الشارقة - إبراهيم اليوسف:
ثمة سوء فهم لدى كثيرين حول طبيعة أدوات صناعة قصيدة النثر، إذ يرون أنها ليست أكثر من ترصيف، بل وبعثرة للمفردات، وأن من أول دلائل سرديتها، ولا شعريتها، عجزها عن الخضوع للأوزان الخارجية التي عرفت بها قصيدة العمود، منذ ولادتها، وانتهاء بقصيدة التفعيلة التي طالما تردد بعض النقاد في منحها شرف الانتساب إلى الشعرية، إلى أن ظهرت قصيدة النثر-وبقوة- ما جعل أكثرهؤلاء يتراجعون، إما على نحو علني، أو عبر إذعانهم، وقبولهم بالأمر الواقع، مادام ما يقدمونه ليست قصيدة نثرية، مطلوبة الرأس للإعدام .
لقد استطاعت قصيدتا العمود والتفعيلة-في آن- أن تكونا-وبامتياز- قصيدة الموسيقى الخارجية، وإن كنا سنجد وعبر بعض النماذج المتقدمة من قصيدة التفعيلة أنها استطاعت أن تجمع بين المكونين الإيقاعيين، الخارجي منهما عبر تفعيلة واحدة، أو أكثر، والإيقاع الداخلي الذي يتحقق عبرطرق ووسائل مختلفة، غيرمقعدة، تترك الحرية للناص في صناعتها، ما يجعلها أكثر أهمية، من الموسيقا "مسبقة الصنع"، وقد استطاع شعراء قلة أن يحققوا المعادلة -الإيقاعية- ضمن حدود النص الواحد، وهي لا يمكن أن تنجز إلا على يدي من يمتلك موهبة عبقرية في مجال الشعر، ويمكن-هنا- الاستشهاد باسمين هما: محمود درويش وسليم بركات كأنموذجين، وإن كانت لقصيدة كل منهما خصوصيتها .
وتعد صناعة -الإيقاع- في قصيدة النثر إحدى التحديات الكبيرة أمام الناص، وذلك لعدم توافرالأدوات الموسيقية- المعدة مسبقاً- وهي البحور الخليلية لدى الشاعرالتقليدي، ومكونات هذه البحور، من التفعيلات لدى شاعرالتفعيلة، ما يجعل سقوط تجارب كثيرة في مجال هذه القصيدة في مهاوي النثرية الفجة، بعكس الشاعرالتقليدي، وحتى شاعرقصيدة التفعيلة اللذين يستطيعان-في حال عدم إمكان تحقيق شرط شعرية قصيدتيهما- أن يعوضا عن ذلك، عبرالثيمة الموسيقية التي تقدم البديل الخادع، في حالات الإخفاق الشعري، إلى الدرجة التي لم تخرج فيها نصوص بعضهم عن هذا الإطار، ماجعلهم، بل وبعض متلقيهم، يعيشون وهم شعرية مايكتبون، وهو ما يتم في حالتي "غياب الناقد الحذق الشجاع الوفي لأدواته" أو في حال وجود الناقد الذي "يساوم على وظيفته ودوره وأدواته"، حيث نحن في مثل هذه الحالة أمام تصحير للذائقة الإبداعية، بل وانتهاك للإبداع، وتخريب للمقومات الجمالية .
وباء الغث الكتابي الملتبس-عنوة- بالشعر، يستشري على نحو أكثر استسهالاً لدى من يدعي كتابة قصيدة النثر، حيث يستفيد هذا الأنموذج من غياب التقعيد لهذه القصيدة، انطلاقاً، من حقيقة أن لكل قصيدة "قواعدها" الخاصة التي يكتشفها مبدعها، وهي ليست مبذولة بشكل اعتباطي، لأنه لا يمكن الوصول إلى هذه المرتبة إلا لدى ذلك المبدع الاستثنائي، الذي يستطيع خلق عمارة نصه وجعله تنبض بالحياة، حيث نحن هنا أمام: الندرة، أمام ما هو غير متكرر، أوغير مستنسخ، رغم أننا نجد أن إمكان التزوير الشعري وارد، على نحو واسع، في هذا الإطار، ما جعل قصيدة النثر قبلة لخاملي الموهبة، أوالمفتقرين إليها، وهم جيش جرار، طالما قرأنا لهم عبر وسائل النشر الورقية .
