تتنوع تجارب الفنانين المشاركين في مهرجان الفنون الإسلامية الذي تبدأ فعاليته الأربعاء المقبل، بين تجارب حداثية مجربة وأخرى، مكرسة ومعروفة، فمنهم من يشتغل في الخط العربي والزخرفة الإسلامية، ومنهم من يشتغل في السجاد، وآخرون في الخزف وغيرها من التجارب التي ألفها المتلقي .
لكن المهرجان يحفل هذا العام في دورته الخامسة عشرة، بتجربة فنية متميزة لا يمكن إلا أن تخطف الانتباه وتثير الفضول، وهي تجربة الفنان الأذري رشاد الاكبروف، فإن كان إنتاج العمل الفني، تكرس عبر عقود طويلة في أذهان متلقيه، بأنه نتاج اللون والقماش أو الورق، أو حتى النحت في الحجر والحديد والزنك، فإن الاكبروف، اختار لعمله مواد غير مألوفة مطلقاً، فلوحته مشغولة بالضوء والظلال .
الأكبروف، الذي ستعرض أعماله في السابعة من مساء الأربعاء المقبل في متحف الشارقة للفنون، شكل علامة فارقة في انتهاجه نمطاً مغايرًا لصناعة العمل الفني، فذهب إلى مساحة أخرى، ولم يغرد خارج السرب كما يصف المثل أصحاب التجارب المتفردة، بل بات هو بذاته سرباً خاصاً لا يشاركه تحليقه أحد .
يحار المرء في وصف نتاج العمل الفني عند الأكبروف، فلا يمكن القول إنه يرسم، ولا يمكن القول إنه يلوّن، ولا حتى ينحت، ولا يركب، ولا يخطط، ولا يصور، فعمله الفني متمرد عن تلك الأنماط كافة، فهو يستخدم الكتلة، والضوء، والظل، ويستفيد من شكل الكتلة غير المنسجم -غالباً- لإنتاج ظلال لوجوه، أو مجاميع بشرية، أو مشاهد لبنايات مدينة، أو غيرها .
يصبح الجدار أو البياض، قماش اللوحة لدى الاكبروف، وتصبح الكتلة -المجسمات- باليتة ألوان، ويصير الظل هو لون، أما الضوء فيصبح يد الفنان وحركة الفرشاة على القماش، هكذا يمكن فهم العمل الفني عند الأكبروف .
يستفيد الفنان من كثافة الكتل، وعدم قدرة الضوء على اختراقها، ليصنع من ظلالها لوحاتٍ، السر فيها ليس في شكل الظل الناتج-فهو غالباً وجه أو مدينة يسهل خطها- بل بتوزيع الكتلة أمام الضوء لإنتاج ذاك الظل .
الصيغة التي انتهجها الأكبروف لصناعة العمل الفني، ليست جديدة أبداً، إذ كثيراً ما يلهو الأطفال أمام ضوء الشمعة ليرسموا بتشابك أصابعهم صورة مفهومة على الجدار، تكون غالباً لحيوانٍ أو كلمة أو غيرها، إلا أن العبقرية عند الفنان هي الترتيب المعقد للكتل أمام الضوء، الذي بات بعد سنوات من الاحتراف، قادراً على إنتاج زخرفةٍ إسلامية هندسية معقدة من الظل .
فلا يمكن لأي متلقٍ أن تستوقفه أعمدة الخشب المصفوفة بشكل فوضوي -كما تبدو-، أو حتى تدفعه للتخمين أن لهذه الأعمدة المصفوفة والمرتبة، غاية في إنتاج عمل فني .
ذلك يستمر إلى أن يشتعل الضوء خلف تلك الكتلة من الأخشاب، من زاوية ومكانٍ محدد، ليدهش حينها المتلقي بشكل الظل الناتج الذي يظهر زخرفة هندسية إسلامية، هي واحدة من الأعمال المشاركة في مهرجان الفنون الإسلامية .