اعتنى الشعر القديم بفن الوصف حتى صار لازمة من لوازم بنية القصيدة الجاهلية، يتطرق إليه الشاعر كمقدمة قبل الوصول إلى غرضه الأساسي، فيصف الأطلال والناقة وحمر الوحش والمطر والمفازات والصحراء قبل أن يتوجه للمدح أو الغزل أو غيرهما من الأغراض التي ألف قصيدته من أجلها، وقد احتفظ لنا ديوان الشعر العربي بلوحات وصفية بديعة تدل على قوة ملاحظة أولئك الشعراء وسعة خيالهم في اختراع الأوصاف .

لايزال قراء الشعر يذكرون جواد امرئ القيس، وناقة النابغة، وظعائن زهير، وغير ذلك، وفي العصور اللاحقة انفصل الوصف كغرض مستقل يفرد له الشاعر القصيدة بكاملها، ويعد الشاعر العباسي البحتري من الشعراء الذين انصرفوا للوصف كثيراً وأبدعوا فيه، ولاتزال قصيدتاه في وصف بركة المتوكل ووصف الربيع تترددان على الألسنة، وقد عرف الأندلسيون أيضاً بهذا الجانب وأكثروا منه، واليوم ومع التطور الكبير الذي حدث في الشعر العربي، وانحسار هذا الفن في القصيدة الجديدة على نحو لافت، بات يستعاض عنه بأشكال وطرائق إبداعية جديدة، ويحق لقارئ الشعر الحديث أن يتساءل: هل انتهى شعر الوصف؟

هذا السؤال توجهنا به إلى عدد من الشعراء والنقاد، لاستطلاع آرائهم، حول درجة حضور عنصر الوصف في القصيدة المعاصرة .

قال د .شهاب غانم شاعر ومترجم: أنا بطبيعتي قليل الوصف في قصيدتي، حيث لا ميزة للوصف فيها على غيرها من المكونات والوسائل، وأتذكر أن والدي كان يكثر من الوصف في قصيدته، ومن بين ذلك قصيدته عن فتح الأندلس، أو وصف سابحات نهر الراين . . إلخ، حيث كنت ألاحظ أن الوصف لديه يجعل القصيدة متحركة كفيلم سينمائي، وبشيء من التنظير أقول الوصف شأن خارجي في القصيدة، بيد أن المشاعر شأن داخلي، وإن كنا نجد المتنبي في إحدى وصفياته القليلة يقول:

وألقى الضوء منها في ثيابي

دنانيراً تفر من البنان

ويضيف د . غانم: والوصف، هنا، بمعناه الكلاسيكي كثر في الشعرالقديم، ولعلنا قادرون على الاهتداء إليه-بسرعة-في العصرالعباسي، مثلاً، كأن يصف أحدهم إناء، أو امرأة ممشوقة القوام، أجل، شخصياً، ليس لدي الكثير منه، ولأعترف بأن الأمر يتعلق بطبيعة الشاعر الواحد، حيث إن الوصف موجود في كل عصر، إذ إننا قد لا نعثر لدى شاعر قديم على الشعر الوصفي، بيد أننا قد نجد وصفاً كثيراً لدى شاعر آخر معاصر .

ورأى الشاعر جميل داري أن الوصف من الأغراض الشعرية القديمة منذ الجاهلية، وقال إذا كان الوصف القديم حسياً في معظمه، ويموج أحياناً بالحركة والحيوية والخيال الخصيب، فإن الوصف في الشعر العربي الحديث يغلب عليه الخيال والعمق النفسي والفلسفي، ذلك أن الشاعر لم يعد تغريه الطبيعة بأنواعها، بل يذهب إلى العالم السياسي والاجتماعي، معبراً عن نفسه ووجهة نظره من القضايا الإنسانية، ووصف حال الإنسان المعاصر الذي يكابد الكثير من الأزمات والويلات، فالسياب مثلاً في قصيدة أنشودة المطر، يصف عيني الحبيبة وقضايا الوطن والمجتمع والغد المأمول، جاعلاً من المطر بشارة حياة .

