الخبز أو بروت بالألمانية، يعد عنصراً جوهرياً في الطعام والمطبخ الألماني، حيث لا تخلو منه مائدة هناك، فعند زيارتنا لألمانيا، نستطيع أن نرى المخابز في كل شارع أو زاوية، أو حتى قرية صغيرة، حيث يقوم أصحابها بعرض ما لديهم من أطيب الأنواع والأصناف من الخبز الألماني الفريد من نوعه والذي تشتهر به ألمانيا عن سائر أوروبا والعالم . ويتمتع الخبز بالتنوع الشديد من ناحية مذاقه وأشكاله، إضافة إلى رائحته الذكية، وهو يناسب الموائد والأكلات كافة، ويأتي هذا التنوع انعكاساً لتنوع المدن والأقاليم، بداية من القرى في الجنوب مروراً بالمدن بالوسط وانتهاء بالسواحل في الشمال .

تتعدد أصنافه لتصل إلى 600 نوع رئيس، إضافة إلى 1200 نوع من الخبز المُحلى، يتم صنعهم في نحو17 ألف مخبز داخل ألمانيا، إضافة إلى وجود أكثر من 10 آلاف متجر لبيع المخبوزات في كافة أنحاء البلاد، كما يتم استخدامه في الأوقات كافة حيث يتم تناوله بشكل رئيس في أثناء وجبة الإفطار، ويتم أحيانا استبداله بالمخبوزات الملفوفة، وفى الليل يستخدم الخبز مفتوحاً لعمل الساندويتشات المختلفة، وتكمن أهمية الخبز لدى الألمان، لكونه نابعاً من ثقافة الطعام عندهم منذ زمن بعيد، حيث جاءت تسمية الخبز مشتقة من أسماء عدة مرتبطة بالطعام فعلى سبيل المثال أبند بروت وتعني بالألمانية العشاء، كما تعني حرفيا تناول الخبز في أثناء الليل، كذلك بروت زيت، أي الوجبة الخفيفة، وتعني بالألمانية وقت تناول الخبز، لذا يرتبط الألمان بالخبز المحلى ارتباطاً شديداً لدرجة أن المغتربين منهم والذين يقيمون خارج البلاد أو حتى لأغراض السياحة، تتزايد شكواهم من عدم توافر خبز جيد في أي بلد يقومون بزيارته .

ومن شدة إيمانهم بأهمية الخبز في حياتهم والدليل على كونه عنصرا أساسياً ليس فقط على الموائد وإنما أيضاً في الثقافة الألمانية، يقف متحف الخبز بمدينة أولم الألمانية، والذي تم تشييده عام 1955م، شاهداً على حركة التطور التي مر بها الخبز الألماني على مدار 400 عام، حيث يعرض مختلف الأشكال والألوان من الخبز، وإظهار مدى التقدم في صناعته، من خلال المستوى الراقي الذي وصل إليه الخبازون، بشكل يعكس مدى حرفيتهم ودقتهم ومهارتهم في إعداد أنواع الخبز كافة والتي تناسب جميع المناسبات والأوقات، حيث تطورت أساليبهم وأعمالهم لتصل إلى مرحلة الفن في إعداد وتشكيل الخبز، والتي وصلت لمستوى أبهر الصغار والكبار، وكثيرا ما تقام المنافسات والمسابقات من خلال فعاليات ينظمها المتحف ليتبارى خلالها أمهر الخبازين ومصنعي الحلويات على مستوى ألمانيا . وحرصاً من المجتمع الألماني على التأكيد على أهمية الخبز في حياة الإنسان منذ فجر التاريخ، تم تغيير اسم المتحف ليصبح متحف ثقافة الخبز، ليعبر عن 6 آلاف عام من الارتباط الوثيق بين حياة الإنسان والخبز على مر العصور، من خلال احتوائه على نحو 180 ألف قطعة متنوعة معروضة، تعكس مدى التطور التاريخي لصناعة الخبز خلال الحضارات المختلفة وكذلك لترصد ثقافة تلك المجتمعات التي انعكست على أشكال وأنواع واستخدامات الخبز .

تتنوع مكونات وألوان الخبز الألماني، حيث يأتي في المقدمة الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض، والخبز الرمادي والبني الداكن والمصنوع من خليط الدقيق ومسحوق نبات الشيلم ( نبات يشبه القمح والشعير)، ويعد الخبز الغامق بشكل عام أكثر الأنواع انتشارا، بسبب تعدد استخداماته وإضافته ضمن الأطباق الرئيسة و إعداد الحلوى المخبوزة بأنواعها كافة . فعلى سبيل المثال يعتبر الخبز الأسمر العنصر الرئيس المكون لحلوى تسمى البامبيرنيكل الألمانية الشهيرة، وهى حلوى شعبية ثقيلة الوزن وخفيفة السكر اشتهرت بها ألمانيا وصدرتها للعديد من الدول منذ بدايات القرن الماضي . وتأتي مكونات وأسلوب إعداد الخبز الألماني مثل بقية أنواع الخبز حول العالم، حيث يتكون من الدقيق والملح والماء والخميرة لإعداد العجين الكثيف الذي يشتهر به، إلا أن تميزه يأتي من أسلوب إعداده الفريد والإضافات الغريبة التي يتمتع بها الخبازون الألمان، حيث إنه كثيراً ما يتم إضافة البذور والحبوب الكاملة إلى الخبز كحبوب عباد الشمس والكتان والقرع، كذلك الحبوب الغنية بالألياف كالقمح والشيلم والشعير والشوفان والأرز والذرة، والغريب أيضا أن هناك بعض أنواع الخبز يتم إعدادها بوساطة مسحوق النشا المستخرج من البطاطا، حيث يستخدم كبديل عن الدقيق الأبيض .

