر سنوات، موضحة طريقة إنشاء المكتب من حيث الشكل الإداري والوظائف المستحدثة والتوصيف الوظيفي، وطريقة العمل والهيكلة التنظيمية، إضافة إلى أنواع الخدمات المقدمة في الجوانب الأكاديمية من حيث تعديل وتكييف المناهج الدراسية وطرق التدريس المستخدمة وخدمات التأهيل الذاتي والوظيفي للتغلب على الصعوبات التي تواجهها الطالبة وخدمات الإرشاد والتوجيه الأكاديمي مع الأقسام العلمية، مشيرة إلى أنواع العوائق التي تقابل طلاب ذوي الإعاقة أثناء دمجهم مع الطلاب العاديين في مؤسسات التعليم العالي سواء من النواحي الاجتماعية والبيئية وأنواع التمييز العنصري السائدة في المجتمعات العربية تجاه هذه الفئة المجتمعية، والصعوبات التي تواجه الطالبة في كل النواحي أثناء دراستها الجامعية، والأساليب المستخدمة والاستراتيجيات التعليمية والإدارية لدمج الطالبات وتذليلها أثناء دراستها .
الدكتور محمود محمد إمام، أستاذ مساعد في قسم التربية الخاصة بكلية التربية في جامعة السلطان قابوس، يتحدث حول اهتمام علماء التربية في العقدين الماضيين باستراتيجيات تطويع وتكييف المنهج وطرق التدريس للطلاب ذوي الإعاقات في المدارس الدامجة، حيث اهتمت معظم الكتابات في هذا الشأن بالتركيز على عمليتي التعليم والتعلم لما يعرف بالمهارات الأكاديمية الأساسية التي تشمل القراءة والكتابة والهجاء واستخدام الأرقام، وأنه تم تقديم طرق لتطويع محتوى المنهاج في هذه الجوانب الأساسية لمواجهة احتياجات الطلاب ذوي الإعاقات، الا أن أصواتا تعالت من جانب الممارسين بأن التركيز على هذه الجوانب ليس كافياً نظراً لاختزاله مفهوم المنهاج ومفهوم التطويع والتكييف للمنهاج وطرق التدريس المرتبطة، مشيراً إلى عدد من المبادئ والاستراتيجيات الأساسية التي تسهم في تطوير الممارسات الدامجة من خلال استراتيجيات التنويع وتقديم استراتيجيات عملية لتطويع محتويات المنهاج ومصادره مع التركيز على تعديل مداخل التدريس .
نجمة بنت محمد بن حسن البلوشية، مشرفة تربية خاصة بقسم الدمج وصعوبات التعلم في دائرة التربية الخاصة بالسلطنة، قدمت دراسة تقويمية للعملية التعليمية للطلاب الصم وضعاف السمع هدفت إلى تقويم العملية التعليمية لهذه الفئة من خلال التعرف إلى واقع تربيتهم وتعليمهم، والفلسفات والتوجهات الحديثة المطبقة في هذا المجال، واتجاهات كل من العاملين وأولياء الأمور والطلاب السامعين نحو الصم وضعاف السمع وقدرات الصم، إضافة إلى أكثر الخدمات المقدمة لهم وأسرهم، وواقع الاحتياجات المكانية والتجهيزية اللازمة لإنجاح عملية دمجهم ومتطلباتها الأكثر توفراً بالمدارس العادية، ومدى ملاءمة المناهج الدراسية لتعليمهم .
صالح بن سليمان الزهيمي، مسؤول التدريب والتطوير بالجمعية العمانية للمكتبات، يتناول الخدمة المكتبية لذوي الإعاقة من خلال دراسة حالة يقول إنها تهدف إلى الوقوف على واقع الخدمات المرجعية والتسهيلات الفنية التي تقدمها المكتبات العامة لذوي الإعاقة بمختلف فئاتهم من حيث مدى توفير مجموعات من المواد المكتبية والتعليمية والترفيهية والتثقيفية والمهنية لتطوير مهاراتهم وقدراتهم، ومدى توفير المواد السمعية والبصرية من أجل مساعدتهم في إيصال المعلومات بطريقة مشوقة وسهلة، ومدى توفير التجهيزات المكتبية، كالمداخل والمصاعد والأثاث المناسب لطبيعة هذه الفئة، ومدى تعاون المكتبات مع المراكز والمؤسسات ذات العلاقة مع ذوي الإعاقة، موضحاً أن دراسته تستخدم المنهج الوصفي للتعرف إلى واقع الخدمات والتسهيلات في مكتبات عامة وأكاديمية تشمل المكتبة الرئيسية بجامعة السلطان قابوس، ومكتبات مركز الدراسات العمانية بجامع السلطان قابوس الأكبر، والنادي الثقافي، ومعهد العلوم الشرعية، كما تقوم الدراسة بجمع البيانات من خلال الزيارات الميدانية، وتوزيع استبانة للعاملين بها وإجراء مقابلات على عينة من ذوي الإعاقة .
