حذّر عدد من علماء الشريعة الإسلامية من المخاطر الناتجة عن القسوة في التعامل مع الأبناء، وأكدوا أن التربية الإسلامية الصحيحة تقوم على الرفق واللين وليس العنف الذي يغرس العقوق في نفوس الصغار ويصرفهم عن التوجيه الديني والتربوي الصحيح، ويجنح بهم نحو الانحراف والتمرد .
ودان العلماء والخبراء مظاهر القسوة والعنف التي يمارسها بعض الآباء ضد أبنائهم تحت شعار التربية والتهذيب الأخلاقي، ووصفوا قسوة الآباء بالعقوق الذي يجلب عليهم أقسى ألوان العقوق والتمرد ونكران الجميل من جانب أبنائهم .
وكانت محكمة مصرية قد دانت تصرف أب ضرب ابنه بقسوة وتسبب في إصابته بعاهة مستديمة (فقدان البصر بعينه اليمنى) وبرر الأب جريمته بمحاولة إصلاح حال ابنه الذي يرافق أصدقاء سوء ويتعاطى معهم المخدرات .
في البداية يوضح أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الله سمك، واجب الآباء والأمهات في تربية أبنائهم فيقول: من أبرز الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للطفل إحسان تربيته وتعليمه وتثقيفه، وهذا واجب تشترك فيه الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والتوجيه والرعاية الاجتماعية، فضلاً عن المؤسسات الدينية وفي مقدمتها المسجد، لكن المسؤولية الكبرى هنا تقع على الوالدين فإحسان تربية الطفل منذ نعومة أظفاره واجبهما بالدرجة الأولى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" . ويضيف: لقد فرض الإسلام على الوالدين إحسان تربية أبنائهما منذ الصغر وغرس القيم النبيلة في نفوسهم منذ نعومة أظفارهم، والتربية الإسلامية القويمة للطفل تبدأ من داخل الأسرة حيث يجب على الأبوين تعليم أبنائهما قواعد الإيمان، وتدريبهم على عبادة الله وطاعته، وتأديبهم بأدب الإسلام ومكارم الأخلاق .

تثقيف الطفل

ومسؤولية الآباء عن إمداد الطفل بالثقافة الدينية والدنيوية المفيدة بعد إحسان تربيته وتأديبه واضحة في الكثير من النصوص الدينية الصريحة، فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: "يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناسُ وَالْحِجَارَةُ"، والوقاية لا تكون إلا بالتأديب الواجب والرعاية الضرورية، والتوجيه إلى الخير، والتحذير من الشر .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرسم لنا معالم هذه المسؤولية ويقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حق الولد على والده أن يعلمه كتاب الله عز وجل والسباحة والرمي" وفي رواية أخرى: "حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويعلمه الكتاب ويزوجه إذا أدرك" .
فهذه النصوص في عمومها تشتمل على مسؤولية الوالدين ومن في حكمهم في اختيار نوع التربية الفاضلة التي يربون عليها أولادهم من البنين والبنات مع وجوب مراعاة مصلحتهم ومستقبلهم في ضوء القيم الأخلاقية والأحكام الشرعية .
وإذا كانت مواثيق حقوق الطفل التي اعتمدتها الدول الغربية واهتمت بها المنظمات الدولية المعنية بالطفولة وحقوق الإنسان تنص على ضرورة تثقيف الطفل وإمداده بالمعلومات المفيدة والخبرات السليمة، فإن مساحة هذه الفائدة في منظومة الحقوق الإسلامية كما يقول الدكتور عبد الله سمك أعم وأشمل، والنصوص في ذلك كثيرة ومتنوعة، وقد ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية نماذج رفيعة وجامعة من ألوان التربية السلوكية والأخلاقية والتأديب للأولاد .
ومن التربية الدينية والأخلاقية الواجبة على الكبار تجاه الصغار وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما فيما رواه أنه قال: كنت خلف رسول الله يوماً أي راكباً خلفه على ناقته فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" . وجاء في الحديث الصحيح: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع" .