ويمكننا بعد هذه المقدمات أن نتحدث -ولو سريعاً- عن طرائق ووسائل "وقعنة" النص الشعري، لدى الشاعر الإماراتي، بعيداً عن إطلاق أي حكم تقويمي نقدي، إذ إن ظاهرة التكرار اللغوي، عبر المفردة، أو الجملة، يتم اللجوء إليها، من قبل كثيرين من هؤلاء الشعراء، وهو أسلوب يعوض عن الموْسقة التقليدية، وإن كان هذا التكرار، في الأصل، مجرد شكل واحد، لخلق الإيقاع، إذ هناك ما لا نهاية له، وخارج عملية الرصد، أو الحصر، من وسائل خلق الإيقاعات الشعرية التي يكتشفها الناص، نتيجة خبرته، ومراسه، وليس عبرالتلقي الحفظي أو المهني، كما هو حال العلاقة مع البحور الستة عشر أو أزيد، ما يجعل هذا الشاعر، في حال توافر الحدود المطلوبة من الموهبة، يحلق عبر كشوفاته الإيقاعية الموازية للبنية النصية، يقول أحمد العسم في نصه "بأكملها على الجسر":
"أستعيدها الآن حياتي كاملة
الجسر عال
روحي المعنوية مرتفعة
سأكررها حين أعود
للدهشة الأولى . .
وبطريقة ما
سأحاول فتح صندوق البريد
أدثر نفسي فيه"
نجد في ما سبق، توالداً تكرارياً للإيقاع، وعبر التوازي مع التنامي النصي، وهو ما يتجلى في تكرارالضميرالمتصل "ها" في عدد من المفردات، بما يدل على تساوق الحالة الشعرية، وتوحدها، من خلال استذكار تاريخ حياته الشخصي، وبطريقة ملحمية، تنبض بالدهشة حقاً .
بينما نجد أنموذج خلق الإيقاع عبر تكرار مجد أداة واحدة، يظهر لدى عبدالله السبب، يدلف عبرها في مداره الإيقاعي، ليمده بآخر، من خلال تكرار مختلف، دون أن يستغني عن عاملي: الكاريكاتيرية/ المفارقة، مقابل الدهشة التي يحاول خلقها، وهو، كلسان حال المفرد بصيغة الجمع، يسرد ذاته، كما هو حال توأمه الروحي العسم، لنكون أمام جمالية الألم، وهو داخل بين ألسنة لهيب محرقتها، يقول في نصه " الآن":
"وأنا الطاعن في الغرق!
كيف لي
وأنا قيصر الأشلاء
كيف لي . .
وأنا قربان الخطيئة
كيف لي . .
وأنا عربون الحريق
كيف لي . ."
وقد يكون التكرار عبر توظيف الفعل ماضياً، كان، أم مضارعاً، تحضر فيه ذات الشاعر-كضمير- وإن كنا نجد أن الشاعر لن يتخلى عن تكرار المفردة ذاتها، كما يفعل أحمد المطروشي، في نص "لن أعود" يقول:
"أقسمت بأن لن أعود لتلك المدينة
علقت التمائم في عنقي
في ساعدي
أخرجت كل مافي صدري
على الطاولة
خنقت أنفاسي حتى تطاير منها الصراخ"
ويمضي عبدالعزيز جاسم، بالانصراف إلى لعبته مع أداة بناء نصه، ذي النفس الملحمي، وهو يعتمد الإيقاع، عبر نماذج عدة، في نص ضراوة البهجة، حيث يبلغ العنف اللغوي ذروته، مجازفاً، برومانسية المفردة، نحو فضاءات، سوداوية، مكهربة بالوجع، مقشعرة، دون أن تنسى انفتاحها على الدهشة التي تصل إلى مشارف الاستفزاز، بل الصدمة، كموقف جمالي، مما يرصده، من حوله:
"لو أن جسده نحلة تغري النحل السمين
لو أن الجنون رغيف يأكله كل صباح
لو أن البئر الثلجي سريره الأوحد
لو أن فتاة تقطع قلبه بمقص خياطة
وتعلقه على صارية سفينة
مثقوبة
لو أن الإبر طبقه المفضل
لو أن الشفقة تثور على نفسها"
ويجازف عبدالله عبدالوهاب، عبرمغامرة بتناول عوالم أسطورية، يخلقها بنفسه عبر نصه الذي عنونه ب"عشبة الخلود"، ليختلف مع أنداده، من خلال رصد حالة الجمع، لا حالة المفرد التي طالما أغوت الشاعر الحداثي، بل وما بعد الحداثي، كي نكون أمام متوالية تكرار أفعال وجمل، يقول:
"منذ قرون
جاءوا من بعيد
جاءوا يبحثون عن عشبة
الخلود
تركوا المدن التي هي لهم
تركوا أساطيرهم وتماثيلهم
تركوا قبورهم وجماجم موتاهم
تركوا ثيابهم وسجائرهم"
ثمة سوء فهم لدى كثيرين حول طبيعة أدوات صناعة قصيدة النثر، إذ يرون أنها ليست أكثر من ترصيف، بل وبعثرة للمفردات، وأن من أول دلائل سرديتها، ولا شعريتها، عجزها عن الخضوع للأوزان الخارجية التي عرفت بها قصيدة العمود، منذ ولادتها، وانتهاء بقصيدة التفعيلة التي طالما تردد بعض النقاد في منحها شرف الانتساب إلى الشعرية، إلى أن ظهرت قصيدة النثر-وبقوة- ما جعل أكثرهؤلاء يتراجعون، إما على نحو علني، أو عبر إذعانهم، وقبولهم بالأمر الواقع، مادام ما يقدمونه ليست قصيدة نثرية، مطلوبة الرأس للإعدام .
