فيرونا ليست مدينة تاريخية تحمل بصمات عصر مجد الإمبراطورية الرومانية فحسب بل اكتسبت شهرتها أيضاً من كونها مدينة العاشقين روميو وجولييت . ويزور المدينة ملايين السياح يتجه معظمهم إلى قصر جولييت ويثبتون رسائلهم على جدران منزلها يبثونها شوقهم أو يتحدثون عن تجاربهم التي تبدو مثيرة للرثاء في أحوال كثيرة، وترى آلاف الفتيات ينتحبن أمام قصرها وهم يستعيدون في ذاكرتهم قصة عشق كانت نهايتها مأساوية حيث انتحر الحبيبان بسبب العداوة التاريخية بين عائلتيهما، وهما كانا ضحية تلك العلاقة . وتظل فيرونا المكان المناسب للاستمتاع والاسترخاء .
يمر وسط مدينة فيرونا نهر أديج فيشطرها إلى قسمين، ويبلغ عدد سكان المدينة 265 ألف نسمة تقريبا ، وهي من الأماكن البارزة في مقاطعة فينيتو شمالي إيطاليا وتصنف بأنها ثالث أكبر المدن شمالي إيطاليا . وتقع فيرونا على مساحة 1426 كيلومتراً مربعاً . كما تحتل مكانة مرموقة من حيث شهرتها كوجهة سياحية رئيسية في إيطاليا، وتنبع أهميتها من تاريخها التراثي الفني العريق ومعارضها السنوية العديدة، وتشتهر أيضا بعروضها المسرحية العريقة ومواسمها الشعرية التي تنشد فيها الأغاني في مسرح الأرينا وهو عبارة عن مسرح روماني قديم نصف دائري شيده الرومان منذ أكثر من ألفي سنة .
جائزة التراث
منحت اليونيسكو فيرونا جائزة التراث العالمي باعتبارها مدينة ثرية بمواقعها الأثرية التي تحظى برعاية المنظمة الدولية، ويلاحظ زوار المدينة أنها لا تزال تحتفظ بهندستها وتكوينها الحضري العريق .
تاريخ فيرونا
لا يعرف على وجه التحديد تفاصيل تاريخ فيرونا القديمة، حيث لا يزال غامضاً . كما أن أصل التسمية غير معروف . ولكن الأسطورة تقول أن يوغاني أجبر على التخلي عن المدينة لسينوماني في العام 550 قبل الميلاد . وأصبحت فيرونا مستوطنة رومانية في العام 89 قبل الميلاد .
لمع نجم المدينة وأصبحت أشهر من نار على علم بسبب موقعها على تقاطع طرق عدة . وفي هذه المدينة العريقة هزم ستليشيو ألريك وجنوده في العام 403 . وغزا المدينة الاستروغوثيون في العام 489 ميلادية وأصبحت تحت السيطرة القوطية . وقيل أن ثيودور العظيم بنا قصرا هنا وطبقا لأساطير أيرلندية أطلق اسم فيرونا على المنطقة في هذه الحقبة التاريخية . ومع مرور السنين أصبحت فيرونا مقرا لملوك إيطاليا . وشهدت المدينة آخر صراع بين ملك فيرونا أدالجيسوس إبن ديزيديروس في العام 774 وهزم أمام شارلمان الذي نجح في تدمير مملكة لومبارد . وأصبحت المدينة أيضا تتمتع بحكم وراثي لأسرة الكونت ميلو . وهنا تمتع دانتي وبترارك وجيوتو بحماية حكام فيرونا . وسواء عن طريق الحرب أو المعاهدات خضعت مدن مثل بادوا وتريفيسو وفيسينزا لحكام فيرونا خلال العامين 1308 و 1328 .
واشتهر العام 1387 بأنه عام معركة كاستغنارو الحاسمة بين جيوفاني أوردلافي وجون هوكوود للسيطرة على فيرونا وبادوا وكان الأخير هو المنتصر .
وخلال الفترة ما بين العامين 1508 و1517 خضعت فيرونا لسلطة الإمبراطور ماكسيميليان الأول ، وخلال الفترة 1629-33 منيت إيطاليا بصراعات دامية هي الأسوأ في الأزمنة المعاصرة راح ضحيتها أكثر من 33 ألف شخص وخلال العامين 1630- 1631 لقي 54 ألف شخص مصرعهم أيضاً .
في العام 1797 احتلت قوات نابليون الجرارة فيرونا ولكن السكان ثاروا وأجبروا القوات الفرنسية على الانسحاب من المدينة، واصبحت فيرونا مقاطعة تابعة للنمسا عندما وقع نابليون معاهدة كامبو فورميز في أكتوبر/تشرين أول العام 1797 . لكنها ضمت إلى مملكة نابليون الإيطالية لاحقاً، وما لبثت أن خضعت للنمسا بعد هزيمة جيوش نابليون في العام 1814 . وتحولت فيرونا خلال فترة الحكم النمساوي إلى مفصل استراتيجي بالغ الأهمية .
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية استعادت فيرونا مكانتها الاستراتيجية خاصة لقربه من بلدان المعسكر الاشتراكي، وأصبحت المدينة مقراً للقوات البرية الأوروبية الجنوبية، وشهدت وجوداً عسكرياً ضخماً خلال الحرب الباردة .
