هم بمثابة حلقة الوصل ما بين المحكمة هذه أو تلك، وما بين المدعين، أو المدعى عليهم، وبالتالي فمصداقية الواحد منهم واجبة ليحصل كل ذي صاحب حق على حقه، دونما زيادة أو نقصان، بعد تبيان الحقيقة كاملة من دون التفاف، أو التواء، أو مبالغة، أو تعتيم . هؤلاء هم المترجمون، الذين يتولون أمر ترجمة أقوال المتهمين من أبناء الجنسيات المختلفة، وأصحاب الألسن غير العربية، والمدعين في القضايا التي تنظرها المحاكم، وبالتالي فهم وسطاء في أمور مصيرية تتعلق بتغيير وجه الحياة بالنسبة إلى المرء من هؤلاء، إذ بالكلمة التي تخرج من أفواههم، ترجمة لاعترافات المتهم أو ادعاءات المدعي، يمكن أن تأتي البراءة، وقد يذهب من يذهب وراء القضبان، لقضاء العقوبة التي تقررها المحكمة، وفقاً لما أبلغها به المترجم من أقوال تولى ترجمتها .
مصداقية ودقة المترجم في الترجمة تتوقف عليها مصائر، وتترتب عليها نتائج جمة، مفرحة أو محزنة، لذا فإلمامه باللغات المختلفة، وأمانته في الترجمة، وكفاءته في الحرص على عدم إهمال أي قول من الأقوال مهما كان صغيراً، من الأمور الواجبة، واللازمة، حتى لا تنحرف الحقائق عن مسارها الحقيقي، بصدور أحكام كان من الممكن تخفيفها حال الوقوف بدقة على دوافع الجرائم، والظروف المحيطة بمرتكبيها، ولكن هل هذا ما يتحقق بالفعل من وجود مثل هؤلاء المترجمين في بعض محاكم الدولة؟ نبحث ذلك مع عدد من المحامين الذين كانت لهم تحفظات مختلفة على بعض المترجمين:
المحامي سالم ساحوة يقول: الطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة جلبت العديد من الجنسيات اليها، والدستور يقضي بأن اللغة العربية هي لغة التقاضي أمام المحاكم، وبالتالي كان لابد من وجود مترجمين لترجمة أقوال المتهمين الذين يمثلون أمامها، في ضوء تعدد اللغات في الدولة، من الأوردية، والتاميلية، والصينية، والروسية، والإيرانية، ولغة البشتو، والإفريقية، خلاف اللغات الأوروبية، فيما نعاني بشكل عام عدم وجود كفاءات من المترجمين لتوصيل الحقيقة إلى القضاة، حيث من المعينين منهم في المحاكم من يفتقر إلى الدراية والعلم بكل هذه اللغات، أو بالترجمة الصحيحة لها، أو تفاصيل أقوال المتهم .
وأيضا لا يوجد في محكمة الشارقة المدنية سوى مترجم واحد أساسي، فيما إذا مثل المتهم من أبناء الجنسيات غير العربية أمام المحكمة، مع عدم وجود مترجم، يعد الحكم الصادر عليه باطلاً، إذا لم يكن يجيد العربية، حيث تنقض المحكمة الاتحادية العليا الحكم، وكذا الأمر في تحقيقات الشرطة والنيابة مع المتهم، حيث إذا لم يرد فيها اسم المترجم الموجود لترجمة أقواله، تعد الإجراءات كافة باطلة، حيث من الضروري وجود مترجم مع المتهم غير العربي، يكون ملماً بلغته، ومن الواجب تسجيل اسم المترجم الحاضر مع المتهم في جميع مراحل التقاضي لاستيفائها .
وأحياناً كذلك لاينقل المترجم أقوال المتهم بدقة ما يؤدي إلى ضياع حقه، إذ قد يترجم معلومة ما ذكرها المتهم بشكل غير صحيح بالكامل، ما يؤدي إلى أن يبني عليها القاضي حكمه، ويتم لاحقاً إصلاح ما ترتب على هذا الحكم، في مرحلة أخرى من مراحل التقاضي، وعقب معاناة كبيرة، عدا ذلك فعدد من المترجمين غير مؤهلين لأداء مهام عملهم بشكل عام، لعدم المامهم بأصول وأسس عملية الترجمة إجمالاً، بما يستلزم تأهيلهم بالحاقهم بمعهد اللغات في العين، فيما أحياناً تتم الاستعانة بسفارات دول بعض المتهمين، لإحضار مترجمين منها، لترجمة أقوال المتهم من هؤلاء، لعدم وجود مترجم للغته في المحكمة، وقد حدث ذلك في إحدى القضايا التي كان مداناً فيها متهم من الجنسية التركية، فتمت الاستعانة بمترجم من السفارة التركية لترجمة أقوال المتهم .
