إذا تجاوزنا الحديث عن سور الصين العظيم باعتباره قيمة معمارية حضارية دراماتيكية، فلا بد من ربط بنائه بالأباطرة الصينيين الأسطوريين الذين رسموا مسار الماضي العريق للصين واعتبار السور قبل كل شيء الخط الدفاعي الأول، ويشعر الكثيرون من السياح الذين يزورون السور بأنه يجسد قامة الأمة الصينية التي فرضت على نفسها العزلة عن بقية العالم لسنوات طويلة . ولدى زيارة السور المصنوع من حجارة الآجر والخشب، يمتد ملتويا عند سفوح الجبال الشمالية لأميال وأميال، و لا بد للزائر خلال تجواله على ذلك السور أن يتخيل تلك العزلة الثقافية والسياسية التي فرضها السور على الصينيين .
يشعر الزوار وهم يسيرون على امتداد هذا السور بحالة من الرضا من الاكتفاء بزيارة يوم واحد، أما أولئك الذين يرمون إلى سبر أغوار وتلقي قصص خيالية عن بناء السور فلا بد من التجول عليه لفترات أطول لتقصي المزيد من التفاصيل خاصة ما يتعلق بالمنشآت الممتدة على طول السور ولا بد أن الزوار يلمسون ما يحتويه كل قطاع على حدة من أثر قديم له مدلولات عسكرية أو حضارية مثيرة . وبعض الزوار يفضلون أن تتم الزيارة على متن حوامة تحلق بهم لمسافات طويلة أو يمضون سحابة طويلة من الليل في ظلال السور أو في فندق صغير أقيم خصيصا للزوار الطارئين الذين يفضلون مد أمد الزيارة لمعرفة المزيد عن السور، وهناك البعض الآخر من يصر على النوم وقضاء أوقات طويلة في أحد أبراج المراقبة . وتم تزويد القطاع بمحطة للعربات المعلقة "تلفريك"، وهي وسيلة مفيدة جدا وتسهل الزيارة بالنسبة للعائلات التي تصطحب أطفالا . ويجمع الكثيرون ما بين زيارة السور وأضرحة أسرة مينغ الملكية وأضرحة شرق كينغ والقرية التي تخلد عصر أسرة مينغ الإمبراطورية، أو زيارة القصر الصيفي لأسرة مينغ في شندج .

التاريخ

يتكون سور الصين العظيم من سلسلة من التحصينات والاستحكامات التي تمتد من شانغهيغوان على بحر بوهاي إلى بحيرة لوب في صحراء غوب وصولا إلى الحافة الجنوبية للحدود المنغولية التي كانت فيما مضى جزءا لا يتجزأ من إمبراطورية جنكيزخان المغولية .
شيدت الأسوار في شمالي الصين في القرن الثامن قبل الميلاد تلتها عمليات بناء أخرى وترميم امتدت لمئات السنين . وخلال حكم أسرة كين الملكية اعتبرت الأجزاء المتصلة من السور تابعة لمشروع الإمبراطور كين شي هوانغ التي كانت ترمي لتوحيد الصين . ومنذ المراحل الأولى برزت الأبراج المضيئة التي علتها الرايات وأطلقت منها الألعاب النارية واستخدمت لإطلاق أعمدة الدخان المحذرة والتي تحمل إشارات ذات مغزى ولعلها كانت تباشير إقامة أول إرسال تلغرافي . وتم خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر إنعاش فكرة السور عندما وجدت أسرة مينغ الملكية نفسها تتعرض لتهديدات القبائل البدوية القادمة من منشوريا ومنغوليا، وسعت هذه الأسرة الملكية إلى احتواء هجماتها بترميم السور القديم وإنشاء المزيد من المساحات . وأفادت زيادة ارتفاع السور 23 قدما وسماكة جدرانه إلى 23 قدما وإقامة أكثر من 25 ألف نقطة حراسة في تعزيز سيادة أسرة مينغ وردع القبائل المهاجمة .
ويحمل السور حالياً بكل تفاصيله آثار الإنشاءات القديمة واللاحقة .

افتتاح السور أمام الزوار

تم افتتاح السور أمام الزوار في العام 1958 بعد أن خضع لعمليات ترميم وبناء واسعة .
ويعتبر قطاع بادالينغ الواقع على مسافة 37 ميلا إلى شمال غرب بكين، القطاع الأكثر جاذبية بالنسبة للسياح .
ويحتل موقعا استراتيجياً بإطلالته على وديان ضيقة، وخضع هذا القطاع لعمليات تجديد مكثفة، وتنتشر فيه تشكيلة واسعة من المطاعم والمحال التي تروج للهدايا التذكارية، ويحتوي أيضاً
على محطات "العربات المعلقة"، التي شاعت شعبيتها بين الزوار اليوميين، وعلى فنادق خصصت لإقامة الراغبين في إطالة أمد إقامتهم بجوار السور .
وتم تعزيز القطاع أيضا بالمصاعد المخصصة للأشخاص المرضى، كما تتوافر الحمامات وخط سكة حديد يصل بادالينغ بمحطة بكين الشمالية، ويستطيع القطار أن يقطع المسافة ما بين السور وبكين في 90 دقيقة، كما وفرت الحكومة
طريقا للخط السريع للزوار الذين يرغبون في الوصول بسرعة إلى السور أو أثناء طريق العودة إلى بكين .

موتيانيو

على الرغم من قيمة هذا القطاع السياحية إلا أنه لا يضاهي قطاع سور بادالينغ من حيث القيمة الأثرية والشعبية، إذ يبلغ طول هذا القطاع 8 .1 ميل ويبعد 47 ميلا عن بكين، ولكن لا يزال يستقبل آلاف السياح يوميا .
المشهد العام هنا ثري بالطبيعة الجميلة نسبيا ويطل على منحدرات عميقة، وهو إن كان قصير المسافة فإنه متعب بتعرجاته وعدم استوائه خاصة إذا ما اختار السائح التجول على قدميه . وتستحق أبراج الحراسة التقاط صور تخلد الزيارة . وتتوافر في هذا القطاع أيضا "العربات المعلقة" و الكراسي المعلقة أيضا وعربات الانزلاق . وكل هذه الوسائل مثيرة بالنسبة للأطفال .

جيانكاو

ترك هذا القطاع من السور، ولم يتم تجديده ويبعد 48 ميلاً عن بكين، ويبدو أكثر وحشة من الكثير من أجزاء السور وعلى الرغم من أنه يحظر المشي لمسافات طويلة في هذا القطاع، فإن الكثيرين يمشون ويقطعون مسافات طويلة مخالفين اللوائح، من دون أن يتعرض لهم أحد . وفي حال اختار السائح المشي يفضل الاستعانة بمرشد محلي .
ويتميز هذا القطاع بأنه يقع وسط غابات من أشجار الصنوبر الكثيفة والأبراج المقامة على الأعمدة الصخرية وبالقرب من الجروف السحيقة على جانبي السور .وتجتمع كل تلك اللمسات الطبيعية الجميلة لتمنح جيانكاو تلك الحالة الاستثنائية على طول السور . وتحذر لا فتة هناك من السير على أطراف السور أثناء العواصف أو رداءة الطقس أو ضعف الإضاءة .
وهناك المزيد من القطاعات التي تمتد على طول السور الطويل ومعظمها تقع وسط لوحات طبيعية آسرة وتمثل طوقا متكاملا يحكي عن أسرار حضارة عريقة لا تزال ماثلة أمامنا وإن غادر أبطالها منذ أمد طويل .