قال وزير الطاقة الأمريكي رتشاردسون أيام الرئيس كلنتون سنة 1999: "لقد كان البترول محور القرارات الأمنية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال القرن العشرين، والنفط كان وراء تقسيمات الشرق الأوسط إلى دويلات بعد الحرب العالمية الأولى" . وكما سنبينُ في كتاب "مستقبل البترول العربي في كازينو العولمة" لمؤلفه د .عبدالحي يحيى زلوم فقد أصبح النفط في كازينو اقتصاد العولمة إضافة إلى كونه مصدراً للطاقة غطاءً واقعياً للدولار بعد كشف غطاء الذهب عنه، وبذلك سمح للدولار أن يبقى عملة الاحتياط العالمية وهو أمر أساسي لبقاء أي إمبراطورية .
يبين هذا الكتاب عورات اقتصاد العولمة وما يحدثه من سرقة موارد الدول تحت أرقى المسميات وأحط الأساليب وبمساعدة مؤسسات سرية وشبه سرية وعلنية على طرفي الأطلسي .
هللّت قنوات الإعلام الأمريكية خصوصاً والغربية عموماً لخبر ادعت فيه أن استقلال الولايات المتحدة النفطي قد أصبح قاب قوسين أو أدنى بعد أن زاد الإنتاج النفطي الأمريكي عن نظيره السعودي خلال سنة 2013 ما يجعل النفط العربي والسعودي ذا أهمية دنيا بالنسبة إلى واشنطن . لكن هذا الكلام هو من باب التمني ولا صلة له بالواقع كما سنبين في الفصل الحادي عشر من هذا الكتاب .
إن هذه الفرقعة الإعلامية مبنية على أسس خاطئة لو أحسنا الظن، أو أنها بنيت على خطأ لغرض في نفس يعقوب عن سابق معرفةٍ وتصميم ولعل هذا هو الأرجح .
أما إنتاج النفط في الولايات المتحدة فهو ما زال أقل من إنتاج السعودية: أمّا لو تمّت إضافة السوائل الخفيفة المصاحبة لإنتاج الغاز، والزيادات الناتجة عن اتحاد الهيدروجين مع النفط في عمليات التكرير، وكذلك الميثانول المستخرج من النباتات أو المنتوجات الزراعية، عندئذٍ يصبح المجموع لهذه المواد الهايدروكربونية مساوياً أو يزيد قليلاً على إنتاج السعودية سنة 2013 والتي ستزيد إنتاجها بدورها مليوني برميل خلال سنتين .
كذلك فإن الولايات المتحدة ستبقى مستوردة للنفط إلى يوم يبعثون حيث إنّ عجزها اليوم حتى بعد كل الإضافات غير الأحفورية التي ذكرناها، فإنها بحاجة إلى استيراد ما يعادل ضعف إنتاج الكويت من النفط يومياً، إضافة إلى أن تكلفة إنتاج البرميل الواحد في الولايات المتحدة يزيد حوالي 20 ضعفاً على معدّل تكلفة إنتاج نظيره العربي أو السعودي، إضافة إلى أن أكثر عائدات النفط العربي تعود إلى الخزانة الأمريكية بشكل سندات مما يدعم دور الدولار كعملة الاحتياط العالمي .
عندما قرّرت شبكة تلفزيون "الجزيرة" المعروفة عمل حلقتين وثائقيتين مدة كل منهما ساعة حول كتابي "حروب البترول الصليبية" أمريكا بعيون عربية"، قمت ومخرج الحلقات بوضع قائمة بالشخصيات التي سيتم مقابلتها، استناداً إلى من تم الاستشهاد بأقوالهم من تلك الشخصيات في كتابي . . ومن بين هؤلاء كان جيمس إيكنز، وهو سفير سابق للولايات المتحده لدى السعوديه أوائل سبعينات القرن الماضي، وفي كتابي ذاك ذكرت قصة كان رواها إيكنز حول نفس موضوع احتلال حقول النفط .
قابلت "الجزيرة" إيكنز لغرض المسلسل الوثائقي، وفيما يلي النص الحرفي لما قاله وكما بثته قناة "الجزيرة": "عندما طلع علينا كيسنجر بخطته لاحتلال حقول نفط الشرق الأوسط، سُئلتُ عمّا كان قد نُشر في مقالة بمجلّة "هاربر" كُتبت من قبل كاتب مجهول دعا نفسه "الجندي المجهول" ولم يعرف أحد حقيقة هويته إلا بعد ردح من الزمن .
