كانت الصور المنشورة في المجلات في سني الأربعينات من القرن الماضي للضحايا الفلسطينيين العرب من النساء والأطفال والرجال الأبرياء وأشلائهم المتناثرة في أسواق المدن الفلسطينية وأزقتها من جراء تفجير السيارات المفخخة من قبل اسحاق شامير زعيم العصابة الإرهابية (شتيرن) تبعث على الرعب والأسى والألم العميق في الأقطار العربية جميعها .

في يوم الأحد المصادف 1 يوليو/تموز 2012 قضى اسحاق شامير نحبه وهو أحد عتاة الإرهابيين الصهاينة الذي أسالت يداه دماء الفلسطينيين الأبرياء لسنين عدة سبقت . وقد أذاعت وسائل الإعلام وفاته باعتباره أحد رؤساء وزراء إسرائيل السابقين . فمن هو اسحاق شامير هذا؟ أراني ملزماً أن أنوّر الأجيال الشابة من أبناء أمتنا العربية وإطلاعهم على نوعية أعدائهم لكي يدركوا تاريخهم ولا ينسوا مصائب أمتهم بمرور الزمن .

اسحاق شامير هو الرئيس السابق لحزب الليكود الإسرائيلي اليميني الذي يترأسه حالياً بنيامين نتنياهو، وقد تولى شامير رئاسة وزارة إسرائيل لفترتين الأولى ما بين 1983 إلى 1984 والثانية من 1986 إلى 1992 . اسمه الحقيقي اسحاق جزيينسكي، وهو يهودي بولوني ولد في عام 1915 . وفي مطلع شبابه انتمى إلى المنظمة الصهيونية الإرهابية بيتار (Betar) السرية الممنوعة، ثم تسلل مهاجراً إلى فلسطين متخفياً بزي قس مسيحي لأجل خداع سلطات الانتداب البريطاني، وانضم إلى منظمة ليحي الإرهابية وبادر إلى شن موجة هائلة من الفتك والدمار ضد المواطنين الفلسطينيين لإرهابهم ودفعهم خارج ديارهم ومساكنهم وحقولهم لأجل دخول العصابات الصهيونية واحتلالها توطئة لتحقيق المشروع الصهيوني وخلق ما دعيت دولة إسرائيل .

وفي عام 1945 كانت ثمة ثلاث منظمات إرهابية في فلسطين وهي: (الهاغاناه) التي أنشأها الضابط الروسي اليهودي فلاديمير جابوتنسكي، و(الارغن زفاي ليومي) التي انشقت عن الهاغاناه وتسلّم قيادتها السفاح مناحيم بيغن اليهودي البولوني الذي كان على رأس المجرمين المطلوبين من قبل سلطات الانتداب، وهو الذي قام بذبح مئات الفلسطينيين من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال وبقر بطون الحبالى في مذبحة دير ياسين وعشرات المذابح الأخرى، كما يؤكد المؤرخ البريطاني جوناتان دمبلي في كتابه المعنون (The Palestinians:london,1980) . وقد انشق شامير عن عصابة الأرغن لأنها لم تكن تكفيه عنفاً ودموية فانضم إلى منظمة (شتيرن) التي كانت أقسى وأكثر دموية .

وقد كان شامير هذا قزماً قميئاً قبيحاً منحني الظهر وكأنه شخص من كابوس وقد تسلم قيادة (شتيرن) التي كانت تسمى أيضاً منظمة (ليحي) وهو اختصار لاسم (Lehami Herut lsrael) أي المحاربون لأجل حرية إسرائيل . وبعد أن اغتيل مؤسسها السفاح (أفرام شتيرن) تسلم قيادتها اسحاق شامير الذي ابتدع، لأول مرة في تاريخ الشرق الأوسط، أسلوب السيارات المفخخة وتركها في أسواق وأزقة المدن الفلسطينية، حيث قام بتفجيرها وقتل العشرات من النساء والأطفال والرجال الأبرياء ممن كانوا متجمهرين في الأسواق لابتياع حاجاتهم أو في أزقة حاراتهم . وقد كانت صور تلك المجازر المنشورة في مجلات عقد الأربعينات من القرن الماضي تبعث الرعب والأسى والألم العميق في أقطار البلاد العربية جميعها .

ولم تكتف عصابة (شتيرن) بذبح الفلسطينيين، بل عمد رئيسها شامير إلى اغتيال كل من سولت له نفسه أن يغيّر ولو جزءاً يسيراً من المشروع الصهيوني، فقد كان ثمة بعض الساسة الإنجليز ممن عارضوا إنشاء إسرائيل ليس حباً بالعرب ولكن حرصاً على مصالح بريطانيا في الشرق الأوسط، واعتقدوا أن مصالح إمبراطوريتهم ترتبط مع البلاد العربية الواسعة المساحة والغنية بالمصادر الحيوية، ما يخدم مصالحهم الاستراتيجية والاقتصادية، حيث كانت الإمبراطورية البريطانية في أوج عظمتها . وكان على رأس هذا الفريق المناهض للصهيونية السير رونالد شتراوس وهاري لوك والسير هارولد مكمايكل واللورد موين . لذا فقد هجم أعضاء عصابة اسحاق شامير (شتيرن) على اللورد موين وقتلوه، وحاولوا اغتيال اللورد شتراوس الذي نجا بأعجوبة، ثم قتلت العصابة مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط الكونت برنادوت ومساعده في أحد شوارع القدس، لأنه أصر على تطبيق قرار الأمم المتحدة 194 القاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم .

هكذا أنشئت إسرائيل وهذا هو اسحاق شامير السفاح الذي جسد إجرام الجيل الأول من حكام إسرائيل الذين كانوا جميعاً مطلوبين للعدالة من أمثال مناحيم بيغن وإيتان وسارة لفني (والدا الوزيرة المعروفة تسيبي لفني) وموردخاي أولمرت (والد رئيس الوزراء السابق أيهود أولمرت)، وغيرهم من الذين كانوا الرعيل الأول من القتلة الذين ذبحوا وشردوا الشعب الفلسطيني . وقد ورث عنهم هذا الإجرام أبناؤهم من أمثال تسيبي لفني وأيهود أولمرت وبنيامين نتنياهو من الجيل الجديد من حكام الكيان الصهيوني الذين واصلوا خطط آبائهم الإجرامية الهادفة إلى اجتثاث وتشريد الشعب الفلسطيني .

بروفيسور علوم سياسية وعلم الاجتماع وحضارة الشرق الأوسط - جامعة نيويورك للتكنولوجيا