الأراضي الممنوحة من جانب الحكومة العمانية لمؤسسات التعليم في السلطنة كانت واحدة فقط من بين حزمة متكاملة لتعزيز تلك الكيانات بما يخدم أهدافها التربوية والثقافية والتعليمية، وجميعها تسمو فوق غريزة الرغبة الجامحة في الثراء السريع لبعض أصحاب تلك المؤسسات الذين فقدوا البوصلة المؤدية إلى جادة الصواب .
فقد شهدت السنوات الأخيرة عمليات استغلال تجاري واستثماري لهذه الأراضي بما يتعارض تماماً مع أغراض المنح، كأنما وجدوا في ذلك فرصة مؤاتية لتحقيق أرباح اضافية غير مكتفين بما تقدمه الدولة من إعفاءات في مجالات متعددة من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، القروض الميسرة المعززة بفترات سماح مناسبة وفوائد شبه منعدمة متحملة هي تكلفة الفارق الناجم عن هذه التسهيلات، فضلاً عن عربدة تلك المؤسسات في فرض رسوم دراسية ليست عادلة بالمقارنة مع الخدمة المقدمة، إضافة إلى تراجع الجودة عند أدنى مستوياتها، الأمر الذي يدفع أصحاب أعمال إلى البوح بمرارة الشكوى من حالة الضعف الشديد في جودة المخرجات التعليمية التي تؤثر سلباً بدورها في مدى توافر الكوادر الوطنية المؤهلة للعمل في منشآت القطاع الخاص، وتؤدي تباعاً إلى إطالة طوابير الباحثين عن عمل التي يقابلها زيادة الطلب على العمالة الوافدة بحثاً عن الكفاءة المطلوبة لأداء تلك المنشآت القائمة على أسس من الربحية المعتمدة على التنافسية التي لا تعرف العمل وفق مفاهيم الجمعيات الخيرية .
ولعل أزمة المخرجات التعليمية هي التي دفعت السلطان قابوس إلى التوجيه نحو إعادة تقييم شاملة للمنظومة التعليمية على أساس من الكيف وليس الكم، خاصة أن بقاء الحال على ما هو عليه الآن سوف يؤدي إلى حالة من انسداد الأفق أمام تلك المخرجات التي لا تتلاءم مع احتياجات سوق العمل، وعندها سوف تكون العملية التعليمية برمتها عبئاً على التنمية بمفهومها المستدام، ولن يكون من الإنصاف مطالبة القطاع الخاص بأن يضطلع بدوره المحوري باعتباره المشغل الرئيس للقوى العاملة الوطنية في المستقبل بعد حالة التخمة التي أصيب بها التوظيف في الجهاز الإداري للدولة، خاصة خلال العامين الماضيين .
والقرار الذي اتخذه مجلس التعليم قبل أيام بوقف منح التراخيص لإنشاء جامعات وكليات خاصة جديدة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد - وإن كان قد جاء متأخراً بعض الوقت - يعد انعكاساً لواقع مشهود يتابعه العمانيون بقلق منذ سنوات، فحيثياته تشير إلى أن الهدف يتمثل في تمكين جهات الاختصاص الحكومية من تقييم الوضع الراهن لمؤسسات التعليم العالي الخاصة، واقتراح الآليات المناسبة لضوابط الاستثمار في هذا المجال، وتحديد البرامج والتخصصات الأكاديمية التي تنسجم مع متطلبات واحتياجات سوق العمل الفعلية والخطط التنموية، وما يفرضه ذلك من حتمية تقييم الدعم الحكومي المقدم لتلك المؤسسات تصويبا لاتجاهاته وتصحيحاً لمساره، وما يستتبعه ذلك من ضرورة وضع الضوابط للاستثمار التجاري في الأراضي الحكومية الممنوحة لمؤسسات التعليم العالي الخاصة، ووضع أسس وشروط ونطاقات لاستغلال بعض مساحات تلك الأراضي في الأغراض ذات الصلة الوثيقة بالعملية التعليمية والأهداف التربوية بما لا يتعارض مع الرسالة السامية لتلك المؤسسات .
لكن يبقى الأمل معقوداً على صدور قرارات مماثلة تطال مختلف المؤسسات التعليمية التربوية بما في ذلك رياض الأطفال التي لا تقل أهمية عن مؤسسات التعليم العالي باعتبارها القواعد الرافدة والمتممة لحلقات المنظومة التعليمية التي لا يمكن التعامل معها بالتقسيط، أو علاج حلقة من دون أخرى بينما العلة واحدة .
ولعل من المناسب أيضاً دعوة مجلس التعليم إلى عدم التردد في إلغاء تراخيص بعض المدارس أو الكليات أو حتى الجامعات الخاصة حال ثبوت خروجها عن النسق العام الذي يأتي ضمن سياق المصلحة الوطنية العامة في ضوء الرؤى الاستراتيجية التي يجري العمل على وضعها حالياً، والممتدة حتى عام 2040 .
واقع الحال يقتضي شجاعة الاعتراف بأن منظومة الدعم في مجملها باتت بحاجة ملحة إلى مراجعة وتقييم شامل يوقف نزيفها المتجدد باعتبارها أموالاً عامة واجبة الحفاظ عليها من خلال إعادة توجيهها عند اللزوم إلى مواطنين أخرين أولى بالرعاية .