لقد استطاعت قصيدتا العمود والتفعيلة-في آن- أن تكونا-وبامتياز- قصيدة الموسيقى الخارجية، وإن كنا سنجد وعبر بعض النماذج المتقدمة من قصيدة التفعيلة أنها استطاعت أن تجمع بين المكونين الإيقاعيين، الخارجي منهما عبر تفعيلة واحدة، أو أكثر، والإيقاع الداخلي الذي يتحقق عبرطرق ووسائل مختلفة، غيرمقعدة، تترك الحرية للناص في صناعتها، ما يجعلها أكثر أهمية، من الموسيقا "مسبقة الصنع"، وقد استطاع شعراء قلة أن يحققوا المعادلة -الإيقاعية- ضمن حدود النص الواحد، وهي لا يمكن أن تنجز إلا على يدي من يمتلك موهبة عبقرية في مجال الشعر، ويمكن-هنا- الاستشهاد باسمين هما: محمود درويش وسليم بركات كأنموذجين، وإن كانت لقصيدة كل منهما خصوصيتها .
وتعد صناعة -الإيقاع- في قصيدة النثر إحدى التحديات الكبيرة أمام الناص، وذلك لعدم توافرالأدوات الموسيقية- المعدة مسبقاً- وهي البحور الخليلية لدى الشاعرالتقليدي، ومكونات هذه البحور، من التفعيلات لدى شاعرالتفعيلة، ما يجعل سقوط تجارب كثيرة في مجال هذه القصيدة في مهاوي النثرية الفجة، بعكس الشاعرالتقليدي، وحتى شاعرقصيدة التفعيلة اللذين يستطيعان-في حال عدم إمكان تحقيق شرط شعرية قصيدتيهما- أن يعوضا عن ذلك، عبرالثيمة الموسيقية التي تقدم البديل الخادع، في حالات الإخفاق الشعري، إلى الدرجة التي لم تخرج فيها نصوص بعضهم عن هذا الإطار، ماجعلهم، بل وبعض متلقيهم، يعيشون وهم شعرية مايكتبون، وهو ما يتم في حالتي "غياب الناقد الحذق الشجاع الوفي لأدواته" أو في حال وجود الناقد الذي "يساوم على وظيفته ودوره وأدواته"، حيث نحن في مثل هذه الحالة أمام تصحير للذائقة الإبداعية، بل وانتهاك للإبداع، وتخريب للمقومات الجمالية .
وباء الغث الكتابي الملتبس-عنوة- بالشعر، يستشري على نحو أكثر استسهالاً لدى من يدعي كتابة قصيدة النثر، حيث يستفيد هذا الأنموذج من غياب التقعيد لهذه القصيدة، انطلاقاً، من حقيقة أن لكل قصيدة "قواعدها" الخاصة التي يكتشفها مبدعها، وهي ليست مبذولة بشكل اعتباطي، لأنه لا يمكن الوصول إلى هذه المرتبة إلا لدى ذلك المبدع الاستثنائي، الذي يستطيع خلق عمارة نصه وجعله تنبض بالحياة، حيث نحن هنا أمام: الندرة، أمام ما هو غير متكرر، أوغير مستنسخ، رغم أننا نجد أن إمكان التزوير الشعري وارد، على نحو واسع، في هذا الإطار، ما جعل قصيدة النثر قبلة لخاملي الموهبة، أوالمفتقرين إليها، وهم جيش جرار، طالما قرأنا لهم عبر وسائل النشر الورقية .
