نظراً لتفاقم أزمات الغذاء حول العالم، تبنت العديد من الدول أبحاثاً حول الإكثار من معدلات نمو المحاصيل الزراعية وزيادة إنتاجية الأراضي منها لسد الفجوة الهائلة في إمدادات الغذاء وتأمين احتياجات الشعوب من المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والأرز والخضروات وغيرها، وظهرت تكنولوجيا الهندسة الوراثية طوق نجاة للعديد من الشعوب من السقوط في هاوية المجاعات، وخلال العقود الماضية أصبح مجال إنتاج الغذاء المعدل جينياً محط خلاف شديد بين أفكار مؤيدة لتلافي جوع البشر، وأخرى ترى أنه أول مسمار في نعش البشرية الذي سيؤدي إلى هلاكها وفقدانها لمعظم وظائفها الحيوية وظهور أجيال لا تتمتع بصحة جيدة على الإطلاق .

على الرغم من مرور عشرات الأعوام على ظهور المحاصيل المعدلة وراثياً أو جينياً، إلا أنها بدأت تظهر على سطح الأحداث بقوة خلال الآونة الأخيرة بسبب ازدياد نفوذ الشركات التي تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية مثل شركة مونسانتو المتعددة الجنسيات وشركة باسف الألمانية، ما جعل من إنتاج الغذاء المعدل وراثياً أمراً واقعاً بعد أن كان مجرد تجارب وتتم زراعته في أماكن محدودة في أجزاء من العالم . ويرى العديد من الخبراء اتخاذ أغلب تلك الشركات العملاقة أساليب ملتوية للوصول إلى مراكز اتخاذ القرارات داخل الحكومات لتسهيل أنشطتها الزراعية وتعميمها على أساليب إنتاج المحاصيل بكل أنواعها، وذلك بحجة عدم توافر الإمكانات المادية لاستصلاح المزيد من الأراضي الزراعية والأيدي العاملة، وسهولة إنتاج ثمرات وحبوب أكبر في الحجم وأكثر في العدد مما يتسبب في مردود مادي هائل . بدأ الجدال حول الغذاء المعدل وراثياً في السبعينات من القرن الماضي، حينما طور العلماء نبات التبغ المعدل جينياً، ونظراً لمحدودية الأبحاث حينها لم يرقَ الصراع إلى مستوى الأزمة .

ولكن الآن يتم بالفعل زراعة العديد من المحاصيل المعدلة في الولايات المتحدة مثل الذرة وفول الصويا اللذين من أكثر المحاصيل الاستراتيجية هناك، على الجانب الآخر من العالم لا يزال وجود منع لزراعة مثل تلك المحاصيل المعدلة مثل معظم دول أوروبا .

من الواضح لكل العامة أن ايجابيات تلك المشروعات تبدو إيجابية للغاية بتحقيقها الاكتفاء الذاتي للدول والقضاء على ظاهرة الجوع العالمي، كما تقلل أو تقضي على المبيدات السامة بعدم استخدامها، إضافة إلى التحكم في حجم الفيتامينات بزيادتها أو نقصان مواد خطرة على الصحة العامة، ولكن على الجانب الآخر لم يلتفت الكثيرون على كيفية تفعيل آلية تنفيذ تلك المشروعات داخل المجتمعات الأكثر احتياجاً لها التي تعد أكثر البلدان العالمية فقراً ولا تتوافر لديها الإمكانات التكنولوجية التي تؤهلها لذلك إلا بمساعدة الآخرين الذين سيفرضون شروطهم القاسية، وتتمثل أكبر سلبيات تلك المحاصيل في تفاقم المخاطر المحتملة وطويلة

الآجر على البيئة والتربة والصحة العامة .