وبينما انحسر الوجود العسكري، خاصة الأمريكي، بدأت المدينة تستعيد مكانةها كمفصل اقتصادي قوي ووجهة سياحية مهمة بسبب تاريخها العريق حيث تجمع المدينة ما بين التاريخ الروماني القديم والقرون الوسطى وهي المراحل التاريخية التي شهدت تراكما مهما لفنون العمارة .
المناخ
تشتهر فيرونا بمناخها الرطب شبه الاستوائي، وهي السمة التي تنسحب على مناطق الداخل في الشمال الإيطالي على الرغم من أن وجود بحيرة غاردا يجعل مناخها شبه متوسطي . وخلال فصل الشتاء تتحول الرطوبة إلى ضباب يغطي المدينة من المساء حتى ساعة متأخرة من الصباح . لكن هذه الظاهرة تراجعت في السنوات الأخيرة .
المواقع السياحية
تشتهر المدينة بمواقعها السياحية التي تكتسي شهرتها من معالمها العمرانية العريقة ، واعتبرت اليونيسكو فيرونا موقعا للتراث العالمي . وحافظت فيرونا على الكثير من المعالم الرومانية القديمة التي تحولت إلى مواقع سياحية غير مأهولة، وهي أيضا متحف حي لفترة العصور الوسطى المبكرة .
ومن بين المعالم السياحية المهمة حلبة فيرونا وهي موقع لمستوطنة عسكرية رومانية وتعد الآن مركزا للمدينة وتوسعت مع مرور الوقت لتتمدد إلى كاردي وديسيوماني وتتقاطع هذه الأحياء بزوايا قائمة . وبقي هذا الهيكل العمراني محافظا على شكله حتى العصر الحديث . ولم يطرأ أي تغيير على الخريطة القديمة للمدينة رغم حركة التطوير . وبقيت الطرق المرصوفة بالصخور البازلتية كما هي لكنها غابت عن الأنظار لمسافة 6 أمتار تحت الأرض بفعل التطوير العمراني والبنية التحتية، وتمت إعادة بناء ساحة بيزا ديل إيرب القريبة من الميدان الروماني واستخدمت في إعادة بناء الحمامات والفيلل الرومانية قطع من الكتل الرخامية الرومانية القديمة ورممت أيضاً التماثيل باستخدام مواد منتزعة من الآثار القديمة .
وتشتهر فيرونا بمسرحها الروماني نصف الدائري الشهير الذي يطلق عليها أرينا والمدرج الروماني الذي يعد ثالث أضخم مدرج بعد كولوسيوم روما وحلبة كابوا . ويبلغ طول المدرج 139 متراً وعرضه 110 أمتار، ويمكن أن يستوعب 25 ألف متفرج في مدرجاته ال 44 المصنوعة من الرخام .
وتشتهر في المدينة أيضاً حلبة المصارعة التي كانت تجذب متفرجين يحضرون من خارج المدينة . وتعد الواجهة المكونة من طابقين حالياً دعامة داخلية للمدرجات . أما الواجهات الداخلية فهي مثيرة للإعجاب حيث بقيت في الواقع محافظة على هيكلها ولا تزال المدرجات تستخدم حتى الآن كمسرح مكشوف خلال فصل الصيف المعتدل .
جسر بونتي دي بيترا
ليس بعيداً عن المسرح الروماني يقع جسر بونتي دي بيترا أو جسر الجدار الصخري، وهو معلم روماني آخر لا يزال محتفظاً بشكله .
أما قوس أركو دي غافي فقد شيد في القرن الأول بعد الميلاد ويكتسي شهرته من اسم المهندس المعماري لوسيوس فيتروفيوس كوردون وهو محفور على القوس وهي حالة نادرة بالنسبة لمعلم هندسي عمراني مثل هذا النصب .
ومن المعالم المعروفة في فيرونا أيضاً بورتا ليوني أو بوابة الأسود وكان شيد في القرن الأول بعد الميلاد وكان يمثل جزءا من بوابة المدينة الروماني .
250 فندقاً
تضم مدينة فيرونا 250 فندقاً توفر الخدمات لملايين السياح الذين يزورون المدينة سنوياً، وتتنوع الفنادق حسب مستوياتها فهناك فنادق خمسة نجوم مثل سوغنو دي جولييتا وإسكالوس الفخم و فندق أكاديميا وبلازو فكتوريا وهناك أيضاً فنادق درجة ثالثة وثانية مثل فندق ميلانو وغاستلفيتشيو ويقع على ضفاف نهر أديج ويطل على جسر غاستلفيتشيو .
مسرح فيرونا
يشكل المسرح الروماني مرفقاً سياحياً مهماً، فقد شيد في القرن الأول بعد الميلاد، وقد تداعى المبنى عبر العصر بسبب سوء الاستخدام وقد تحول في مرحل زمنية إلى مبنى شيدت عليه المنازل . وفي القرن الثامن عشر اشترى اندريه مونغا، وهو شخصية ثرية من فيرونا، جميع المباني السكنية التي كانت مشيدة فوق المسرح، وهدمها وأعاد بناء المسرح الذي اتخذ رونقه القديم .