حقوق منسية

لكن، كيف يكتسب الطفل التربية السليمة دينياً واجتماعياً وتربوياً وأخلاقياً؟ وهل يجوز للآباء اتخاذ ما يرونه لتربية أبنائهم؟
يوضح المفكر الإسلامي المعروف، الدكتور محمد سليم العوا، الوسائل المشروعة والأساليب المرغوبة في تربية الأبناء فيقول: تربية الأبناء ليست مجرد أفعال وأقوال، وإنما هي حقوق يجب أن تؤدى كاملة غير منقوصة، لكن للأسف يغفل الكثير من الآباء والأمهات عن هذه الحقوق غفلة تامة، وكثيرون لا يعلمون بوجودها أصلاً، وأكثر العلماء قاعدون عن بيانها وعن التذكير بها لانشغالهم بأمور أخرى يرونها أهم، وهم بذلك يقصرون أشد التقصير في أداء دورهم نحو مستقبل الصغار الذين نتركهم هملاً مضيعين، ناهيك عن أن المدارس غاب عنها الاهتمام بالتربية، كما أن معظم أجهزة الإعلام تفسد أكثر مما تصلح وتضل أكثر مما تهدي . ويرى د . العوا أن حمل الناس على منهج جديد في تربية الأبناء أمر صعب، لأن ذلك يقتضي أن يغير الكبار أولاً ما شبوا عليه من مثالب في التربية أهمها: الإهمال وعدم الاهتمام والإفراط في القسوة والشدة حيناً، والإغراق في اللين والتدليل حيناً آخر .
والتربية في مفهوم الكثيرين هي القسوة والعنف مع الأبناء، رغم أن هذا الأسلوب أثبت فشله على مر العصور، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" .
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: "من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم الرفق فقد حرم حظه من الخير"، وهذا يعني أن النتائج التي تتحقق إذا اتبع الإنسان أسلوباً رفيقاً في الوصول إلى غايته أفضل وأكثر من النتائج التي يحققها العنف" .
إننا نحتاج إلى تذكر ضرورة اتباع أسلوب الرفق حين يبدو على الطفل وكثيراً ما يحدث هذا ما نظنه غباء أو تقصيراً في الفهم والعمل، وحينئذ يلجأ الكثير من المربين إلى الأسلوب العنيف، وقد تنجح هذه الوسيلة العقيمة مع بعض الأبناء في بعض الحالات فيظن المربي أنها الوسيلة الناجحة دائماً مع الجميع .
وينسى هؤلاء الآباء والأمهات أن العنف يحطم الشخصية ويفقد الإنسان، حتى ولو كان طفلاً، الثقة في نفسه ويورثه كره الذين يمارسونه معه، ولا ينشئ إلا إنساناً جباناً يخاف ولا يستحي ويطيع رهبة وخوفاً لا رغبة وحباً .

مسؤولية كبيرة

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد طه ريان، يؤكد أن التربية مسؤولية كبيرة، فكما قال أحد العلماء: "إن الله سبحانه وتعالى يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده"، فالابن له حق على أبيه كما أن أباه له حق عليه، فكما قال تعالى: "ووصينا الإنسان بوالديه حسنا"، وقال جل شأنه: "يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناسُ وَالْحِجَارَةُ" .
وأكثر الأولاد كان آباؤهم السبب الأول في فسادهم لأنهم أهملوهم وأضاعوهم صغاراً فلم ينفعوهم عندما كبروا، بل إن هؤلاء الأبناء لم ينفعوا أنفسهم أيضا . ويقول د . طه ريان للآباء والأمهات: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول، ولا شك في أن التخاذل عن رعاية الأبناء هو السبب الأول في انحرافهم وفساد أخلاقهم وانحلال شخصياتهم، لكن في الوقت نفسه فإن القسوة على الأبناء غير مقبولة شرعاً لأنها أيضاً تسبب انحراف الأبناء، والإسلام يرفض تماماً المعاملة القاسية من الوالدين، سواء أكان ذلك بالضرب أو التحقير أو الإهانة، لأن هذا يولد بلا شك بين الأبناء العقد النفسية .
إن الإسلام يأمر كل من كان في عنقه مسؤولية التوجيه والإرشاد والتربية، خاصة الآباء والأمهات، بأن يتحلوا بالأخلاق العالية والمعاملة الرحيمة حتى ينشأ الأبناء على الاستقامة ويتربوا على استقلال الشخصية والطفل لابد أن يكون له قدوة في والديه حتى يتشرّب منهما مبادئ الإسلام وقيمه: "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" .