وأضاف داري أجل، لقد ركز الشعر الحديث وصفه على حال الأمة ومعاناتها وهزائمها، لا سيما بعد هزيمة حزيران، كما تطرق إلى النصر المحدود بعد حرب أكتوبر، في بداية السبعينات، والشعر الحديث نادراً ما يهتم بوصف الطبيعة والإنسان من الخارج، فقد انتقل إلى داخل أسرار الإنسان، وسلط الإضاءة على روحه المتعبة، وهي تعاني شظف الحياة، ومرارة الغربة والاغتراب، وفي كل الأحوال، فالوصف، حسياً أو خيالياً، غرض قديم يتجدد ويتطور عبر العصور، وفي كل عصر له صوته المدوي، وأستطيع القول: إن شاعرية الشاعر، تقاس بمدى براعته في وصف نفسه، وما حوله بالموهبة الحقيقية، والصدق الفني والحياتي .

وقال الشاعر أحمد المطروشي: الشاعرالقديم كان قليل التنقل، أو تحديداً، بطيء التنقل، نتيجة طبيعة الحياة، ولذلك فقد كان يصف ماحوله، أو ما في خياله، بيد أن ماحدث الآن هو أن الحياة تطورت، والشعر تطور، وتخلّص من العمود والتفعيلة في آن، وصارت قصيدة النثر تتناول العالم، بخطوطه الرئيسة، وبتفاصيله، بخيال أدق، وأعمق، عما كان يتسلح به الشاعر التقليدي .

وأضاف المطروشي: في تصوري الشخصي: إن المتنبي، وشوقي، لو كانا الآن حيين، لكتبا كما فعل محمود درويش، وأؤكد أن حساسية الشاعر الجديد - كما هو حال أدونيس أو الماغوط كأنموذجين فحسب - جعلته يتعامل على نحو مائز مع مجمل عناصر قصيدته الجديدة، حيث صار للأدوات الموظفة في نصه خصوصية جديدة، تبعاً لمنظور الثابت والمتحول أدونيسياً .

تقول الشاعرة شيخة المطيري: الوصف مازال موجوداً وأغلبه يسافر خارج وطنه ويشاهد أماكن ومدناً وحياة مختلفة، فيترك ذلك أثراً في نفسه ويدفعه لوصف تلك المشاهد، وتارة إلى الحوار معها، كما يمكن للشاعر أن يصف مدينة خيالية أو مكاناً خيالياً يكون هو المكان المثالي بالنسبة إليه، فهذا النوع لايزال موجوداً، وبالنسبة لي فقد يحدث معي مثل هذا، ففي الإجازة الماضية كنت في زيورخ ووجدت المدينة جميلة، ومع ذلك كان الحنين يشدني إلى وطني، فكتبت ثلاث قصائد إلى زيورخ فيها وصف لكنها في العمق تعبير عن الغربة والحنين .

ويقول الناقد عزت عمر فن الوصف بشكله التقليدي الثابت والمحايد لم يعد موجوداً في الشعر، وأعتقد أن السرد استأثر بهذا الجانب وطوّره، وأما الشعر فصار يجنح إلى التكثيف والترميز والتقاط اللحظة الزمنية الشاردة وإتقان لعبة الألفاظ، لقد انتقل الوصف إلى ميدان السرد وأبدع الكتّاب فيه، وكان التركيز على التفاصيل الدقيقة من أهم الميزات التي تميز بها كتاب الرواية، وإحدى التقنيات التي تسهم في بناء الحدث وبناء وجهة النظر في العمل الفني .

ويضيف عزت عمر: صحيح أن الشعر الحديث يستفيد من تقنيات السرد في بعض الأحيان لكن تلك الاستفادة لا تقتصر على الوصف أو هي تركز على أشياء أهم منه، ومن التقنيات الشعرية التي قد يعتبرها البعض تدخلاً في باب الوصف، تقنية السيناريو أو لقطة الفيديو التي يوظف فيها الشاعر المشهدية بشكل ما، لكن ما يفرق بين هذه التقنية وبين الوصف التقليدي هو أن المشهد الذي يرسمه الشاعر الحديث مشهد متحرك تماماً كما يتحرك مشهد الفيديو، بينما المشهد التقليدي مشهد ثابت.