ولابد من تشكيل لجنة من وزارة العدل لدراسة تعيين مترجمين حاصلين على شهادات معتمدة في الترجمة، وعلى درجة كبيرة من الكفاءة والتمكن .
عدد المترجمين
ومن جانبه، يؤيد المحامي خليفة المفتول الرأي السابق، ويقول: بالفعل يوجد نقص كبير في عدد المترجمين الموجودين في المحاكم، مما يذهب أحياناً بالمترجم إلى الاختصار في ترجمة أقوال المتهم أو المدعي عليه، مما يخل بالحقيقة الكاملة التي من المفترض أن تطلع عليها هيئة المحكمة، والمؤسف أن نسبة 70% من القضايا المنظورة امام الدوائر الجزائية في محكمة الشارقة تحتاج إلى الترجمة، فيما لا يوجد سوى 3 مترجمين فقط، في حين تتم الاستعانة بموظف من النيابة العامة يجيد اللغة الصينية، لترجمة أقوال أي متهم صيني الجنسية .
والحقيقة أن المترجم في أحيان كثيرة لا يترجم أقوال المتهم كاملة إلى هيئة المحكمة، وبالتالي فاحتمالية تبرئته أو إدانته واردة .
وأيضاً، فمن الضروري أن يكون المترجم حاصلاً على شهادة معتمدة في مفردات وقواعد وآداب اللغة التي يتولى ترجمتها، وقد حدث أن كان المترجم في إحدى القضايا المتهم فيها شخص من الجنسية الأوردية، يقوم بترجمة الأقوال بشكل غير صحيح أو دقيق، ولكوني ملماً بالأوردية، فقد اعترضت أكثر من مرة، واستوقفته، وصححت الترجمة، وتكرر الأمر مع أحد القضاة الذي يجيد الإنجليزية، إذ كان يسأل المتهم، ويترجم أقواله، ويدونها على لسان المترجم، الذي لم يكن دقيقاً في ترجمة أقوال المتهم من البداية، ما أدى بالقاضي إلى التدخل على الوجه السابق ذكره .
ويتفق المحامي علي الصلاني مع كون معظم المترجمين يجهلون أسس الترجمة القانونية، ولا ينقلون أقوال المتهمين بدقة، مؤكداً أنه ولأكثر من مرة أخطأ عدد من المترجمين في ترجمة أقوال المتهمين، وكذا المدعون، مما يؤدي بشكل عام إلى نتائج سلبية، فيما يقول المحامي زايد الشحي: نعاني قلة عدد المترجمين في المحاكم، مما يؤدي إلى تأخير الفصل في القضايا، إلى جانب عدم وجود من يتقنون اللغات الأم للمتهمين، أو المدعين، إضافة إلى أن أغلب المترجمين من الجنسية الآسيوية، ويجهلون الإنجليزية .
أما المحامي زايد الكتبي فيقول: إضافة إلى وجوب إتقان المترجم للغات المختلفة للمتهمين، فلابد أن يكون الواحد منهم ملماً بشكل كامل بالمصطلحات القانونية التي يتم التعامل بها في المحاكم الاتحادية، التي تعاني نقصاً في عدد المترجمين، فيما ولتحقيق الأمانة المطلوبة في ترجمة أقوال المتهمين، لابد من وجود مترجمين في قاعة المحكمة خلال نظر القضية الواحدة، أحدهما يتولى الترجمة، والآخر يتابع ما يقوم به الأول، لتصحيح أو تعديل ما قد يكون مخالفاً أو غير دقيق مما يتولى ترجمته، وكذلك في تحقيقات النيابة العامة، وأثناء استجواب المتهمين والمجني عليهم، لابد من توافر مترجمين يتقنون اللغات الأساسية للمتهمين، لأن أقوال الأطراف في النيابة العامة، تبنى عليها الأحكام الجزائية، ويجب إثبات اسم المترجم في محضر التحقيقات .
إقرار العدالة
في جزء من تصريح سابق للمحامي العام المستشار راشد العمراني رئيس نيابة الشارقة الكلية، فقد أوضح أن توفير خدمة الترجمة في المحاكم تأتي في إطار سياسة وزارة العدل بإقرار مبدأ العدالة والشفافية لدى أخذ أقوال المتهمين، أو المدعين غير المتحدثين باللغة العربية، للحصول منهم على أقوال سليمة ومعبرة عن حيثيات قضاياهم .
وأشار إلى أن عدم الدقة في الترجمة يطيل أمد التقاضي في بعض القضايا .