ويمكننا بعد هذه المقدمات أن نتحدث -ولو سريعاً- عن طرائق ووسائل "وقعنة" النص الشعري، لدى الشاعر الإماراتي، بعيداً عن إطلاق أي حكم تقويمي نقدي، إذ إن ظاهرة التكرار اللغوي، عبر المفردة، أو الجملة، يتم اللجوء إليها، من قبل كثيرين من هؤلاء الشعراء، وهو أسلوب يعوض عن الموْسقة التقليدية، وإن كان هذا التكرار، في الأصل، مجرد شكل واحد، لخلق الإيقاع، إذ هناك ما لا نهاية له، وخارج عملية الرصد، أو الحصر، من وسائل خلق الإيقاعات الشعرية التي يكتشفها الناص، نتيجة خبرته، ومراسه، وليس عبرالتلقي الحفظي أو المهني، كما هو حال العلاقة مع البحور الستة عشر أو أزيد، ما يجعل هذا الشاعر، في حال توافر الحدود المطلوبة من الموهبة، يحلق عبر كشوفاته الإيقاعية الموازية للبنية النصية، يقول أحمد العسم في نصه "بأكملها على الجسر":
"أستعيدها الآن حياتي كاملة
الجسر عال
روحي المعنوية مرتفعة
سأكررها حين أعود
للدهشة الأولى . .
وبطريقة ما
سأحاول فتح صندوق البريد
أدثر نفسي فيه"
نجد في ما سبق، توالداً تكرارياً للإيقاع، وعبر التوازي مع التنامي النصي، وهو ما يتجلى في تكرارالضميرالمتصل "ها" في عدد من المفردات، بما يدل على تساوق الحالة الشعرية، وتوحدها، من خلال استذكار تاريخ حياته الشخصي، وبطريقة ملحمية، تنبض بالدهشة حقاً .
بينما نجد أنموذج خلق الإيقاع عبر تكرار مجد أداة واحدة، يظهر لدى عبدالله السبب، يدلف عبرها في مداره الإيقاعي، ليمده بآخر، من خلال تكرار مختلف، دون أن يستغني عن عاملي: الكاريكاتيرية/ المفارقة، مقابل الدهشة التي يحاول خلقها، وهو، كلسان حال المفرد بصيغة الجمع، يسرد ذاته، كما هو حال توأمه الروحي العسم، لنكون أمام جمالية الألم، وهو داخل بين ألسنة لهيب محرقتها، يقول في نصه " الآن":
"وأنا الطاعن في الغرق!
كيف لي
وأنا قيصر الأشلاء
كيف لي . .
وأنا قربان الخطيئة
كيف لي . .
وأنا عربون الحريق
كيف لي . ."
وقد يكون التكرار عبر توظيف الفعل ماضياً، كان، أم مضارعاً، تحضر فيه ذات الشاعر-كضمير- وإن كنا نجد أن الشاعر لن يتخلى عن تكرار المفردة ذاتها، كما يفعل أحمد المطروشي، في نص "لن أعود" يقول:
"أقسمت بأن لن أعود لتلك المدينة
علقت التمائم في عنقي
في ساعدي
أخرجت كل مافي صدري
على الطاولة
خنقت أنفاسي حتى تطاير منها الصراخ"
ويمضي عبدالعزيز جاسم، بالانصراف إلى لعبته مع أداة بناء نصه، ذي النفس الملحمي، وهو يعتمد الإيقاع، عبر نماذج عدة، في نص ضراوة البهجة، حيث يبلغ العنف اللغوي ذروته، مجازفاً، برومانسية المفردة، نحو فضاءات، سوداوية، مكهربة بالوجع، مقشعرة، دون أن تنسى انفتاحها على الدهشة التي تصل إلى مشارف الاستفزاز، بل الصدمة، كموقف جمالي، مما يرصده، من حوله:
"لو أن جسده نحلة تغري النحل السمين
لو أن الجنون رغيف يأكله كل صباح
لو أن البئر الثلجي سريره الأوحد
لو أن فتاة تقطع قلبه بمقص خياطة
وتعلقه على صارية سفينة
مثقوبة
لو أن الإبر طبقه المفضل
لو أن الشفقة تثور على نفسها"
ويجازف عبدالله عبدالوهاب، عبرمغامرة بتناول عوالم أسطورية، يخلقها بنفسه عبر نصه الذي عنونه ب"عشبة الخلود"، ليختلف مع أنداده، من خلال رصد حالة الجمع، لا حالة المفرد التي طالما أغوت الشاعر الحداثي، بل وما بعد الحداثي، كي نكون أمام متوالية تكرار أفعال وجمل، يقول:
"منذ قرون
جاءوا من بعيد
جاءوا يبحثون عن عشبة
الخلود
تركوا المدن التي هي لهم
تركوا أساطيرهم وتماثيلهم
تركوا قبورهم وجماجم موتاهم
تركوا ثيابهم وسجائرهم"