وكان كاتب المقالة اقترح على الولايات المتحدة احتلال حقول النفط العربية، مع إحضار موظفين من تكساس وأوكلاهوما لتشغيل هذه الحقول وترحيل جميع مواطني هذه البلدان إلى نجد (في العربية السعودية)، بحيث تخلو المنطقة بكاملها من مواطنيها العرب، ونقوم نحن بإنتاج النفط لمدة الخمسين أو السبعين سنة القادمة إلى أن تجف حقول النفط . بحثت الخطة مع أرامكو (شركة النفط السعودية الأمريكية) فارتعبوا، إذ من السذاجة بمكان أن يجول بخاطر المرء مثل هذا الحلم، وقد سألتني وسائل الإعلام الأمريكية عن هذه الخطة، وكنت حينها سفير أمريكا لدى العربية السعودية، فأبلغت وسائل الإعلام الأمريكية بأن من يفكر بحل أزمة الطاقة الأمريكية بهذه الطريقة إما أن يكون مجنوناً أو مجرماً أو عميلاً للاتحاد السوفيتي، ويبدو ان هذه الكلمات لم تسّر ذاك الذي كتب مقالة "هاربر"، وكنت أعتقده أحد حمقى وكالة الاستخبارات المركزية أو البنتاغون، حيث لم أكن أعرف بعد من قد يكون، وأخيراً عرفت: لقد كان رئيسي كيسنجر، حيث لم ألبث بعدها أن طُردتُ" .
أمّا أن مثل هذا الخيار كان تمّ اعتباره جديّاً، فقد ورد ذكر ذلك في دراسة لكلية الدراسات العليا للأعمال في هارفارد تحت عنوان: السيطرة على النفط العالمي . وعلى الأغلب ونظراً للمخاطر التي ينطوي عليها مثل هذا التصرف في عالم ثنائي القطبية -وبالتأكيد ليس لاعتباراتٍ أخلاقية- فقد تم تبني نهج الخطوة خطوة، كما أطلقت الولايات المتحدة العنان لنظامٍ مالي عالمي جديد بعد إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب في ،1971 ما أدى إلى إحداث متغيرات اقتصادية ومالية كثيرة في الولايات المتحدة وعبر العالم .
انشغلت الدوائر العليا في واشنطن طوال عام 1973 بمناقشة الخطط الحربية الخاصة بالاحتلال الفعلي لحقول النفط في الشرق الأوسط، إلاّ أن انطباعاً غلب في النهاية مؤداه بأن الوقت لا يزال مبكراً للإقدام على هذه الخطوة، غير أن الخطط أعدت بالفعل في الأعوام التالية، حيث تم تشكيل ما عرف بالقيادة الوسطى التي ستتولى المهمة ولكن على مراحل أو طبقاً لسياسة كيسنجر المعروفة ب"الخطوة خطوة" . بدأت العملية بإقامة قواعد جوية ومدن عسكرية بتمويل من الدول النفطية . تلا ذلك تصعيد ملحوظ للوجود البحري الأمريكي في مياه الخليج .
وبعد أن بلغ إنتاج نفط الولايات المتحدة ذروته كما كان متنبأً به، والذي تزامن مع عدم قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية بريتون وودز المتعلقة بتحويل الدولارات إلى ذهب بنسبة ثابته، أصبح تأمين احتياطيات النفط للولايات المتحدة متطلّباً استعماريّاً ملحّاً وضرورياً لاستمرارية مجمعها الصناعي العسكري وهيمنتها العالمية .
كانت الخطوة الأولى هي تحويل احتياطات ألاسكا وبحر الشمال الضخمة - والتي كانت غير مجدية اقتصادياً - إلى احتياطيات اقتصادية، وهو أمر تمّ تأمينه عبر زيادة أسعار النفط، والذي أنجز بصورة مسرحية من خلال حرب تشرين/يوم كيبور في 1973 . وكان أيضاً من الضروري ضمان أن تتدفق البترودولارات الى الدول المنتجة على نحو مسيطر عليه، فيما اصبح يعرف بإعادة التدوير من المنتجين إلى البنوك الغربية .

