رمضان في الإمارات هو مناسبة لنشاط مكثف في مجال الخط العربي، وكأن الأجواء الروحانية لهذا الشهر الكريم لا يجاريها سوى تلك الحروف النورانية التي تكتب بتفنن واحتراف تزيده بهاء معاني ألفاظِ وجملِ النصوص الشريفة من قرآنٍ وحديثٍ وأثرٍ وشعرٍ وأمثالٍ سائرة وحكمٍ بالغة .
تعانق روحانية المعنى جمال الحرف الذي تخطه يد مدربة اختزنت حس الجمال في حركتها، فنقلتها بدقة متناهية إلى الورقة، فتبدو اللوحة متلألئة بفيض من البهاء ما يأسر عين الناظر ويلج بسهولة إلى روحه التي صقلها نهار الصوم فعادت أخفّ من الضوء وأجمل من النور وعَرَجت في مدارج الإيمان فرِحة بكل جميل شفيف، وهذا العناق الروحاني الجمالي، أو التجلي الصوفي هو ما تسعى تلك الأنشطة الخطية إلى تدعيمه وتأكيده في الشهر الفضيل، ويفسر ذلك كثرة الأنشطة المرتبطة بالخط وتنوعها على مدى أيام وليالي رمضان .
بدأت فعاليات الخطّ هذه السنة مبكرة من خلال ورشتين للخط في بيوت الخطاطين نظمتهما إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وأشرف عليهما الخطاط محمد النوري وعملتا على التعريف بفن الخط وتاريخه والتعرف إلى بعض أنواعه، وتدريب المشاركين على طرائق الكتابة وفروق الأقلام والتعامل مع حروف كل نوع من أنواع الخط .
ثم تلت ذلك ورشة أقيمت صباح أمس في مركز الشارقة لفن الخط العربي أشرف عليها الخطاط محمد فاروق الحداد وركزت على خط الديواني الجلي من ناحية مراحل تطوره وأشهر من كتبوا به، ونماذج من تراث هذا الخط، خصوصاً مخطوطات فرمانات السلاطين العثمانيين المكتوبة بماء الذهب التي لا تزال مخزنة في متحف طوب كابي الذي يضم أهم المقتنيات من قصور الخلفاء العثمانيين، ومتاحف تركية أخرى، واستعرض الحداد بعض أعمال الخطاط سامي أفندي الذي عمل في البلاط العثماني، وكذلك حقي طغرا كش، ثم قدم نماذج تطبيقية شرح فيها اختلافات الديواني الجلي عن غيره من أنواع الخطوط، كما شرح جماليات الزخرفة التي تميز بها الخط الجلي .
واحتضن مطار دبي الدولي في الأسبوع الماضي معرضاً للخطاط الإماراتي علي مراد الأميري تحت عنوان ومضات من فكر ضم ثلاثين لوحة مستوحاة من كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نفذت بمختلف أنواع الخطوط ومنها الديواني والجلي الديواني وخط الحر الكلاسيكي وخط الثلث، وستنظم إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام مساء اليوم في فندق الهوليداي إن في الشارقة معرضاً تشكيلياً لعدد من الخطاطين، وفي جعبة كل هيئة ثقافية نشاط أو اثنان في مجال الخط على مدى ليالي الشهر الكريم، والمميز في تلك الأنشطة أنها لا تقتصر على مراكز الثقافة واستديوهات الخطاطين، بل تنتشر في أماكن التسوق وساحات التنزه حيث يتواجد أكبر عدد من الجمهور .
في برنامج الخط في رمضان ستكون هناك فعاليتان مميزتان هما ورشة الخط التي تنظمها جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في رمضان من كل عام، وتضم أهم الخطاطين الإماراتيين والعرب المقيمين في الدولة، وتشكل حدثاً مهماً، لأنها تجمع في مستوى واحد جميع الرؤى والأفكار في مجال الخط، وتقيم حواراً ممتعاً بين مختلف التوجهات، وتنفتح أيضاً على الحروفية العربية، وآخر الابتكارات في مجال الاستفادة من الفنون المجاورة للخط .
والفعالية الثانية تتمثل في مسابقة البردة لخط القرآن الكريم التي تنظمها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وتجمع لها سنوياً أمهر الخطاطين من بلدان العالم، لكي يتباروا في كتابة المصحف بخطّ النسخ، وتوفر لهم كل التسهيلات اللازمة لأداء عملهم في ظروف ملائمة، وتختم هذه المسابقة في ليلة السابع والعشرين من الشهر، ليلة القدر، ليكون ذلك الحدث الجليل ختاماً لشهر كامل يتعانق فيه الجمالي بالروحاني .