صعوبات التعلم
وحول الدمج المجتمعي الشامل وتطبيق نماذج الإعاقة في خدمة التلاميذ الذين لديهم صعوبات التعلم في المرحلة المتوسطة، يقول الدكتور إبراهيم بن سعد أبونيان، أستاذ مساعد بقسم التربية الخاصة بكلية التربية في جامعة الملك سعود، إن الخمسين عاماً الماضية تميزت بما يعرف بحركة حقوق الإنسانالتي كان لها الأثر الكبير في ظهور الاهتمام بالأشخاص المعاقين سعياً وراء حفظ كرامتهم التي تعتبر حقا فطريا، مستعرضا نماذج الإعاقة التي أثرت في كيفية النظرة نحو الأشخاص وتعامل المجتمع المهني والعام معهم ومدى اندماجهم في المجتمع من خلال استعراض مختصر للنماذج التي تعكس مفاهيم الإعاقة، والتركيز على أشهر تلك النماذج وبيان منطلقات كل منها وأثرها على نظرة المجتمع المهني والعام نحوهم، إضافة إلى بيان أنواع الخدمات الواجب تقديمها، وتوضيح المشكلات الناتجة عن تبني أي من هذه النماذج، واقتراح بعض الحلول من خلال نموذج شامل أكثر فاعلية وواقعية .
الإسلام والمعاقون
الدكتور إبراهيم بن حمد النقيثان، أستاذ علم نفس الفئات الخاصة بقسم علم النفس في جامعة الملك سعود، يتحدث عن الدمج المجتمعي الشامل لذوي الإعاقة في المجتمع العربي الإسلامي، مؤكدا حرص الإسلام على العناية بالمعوقين وإدماجهم في المجتمع جاعلا الفارق بين المعوق وغيره في التحصيل النافع الجيد المتمثل في التقوى، وأن المعاقين في الحضارة الإسلامية كانوا مدمجين في المجتمع وقدمت لهم خدمات مثل غيرهم حتى أنهم تقلدوا مناصب يغبطهم عليها الأسوياء .
وحول اتجاهات الوالدين نحو دمج أبنائهم مع الطلبة من ذوي الإعاقة، يتحدث د . يعقوب يوسف الكندري أستاذ الاجتماع والأنثروبولوجيا المشارك بقسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية في جامعة الكويت عن دراسة ميدانية سوسيوثقافية تحاول التركيز على معرفة إدراك واتجاهات الآباء والأمهات نحو أبنائهم الأصحاء من غير ذوي الإعاقة فيما يتعلق بتقبلهم لوجودهم مع الطلبة المعاقين من المنظور الثقافي الاجتماعي، كما تحاول التطرق إلى دراسة البعد الثقافي الاجتماعي في تحليل ومعرفة اتجاهات هؤلاء الآباء والأمهات في السنة المدرسية .
وحول دمج الأطفال ذوي الإعاقة الذهنية والسمعية في المدارس العادية وعلاقتها بالتكيف النفسي والاجتماعي، تقول فتحية بنت محمد، الشكيلية مشرفة تربية خاصة بوزارة التربية والتعليم في سلطنة عمان، إن الفكرة تهدف إلى تحقيق التفاعل الإيجابي الذي يتماشى مع حقوق الإنسان الأساسية ضمن مفهوم سياق التعليم للجميع لتوفير فرص المشاركة مع الطلبة العاديين بمساعدة المدرسة والمجتمع والأسرة، داعية إلى ضرورة تطبيق برامج خاصة لذوي الإعاقة ترتفع بمستوياتها في كل المجالات من أجل توفير السبل الكفيلة لتحقيق هذا البرنامج، إلا أن بعض المدارس تطبق البرنامج الخاص بدمج الأطفال ذوي الإعاقة السمعية والذهنية من دون النظر إلى كون التلاميذ سيكونون جزءاً من البرامج التربوية بشكل عام لأنهم يمارسون النشاطات المتاحة لهم بالمدرسة ومع أقرانهم غير المعوقين، إضافة إلى الدعم الذي يتلقونه من معلمة التربية الخاصة، الأمر الذي يؤدي إلى بروز مشكلات تكيفية لديهم بما لا يحقق المضمون الحقيقي لمفهوم الدمج .