مفاوضاتٍ سرّية مع السادات

عندما طرد السادات عشرات الآلاف مع المستشارين السوفيات من مصر كجزء من خطة بلاده للابتعاد عن الاتحاد السوفياتي، حث ميلفن ليرد وزير الدفاع نيكسون على بدء مفاوضاتٍ سرّية مع السادات، غير مدركٍ أن القنوات كانت مفتوحة - أصلاً - على وسعها منذ بعض الوقت . وفي هذه الأثناء ارتقى كيسنجر بمستوى صلته المصرية الخاصة، ففي زيارة لحافظ اسماعيل -مبعوث السادات- الى الولايات المتحدة في شهر شباط ،1973 قام بوضع برنامج يمكنه من الاجتماع خفيةُ بكيسنجر بعد انتهاء واجباته الرسمية، فتالياً لاجتماعاته بنيكسون وممثلي الخارجية - كان اسماعيل - كما كتب كيسنجر في كتابه " سنوات الهياج" . . سوف ينسلّ بنفسه في 25 شباط إلى نيويورك، ومن هناك يتوجه إلى موقع اجتماع سري في الضواحي . . بيت خاص استؤجر لهذا لغرض - حيث هو وأنا نتباحث ليومين في مراجعة كاملة وخاصة للعلاقات المصرية الأمريكية" .
وأضاف كيسنجر: "لا أنا، ولا أي عضو من معاونيّ، كان ضمن مناقشات إدارة الخارجية، بينما إدارة الخارجية حتى لم تعرف بلقائي السرّي مع اسماعيل" .
وقبل وصول اسماعيل إلى واشنطن كتب نيكسون إلى كيسنجر: "لقد حان الوقت للتخلّي عن الانصياع لموقف "إسرائيل" المتصلّب، فقد قادتهم تصرّفاتنا في الماضي إلى الاعتقاد بأننا سنقف إلى جانبهم بغض النظر عن مدى لا معقوليتهم" .
ومع ذلك فإن خطة كيسنجر كانت - والى حد كبير - متمشيّةً مع قرار "إسرائيل"، والذي نصّ في حزيران ،1967 على أنه يمكن بحث جبهتي مصر وسوريا والتفاوض حولهما، اما الضفة الغربية وغزّة فلا، والتي كان مجلس الوزراء "الإسرائيلي" قد أصرّ على ضمهّا الى "إسرائيل"، وحيث أن الضفة الغربية كانت جزءاً من الأردن قبل حرب ،1967 فقد عمد كيسنجر إلى استبعاد الأردن من مفاوضات الخطوة خطوة، وخطط للسادات وللعرب الآخرين من "أصدقاء" الولايات المتحدة المعروفين، باستبعاد الأردن كلية عن مسألة مفاوضات الضفة الغربية الفلسطينية . . وكما تم تنفيذه فعلاً في الرباط في مراكش في وقت لاحق .
وفي 6 آذار ،1973 تم تزويد السعوديين بإيجاز عن اجتماع كيسنجر مع اسماعيل، وذلك على أساس "العلم بالشيء في حدود ما يلزم فقط"، حيث إن العربية السعودية - البلد النفطي الرائد - سوف يكون لها دور في حظر النفط وزيادة سعره مستقبلاً .
وفي ذلك الشهر زارت جولدامائير رئيسة وزراء "إسرائيل" الولايات المتحدة، وعارضت وبشكل مطلق موقف نيكسون، ورفضت أية ضغوط لتعديل موقف "إسرائيل" المتشدّد، كما أبلغت نيكسون بأنه ليس لدى العرب خيار عسكري، وأن الأمور لم تكن بأفضل مما هي عليه الآن بالنسبة إلى "إسرائيل" .
وفي 11 نيسان انعقد اجتماع آخر بين اسماعيل وكيسنجر، وكانت القوات العربية وفي معظمها من البلدان الأشد تحالفاً مع الولايات المتحدة قد بدأت في شباط 1973 التحرك، بما في ذلك طائرات سعودية إلى مصر وقوات مراكشية إلى سوريا .