من المعروف أن الطبيعة تقوم من تلقاء نفسها بتعديلات جينية على المحاصيل في كل أرجاء العالم بحسب الطقس والتغيرات المناخية وغيرها، ويتضح ذلك من خصائص الخضروات والفاكهة نفسها من دولة إلى أخرى، ولكن تلك التعديلات تتم عبر مئات وآلاف السنين، واستطاع الإنسان أن ينفذ بعض التغيرات على النباتات عن طريق التهجين، ولكن الآن ومع التغير السريع عبر التعديل الوراثي الفجائي من الممكن أن تفقد النباتات خصائصها الأساسية وينتج عنها آثار جانبية وأضرار بيئية لم يتسنَ للعلماء معرفتها حتى الآن، وتنبع تلك السلبيات عادة في حال تدخل الإنسان في تعديل عناصر البيئة المعقدة التي يعجز حتى الآن عن فك طلاسمها . ويكمن الفرق بين التهجين والتعديل الوراثي، هو أن الأول يضمن تعديلاً في صفات المحاصيل غير المرغوب فيها، ويتم تبادل الجينات عبر التلقيح، ويكون الجين من سلالة النبات نفسه، ولكن التعديل الوراثي يقدم الجين للحمض النووي الخاص بالنباتات عبر وسيط بكتيري، ويتسلل الحمض النووي المعدل لداخل النبات عبر البكتيريا التي تستطيع اختراق خلايا النباتات، والجين الجديد لا يتعين أن يكون من سلالة النبات نفسه، إذاً فالهندسة الوراثية تعتمد على إكساب النبات صفات مخالفة لصفاته الأساسية أو صفات سلالته، وهو الأمر الذي يتم إجبارياً ويعد خرقاً لقوانين الطبيعة .

في حين وجود أدلة علمية على عدم إضرار المحاصيل المعدلة لصحة الإنسان، ما زال هناك العديد من التساؤلات المطروحة حولها بخاصة أنه حينما تزرع فآثارها البيئية لا رجعة فيها، فعلى سبيل المثال من المنتظر انتشار حبوب لقاح المحاصيل المعدلة وراثياً في حال زراعتها على المحاصيل العادية، كما ستأكل من تلك المحاصيل أنواع عديدة من الحشرات والطيور التي بدورها ستكون غذاءً للإنسان وحيوانات أخرى وهكذا، وسيستمر تداول بذورها إلى كل أنحاء العالم لملايين السنين على سطح الأرض إلى حد سيصبح فيه كل أنسجة النباتات وحبوب اللقاح من مصدر معدل وراثياً وليس من رحم الطبيعة الأم، وهذا الأمر ينذر بكارثة بشرية وطبيعية بسبب غباء بعض الأشخاص الذين لا يكترثون سوى لثرائهم . والأهم في ذلك تأثير المحاصيل في الحمض النووي للحشرات والآفات الزراعية بسبب اعتمادها على المحاصيل لوجودها، فهنا سيطرق عليها تغيرات بيولوجية وخصائص جديدة للتعايش بشكل غير معروف مدى تأثيره، كما ثارت انتقادات حول كيفية التعامل مع أمراض الحساسية ضد بعض الأطعمة، مثل الفول السوداني الذي بتغيير خصائصه من المشكوك أن يمنح القدر نفسه من البروتينات اللازمة للجسم .

علاوة على النتائج الصادمة التي ظهرت للعلماء المقاومين لتطبيق الغذاء المعدل وراثياً واكتشافهم أمراضاً متوقعة ناتجة عن الحساسية والتغيرات الجينية للإنسان، تنفق المنظمات الهادفة لتطبيق تلك المحاصيل مليارات الدولارات للمضي قدماً في مشروعاتهم الزراعية لتقديمها وتطبيقها لدى الحكومات، وتمادت في مهاجمة ومحاولة تعطيل أبحاث من يناهضون فكرتهم على مستوى العالم، وفي المقابل تعالت الصيحات لكل الباحثين المناهضين للفكرة بعرض تجاربهم بكل شفافية في الجرائد والمجلات العالمية، ويقول البعض الآخر إن كلا الطرفين لا يمكن أن يهزم الآخر ولن يصل إلى هدفه إلا بحل وسط، وهو استمرار الأبحاث في الاتجاهين، ومن خلال الحكومات والأجهزة الرقابية يمكن كشف الحقائق بحيث تصبح شفافة ومعتمدة عن طريق الفحص الصارم لمجال الصناعات الزراعية بأنواعه كافة بحسب ما يتفق مع المعايير الوطنية والعالمية، وعدم التصريح لأي منتج بدخول الأسواق إلا في حال توافر عنصر الأمان والتأكيد عليه للمستهلكين الذين بدورهم لهم الكلمة الأخيرة بإجهاض تلك المحاولة أو الإبقاء عليها بعد تأكدهم من تأثيرها المحتمل في صحتهم وصحة أبنائهم .