وتتعدد استخدامات الخبز ليس فقط لعمل الساندويتشات أو لقطعها إلى نصفين لإضافة الزبد والجبن والعسل وغيرها على سطحها، ولكن تستخدم أيضا لتناول اللحوم والأسماك الهوت دوج، التي تشتهر بها مدينة هامبورج .

كما تشتهر برلين وميونخ بتناول الخبز كوجبة خفيفة منفرداً في أوقات ما بين الوجبات الرئيسة، نظراً لتمتعه بطعم مميز، يرجع إلى طريقة إعداده وخلطه بالزبد والقرفة .

كما تتم إضافة مجففات وملينات للاحتفاظ بقوام طري للخبز من الداخل ومقرمش من الخارج، ليضفي إحساساً ساحراً عند تناوله بسبب صوت قرمشته المميز . وتعد أهم الوجبات الخفيفة التي يدخل فيها الخبز بشكل رئيس، هي الزبد والجبن الفرنسية اللينة والتي يتم إضافتها الى سطح شرائح الخبز الأسمر الرقيقة، كذلك تعد جبنة اليمبرجر المحلية مضافا إليها الكمون، من أشهر الوجبات الخفيفة التي يتم أكلها بشروط، بسبب رائحتها ومذاقها الذي لا يناسب الكثيرين، وتأتي جبنة الكوارك المليئة بالفيتامينات والمعادن لتقدم طازجة على خبز زويبيل بروت الكثيف القوام، والغني بالثوم والأعشاب . كما يعشق المجتمع الألماني إضافة المربى والفواكه الهلامية بأنواعها كافة إضافة إلى الخبز الأبيض، كذلك تقدم الفواكه مع الخبز المحلى، حيث تقدم كحلوى بعد تناول الوجبات الرئيسة يومياً .

خبز المناسبات والأعياد

يحرص الشعب الألماني على تقديم الخبز المضفر خلال المناسبات والأعياد الدينية، وهو خبز محلى مضاف إليه الزبد والمربى التي يحرص الألمان على صناعتها داخل المنزل، كما تتنوع وصفات ذلك الخبز لتشتمل أنواعه على إضافات كالزبيب والفواكه المجففة والمكسرات، و يتم عادة تناوله في أثناء الإفطار في المناسبات الدينية، وهو وجبة خفيفة سهلة التحضير حيث تتكون المقادير من 500 جرام من الدقيق الأبيض و 250 جراماً من الكريمة المخفوقة، و100 جرام من السكر، وملعقة طعام من الخميرة الجافة وكمية صغيرة من الفانيليا المستخرجة من قرون نبات الفانيليا، وثلاث بيضات، وربع ملعقة من الملح بالإضافة إلى صفار بيضة لدهن الخبز بعد إعداده، ونقوم في بداية عملية التحضير بإعداد الفرن حتى يصل الى درجة حرارة 180 مئوية، ثم نبدأ بمزج كل المكونات المذكورة ونقوم بعملية الخفق حتى تمتزج كل مكوناته، ثم نقوم بعجن العجين بوساطة اليدين لأن يصبح ثقيل القوام، ثم نشكل العجين على شكل كرات ونتركه في مكان دافئ لمدة ساعتين، ثم نمزج العجين مع بعضه مرة أخرى ونقوم بتقطيعه إلى قطع على شكل أصابع النقانق، ثم نقوم بإعادة تشكيل كل القطع مع بعضها لتبدو على شكل ضفائر، ثم نقوم بدهان العجين بصفار البيض، وفي النهاية نضعه داخل الفرن حتى يتلون بلون ذهبي .

ولا شيء يحلو أكثر من الخبز الأسمر المضاف إليه الفراولة والريحان لعمل أشهى ساندويتش للفواكه الطازجة على الإطلاق، حيث يحرص عليه الكبار قبل الصغار، بسبب مذاقه المتنوع الرائع الذي يجمع بين لذعة الفراولة ومذاق الريحان مضافاً إليهما جبن الماعز، داخل خبز سميك القوام ليكون وجبة عالية السعرات الحرارية تناسب الطقس الدافئ، حيث تعد وجبة بحد ذاتها، وتأتي مكونات ساندويتش الفاكهة في غاية البساطة، تتمثل في خبز ألماني بحسب الاختيار، ويفضل الخبز الأسمر الكثيف، وفاكهة الفراولة وبعض أعواد الريحان وجيلي الفلفل، وجبن مستخرج من لبن الماعز، بالإضافة إلى قليل من الزبد، وتأتي طريقة التحضير في غاية البساطة، حيث نقوم بتغطية جانب واحد من شريحة الخبز الأسمر بجيلي الفلفل، ثم نقوم بوضع شرائح الفراولة عليها مع إضافة أربع أوراق ريحان طازجة أعلى شرائح الفراولة، ثم نقوم بتغطية جانب من شريحة خبز أخرى بجبن الماعز، ثم نضم شريحتي الخبز لنصنع الساندويتش، ونقوم بإضافة الزبد على سطحه من الأجناب كافة وفي النهاية نقوم بشواء الساندويتش داخل الفرن حتى يأخذ لونه البني الغامق .