اجتماع بيلدربرغ السري

اجتماع بيلدربرغ في أيار 1973 المنعقد في سالتس جو بادن قبالة ساحل السويد في فيلا أسرة والينبرغ الواسعة الثراء (في 1997 كانوا يسيطرون على موجودات شركات مبيعاتها السنوية 100 مليار دولار)، كان كيسنجر حاضراً مع كبار مديري شركات النفط الكبرى والمؤسسات المالية متعددة الجنسيات والبنوك .
ومن بين النجوم كان روبرت أندرسون رئيس شركة أتلانتك ريتشفيلد للنفط، وزملاؤه الأقطاب سيرإريك دريك من بريتش بتروليوم، وباي .جي .كولادو نائب رئيس إكسون، ورينيه جرينردي ليلياك من سي .إف .بي، والمصرفيون البارون إدموند دي روتشايلد، وماركوس وولنبيرغ، وكريستر ويكمان، ومن السياسيين أولاف بالمه رئيس وزراء السويد، ودئيس هيلي من المملكة المتحدة، وهيلموت شميت وزير مالية ألمانيا الغربية في ذلك الوقت . ومثل رجال النفط جميع الشركات التي حققت كشوفاً وطورت حقول النفط في ألاسكا وفي بحر الشمال، أما البيت الأبيض فمثّله هنري كيسنجر وجيمس إيكنز وهو خبير نفطي .

حرب أكتوبر 1973

كانت هذه هي السنة التي أدت التوترات فيها بين العالم العربي و"إسرائيل" إلى حرب أكتوبر (والتي عرفت أيضاً بالحرب العربية "الإسرائيلية"، وحرب رمضان، أو حرب يوم كيبور) . وفي 1972 أعلن الرئيس أنور السادات جهاراً بأن بلاده ملتزمة بمحاربة "إسرائيل"، كما كرّر تهديده في نيسان 1973 .
وهكذا وبعد تحضيرات سرّية بين كسينجر (وأصدقائه العرب) وبعدما وضع تكتل المال وشركات النفط النظام المالي الجديد والذي يعتمد على النفط كغطاء للدولار وتم رفع الاسعار اربعة اضعاف بدأت مصائب ومصائد الديون للدول الفقيرة ودول العالم الثالث . كان لا بد لهذا السيناريو لحرب تحريك فكانت حرب السادس من أكتوبر 1973 التي قامت بدايته كل من مصر وسوريا . فاجأ الهجوم "إسرائيل" وتقدمت القوات المصرية بأسرع مما كان متوقعاً لها وكان بإمكانها حسب تقديرات القادة المصريين آنذاك كالفريق الشاذلي مواصلة الهجوم الى مواقع آمنة بل والى أكثر من ذلك ولكن قام الرئيس السادات بإجبار القوات المصرية بالوقوف في مواقع مكشوفة صعبة الدفاع عنها . كان ذلك جزءاً من الخطة التي تسمح بتدخل كسينجر في سياسته لفك الارتباط بين مصر وبقية الدول العربية أنذاك والاستقواء عليها منفردةً باتفاقية يقول كسينجر بنفسه إنها كانت أفصل حتى من التوقعات "الإسرائيلية" .
فهذه الحرب التي رتب لها كيسنجر بشكل مسرحي، انتهت بقرار عربي بحظر النفط عن الغرب وبارتفاع فلكي في أسعاره . غير أن ارتفاع أسعار النفط لم يقد إلى إثراء الشركات النفطية فحسب، بل زاد من الطلب على الدولار الأمريكي .
وكانت "الدبلوماسية المكوكية" أو اتصالات الوساطة التي تلت الحرب، قد تم وضع تفاصيلها الدقيقة من قبل هنري كيسنجر والذي كان رئيساً للامن القومي آنذاك . وكانت خارجية الولايات المتحدة تعتقد بأن على "إسرائيل" الانسحاب لحدودها عام ،1967 إلا أن كيسنجر كان لديه خطة أخرى . وقد جاء في كتابه "سنوات الهياج":
"كانت نقطة البداية لدي تقع عاطفياً لدى الجانب الآخر . . وعلى الرغم من عدم ممارستي شعائر عقيدتي الدينية، فلم يكن بمقدوري نسيان أعضاء أسرتي الثلاثة عشر الذين ماتوا في معسكرات الاعتقال النازيّة، ولم يكن في قدرتي احتمال هولوكوست آخر من قبل سياسات حسنة النية يمكن لزمامها الإفلات من السيطرة" .

