يضع الكثير من نقاد الفن جانب الرؤية واللمسة الإنسانية كمعيار للإبداع في مجال الفنون الجميلة، وخاصة منها الرسم .
إن الشعور الذي يسيطر على الفنان لحظة ابتكاره لعمله ينتقل إلى اليد بشكل لا شعوري، فينطبع على صفحة اللوحة ويترك بصمته هناك كامنة في التجلّي الكلي للعمل حين يكتمل ويصبح لوحة معروضة تأسر المشاهد بتناسق خطوطها وألوانها وبتلك الرؤية الغامضة، أو الملمح الرمزي الذي يترآى من خلالها، ويترك للمتفرج مساحة للتفكير والتأويل والتماهي الشعوري مع اللوحة .
اليوم ومع غزو الكومبيوتر مجالات الفنون بكل تفاصيلها ودخول برمجياته في العمق منها، كان فن الرسم من أكثر الفنون التي تأثرت بهذا الغزو، فغدت اللوحة من ألفها إلى يائها تنفذ بالكومبيوتر وعن طريق برامج مصممة سلفاً، ولا تحتاج سوى إلى يدٍ حاذقة متمرسة بتلك البرامج لتنفذ الشكل الذي تريده، فأضحى المعيار القديم للإبداع الفني مشكوكاً فيه، ذلك أن الاتصال الشعوري بين اليد وبين التفكير والأحاسيس لم يعد موجوداً، فقد أصبح العمل مجموعة من الأوامر البرمجية ترسل عن طريق الضغط على أزرار، ليقوم العقل الإلكتروني بتنفيذ البرنامج المخزن في ذاكرته، فهل مع هذا يمكن أن نعتبر هذا الرسم المصمم كمبيوترياً فناً إبداعياً، أم هو مجرد خبرة عملية ومعرفة ببرامج التصميم لا دخل للإبداع فيها؟
يرى الفنان التشكيلي أحمد حيلوز أن استخدام الكمبيوتر والآي باد وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، لا يضر في فكرة العمل الفني، مشيراً إلى أن جميع تلك الأدوات هي مجرد وسيط بين الفنان والفكرة التي يريد إيصالها .
ويشبه الكمبيوتر ووسائل التكنولوجيا الحديثة بالفرشاة في العمل الفني التقليدي، لافتاً إلى أن التعويل على الفنان وقدرته على الإبداع وإنتاج أعمال متفردة، وليس على الأدوات التي يستخدمها، إذ لا يمكن لأي شخص لا يمتلك الموهبة أن يرسم بهذه التقنيات، ويخرج بعمل جميل يلقى قبول المتلقي .
ويشير حيلوز إلى العديد من التجارب الفنية الناجحة التي كان لها تجربة مع توظيف الكمبيوتر في إنتاج العمل الفني، موضحاً أن الصيغة النهائية للعمل هي التي تقرر إن كان ما تم إنتاجه يندرج تحت إطار العمل الفني أم لا .
ويتفق الفنان ناصر نصر الله مع حيلوز، في أن كل تلك التقنيات الحديثة ما هي إلا وسيط وأدوات يستخدمها الفنان لإنتاج أعمال فنية، مشيراً إلى أن الفنان يمكنه توظيف أي أداة أو تقنية للوصول إلى النتيجة التي يرغب بها في عمله .
ويلفت إلى أن السؤال حول إدراج تلك الأعمال في إطار الفن أو لا، ربما يكون نابعاً من الصورة الكلاسيكية للرسم، التي تعتمد على الفرشاة والألوان والأصباغ وغيرها، مبيناً أن المتغيرات الحديثة فتحت المجال على الكثير من الوسائط والتكنيكات التي يمكن استخدامها في العمل الفني، إلا أن الرهان ظل معلقاً على الفنان نفسه على الرغم من كل ذلك .
ورأى الفنان إسماعيل الرفاعي الفن الرقمي من الفنون الجديدة، وإن حاله كحال أي نمط فني آخر، والأمر يتعلق بالسوية الفنية، وذلك لأننا يومياً أمام مليارات الصور الرقمية، ولكن ما يحقق منها الشرط الفني يعد جداً قليلاً، لأن للوحة الفنية شروطها ومواصفاتها، إذ أن هناك لوحة قد تنتج عبر جهاز الكمبيوتر، و لا ترتقي إلى مستوى اللوحة الفنية، كما أن هناك لوحة تستطيع أن تقنع متلقيها من خلال تحقيق شروط المعادلة الفنية في هذا المجال .
وتابع الرفاعي قائلاً: إن ثورة التكنولوجيا وضعت بين أيدي الفنانين إمكانات هائلة من الممكن تسخيرها، وتوظيفها بالشكل المطلوب، إذ صارفي مقدور الفنان الاستفادة من كل هذه الإنجازات في خدمة لوحته . إن هناك فنانين كثيرين استفادوا حتى في لوحتهم الفنية -نفسها- من جهاز الكمبيوتر .
بينما راح الفنان وليد توفيق إلى عكس ذلك، إذ رأى أن اللوحة التي تنجز على الكمبيوتر لا يمكن اعتبارها لوحة محققة للشرط الفني، لأنها باختصار كما قال: لوحة بلا إحساس، حتى وإن رسمها لنا الفنان ذو التجربة والخبرة الطويلتين، لأن في استخدام الفرشاة، وحركة يد الفنان، وضربات الفرشاة على مساحات بياض اللوحة، ومزج الألوان، ما يجعل اللوحة حافلة بالحياة، وأضاف أن لوحة الكمبيوتر صماء، بينما لوحة الفنان ذات روح وثابة، تنطق، فالفرق بين لوحة الكمبيوتر ولوحة الفنان، كالفرق بين الطعام الذي يعد بوساطة الميكروييف أو الفحم .