اليوم كالأمس

في 1980 أصدر الرئيس كارتر مبدأه - مبدأ كارتر- والذي عمليّاً يعلن منطقة الخليج بحيرة أمريكية، تماماً كما فعل البريطانيون من قبله .
وأعلن كارتر: "أي محاولة من أي قوة خارجيّة لحيازة السيطرة على منطقة الخليج الفارسي، سوف تعتبر هجوماً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وإن مثل هذا الهجوم سيتم صدّه بكافة الوسائل اللازمة، بما فيها القوة المسلّحة" .

جر صدام لمعركة مع إيران

في عام ،1980 وبوجود رعايا أمريكيين محتجزين كرهائن في السفارة الأمريكية في طهران، كانت الولايات المتحدة متلهفة لتوجيه ضربة ضد الثورة الإسلامية، إلا أن محاولة الرئيس كارتر لتحرير الرهائن بعملية خاصة انتهت بكارثة .
وكان صدّام حسين قد ألغى اتفاقيته حول شط العرب، فحرضت إيران على خلعه والانقلاب عليه . كذلك راجت ادعاءات حول قيام إيرانيين بمحاولات اغتيال لمسؤولين عراقيين . إلا أن ما رجح الكفة نحو حربٍ شاملة إنما كانت الموافقة الضمينة لواشنطن على أنشطة صدّام المعادية لإيران، والوعد الذي قطعته الدول النفطية لتمويل حربه ضدّ إيران . وجاء الإشعار الأخير لبدء الحرب خلال الزيارة الرسمية التي قام بها صدّام في 1980 للسعودية، وهي أول زيارة -إطلاقاً- من رئيس عراقي، وطبقاً للمحقق الصحفي بوب باري في مقالته "تاريخ أمريكي/عراقي مفقود" . . ويقول القادة السعوديون أيضاً إنهم حثوا صدّام على نقل الحرب إلى النظام الإيراني المتشدّد، كما أبلغوه أن قولهم يتضمن "ضوءاً أخضر" للغزو من الرئيس كارتر .
وكان أن غزا صدّام إيران في 22 أيلول ،1980 وبعد مضي ستة أسابيع -لا أكثر- على زيارته الرسمية للعربية السعودية . ودارت رحى حرب طاحنة بين العراق وإيران على مدى ثماني سنوات، وكان الخط الرسمي للولايات المتحدة هو الحياد، إلا أنه في الواقع بقي وفيّاً لمقولة كيسنجر المأثورة والمشهورة بأنه في الحروب يكون هناك -في العادة- رابح وخاسر، أما في الحرب العراقية الإيرانية فيجب أن يكون هناك خاسران .

حرب الخاسرين

عبر حلفائها أولاً، ثمّ بصورةٍ مباشرة، زودت الولايات المتحدة العراق بالمعلومات الاستخبارية من الأقمار الصناعية ومن مصادر أخرى لتمكينه من إيقاع أفدح الخسائر بالإيرانيين، ولكنها وفي نفس الوقت كانت تزود إيران بقطع الغيار وبالأسلحة، كما تمّ الكشف عنه في فضيحة إيران/كونترا . كذلك باعت العراق تكنولوجيا ثنائية الاستخدام (يمكن استخدامها لأغراض عسكرية ومدنية) وتمّ نهب جيوب دول النفط لدفع أثمانها . وفي مقالةٍ نشرتها نيوزويك في عددها المؤرخ 23 أيلول 2002 كشفت عن أن الرئيس ريغان سمح ببيع قواعد بيانات حاسوبية للعراق كان من الممكن استخدامها في تتبع خصومه السياسيين مع شحنات من المواد التي استخدمها في إنتاج الجمرة الخبيثة (الأنثراكس)، وترسانات من الأسلحة الكيماوية . وبصفته مبعوثاً لريغان، زار دونالد رمسفيلد العراق مرتين في 1983 و1984 قابل فيهما صدّام حسين . وطبقاً للصحفيين موري واس وكريج أونجر - في مقالةٍ لهما في النيويوركر بتاريخ 2111992 فإنه يُعتقد بأن بوش الأب، أثناء عمله نائباً للرئيس ريغان، أشار على صدّام -عن طريق وسطاء عرب- بتكثيف عمليات القصف الجوي ضد إيران، في مسعىً -على ما يبدو- القصد منه حث إيران على زيادة طلبها من أسلحة مقاومة الطائرات من صنع الولايات المتحدة .
ومن حيث الرقعة الأرضية، فإن الحرب الإيرانية العراقية تركت البلدين في ذات الأماكن التي كانوا فيها عندما بدأت الحرب في 1980 إلا أنها تركت الاقتصاد العراقي ممزقاً غارقاً في الديون .

عقد السبعينات عقد التخطيط

أنشأت الولايات المتحدة قيادة قوة الانتشار السريع في فلوريدا، وهي القوة التي أنشئت ودربت وجمعت ليمكن نشرها بسرعة في الخليج، في حال بروز أي داع لحماية ما تعرّفه أمريكا على أنه مصلحتها في المنطقة . وصبغت القوة أسلحتها بألوان الصحراء، وأما أفرادها فتم تدريبهم على حرب الصحراء، وأصبحت هذه القيادة تعرف فيما بعد باسم القيادة المركزية (سنتكوم) .
وكان أن أعدت الخطط العسكرية والمناورات الحربية للتدخل الأمريكي . ومما يثير الدهشة أن السيناريو الدقيق لحرب عاصفة الصحراء كان قد أعدّ في 1978 على أساس الافتراض بحدوث هجوم عراقي على الكويت واحتمال رد أمريكي عليه . وفي عدد 7 أيار 1979 لمجلة فورتشن، تم نشر سيناريو لمناورة حربية تصف خططاً وردّاً عسكرياً أمريكياً ممكناً في حالة غزو عراقي للكويت يرتكز على نزاعات حدودية أو غيرها، وفي صفحة ،158 وتحت عنوان "إذا غزا العراق الكويت . ." قالت المجلّة: "القوات العراقية، المجهزة بشكل رئيسي بأسلحة سوفيتية، يمكن لها الإجهاز على أي البلدين بسرعة؛ والمعونة إذا طلبت، يمكن لها أن تتضمن ضربات جوية تكتيكية ضد الدروع العراقية وضد دعمها الجوي، وربما أيضاً تهديدات بتدمير المنشآت النفطية العراقية، ولغرض دحر القوات الأرضية العراقية، فإن ذلك سيتطلب مشاة بحرية من الأسطولين السادس والسابع، ومشاة من الفرقتين الثانية والثمانين ومئة وواحد؛ كذلك ارتأت الخطة "جيشاً في السماء" لنقل الجنود، والإفادة من جسر إمداد القوة الجوية الامريكية الاستراتيجية - السبعين سي 5 إيه إس العملاقة، و234 ناقلة سي141 الأصغر حجماً، زائداً 700 كيه سي135 صهريج لإعادة التزودّ بالوقود جوّاً" وكان هذا قد أعدّ في 1978 .
وفي هذه الفترة، تم بناء قواعد عسكرية أمريكية ومدن بحرية ضخمة في الخليج، على نحوٍ غير لافتٍ للنظر، وتحت مختلف الحجج والأعذار الواهية .

المؤلف في سطور

أنهى د . عبدالحي يحيى زلوم دراسته الإبتدائية والثانوية في القدس والجامعية الأولى والعليا في الولايات المتحدة في الهندسة وإدارة الاعمال والإدارة العليا . عمل في قطاع النفط العربي والعالمي أكثر من خمسين سنة حيث أسهم في الأعمال التأسيسية للعديد من شركات النفط منذ بداياتها . والمؤلف باحث له ثمانية كتب بالعربية، وخسمة بالإنجليزية .