لا أحد يحب أن يكون أحد أحسن منه في هذه الدنيا إلا الوالد، فإنه يحب أن يكون ولده أحسن منه والأول عليه في الفضل والمنقبة والرتبة، ولا أحد أصدق تعبيراً في الحب من الوالد في تعبيره عن حبه لولده، أو تعبير الوالدين معاً عن حبهما لولدهما .
وبقدر هذا الحب يكون تأثرهما، إذا خرج الولد عن طاعتهما وأبدى عقوقاً، لذلك حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من العقوق، لأن هذا الإنسان الذي كان سبباً في وجودك، وبقي محباً لك حتى آخر رمق فيه، يأتي في المنزلة والغلاء بعد رب العالمين فكيف تعقه؟
قال تعالى: “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا” - الآية 23 من سورة الإسراء، وانظر إلى قوله تعالى وبالوالدين إحسانا، فهو في هذا المقام لم يقل حُسناً بل قال إحسانا، ليبين لك أن ما تفعله واجبك أنت، وفي آية أخرى عند ما تحدث عن واجبه هو قال حسناً .
هذه الوجدانيات الرقيقة التي تخترق شغاف القلوب، وتخرج من أعماق قلب والد حنون، نقرأها في قصيدة اليمامة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، والتي هنأ فيها نجله بالفوز المشرف يوم التقى الفرسان في فرنسا .
فاليمامة أو اليمام في علم الأحياء هو الحمام البري، وموقعة اليمامة حرب انتصر فيها فريق الحق على فريق الباطل، واليمامة هي نجد أحد أقاليم شبه الجزيرة العربية، وكانت موطناً لمملكة كندة وبني حنيفة وبني أسد وبني تميم وغطفان وطي، والأصح أن اليمامة هي مدينة الرياض الآن .
وزرقاء اليمامة هي امرأة كانت باليمامة تبصر الشعرة البيضاء في اللبن، وترى الراكب على مسيرة ثلاثة أيام .
واليمامة اليوم فرس لسمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، فاز بها على فرسان العالم في بطولة العالم للقدرة التي أقيمت في فرنسا في نهاية أغسطس/آب 2014 .
واليمامة اليوم أيضاً قصيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فرّغ فيها سموه كل ما يحمله من إحساسات نبيلة وعواطف جياشة، تجاه فلذة كبده ومنتهى آماله، وولي عهده الأمين سمو الشيخ حمدان بن محمد .
وقد شرفني عندما سألني سموه عن رأيي في هذه القصيدة يوم أن نشرها في الصحف، فقلت إن القصيدة سميتها بالقصيدة الراقصة التي تسبق معانيها كلماتها، وتسبق كلماتها معانيها .
ويوم استشهدت ببيتين منها على عجل يوم التقينا بسموه على غداء الثلاثاء الأسبوعي، قال لي سموه مداعباً: أعجبك هذان البيتان فقط؟
قلت له يا طويل العمر، قصيدة اليمامة قرأتها الآن لتوي، وهي يكاد يكون كل بيت منها هو البيت القصيد، ولكني كما قال الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراش
فما يدري خراش ما يصيد
إن القصيدة تحتاج إلى قراءة متأنية، وتحليل دقيق لأبياتها بيتاً بيتاً، فهي لا تشبه القصائد السابقة، وكل قصيدة تكتبها يا سيدي لا تشبه التي قبلها، وهكذا عرفنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يولد كل يوم من جديد، ويفاجئ العالم بجديد، ويرفع اللثام عن جديد .
قصيدة اليمامة وهي نبطية، جاءت موفقة من كل جوانبها، من حيث الوزن حيث تتجاذب في أطرافها الأجراس الموسيقية، ومن حيث القافية وهي الهاء الساكنة الجميلة، ومن حيث المطلع الذي خاطب به الممدوح مباشرة بكاف الخطاب:
احتواك الفوز لي قبل احتواني
بين ذرعان الشرف والمرجلهْ
ونلاحظ في هذا الخطاب المباشر مفاجأة عاجلة و بشرى سارّة، مثلما في قول البحتري الذي يقول:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
ثم توالت كافات الخطاب المباشرة في عدد من الأبيات التي تشبه في نسقها من غير تشبيه الأسلوب القرآني الجميل: يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، إلى آخر الآيات .
ورأينا في البيت الأول حصر الشاعر الفوز في الممدوح في أشرف صوره، وهي الفروسية وصهوة الفارس، ومثل هذا الفوز لا يحققه إلا الفارس الكفء، فصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كثيراً ما يردد مقولته المشهورة ما كل من ركب الخيل بخيّال، لا كل خيّال بفارس .
وللمتنبي:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الزمان كتاب
لذا بشر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نجله سمو الشيخ حمدان بأنه هو صاحب هذا المقام المحمود، وهو الفارس بعد فارس العرب، بدليل أنه يقول له : احتواك الفوز كما احتواني من قبل، وحتى حققت هذا الفوز عانيت مثل ما عانيت من قبل، وهذه شهادة من فارس متمرس، ومن أب قائد يرى نفسه في ولده، وكأنه يريد أن يتمثل بقول الشاعر:
بأبه اقتدى عدي في الكرم
ومن يشابه أبه فما ظلم
ثم عدّد في الأبيات التي تلي البيت الأول الصفات المشتركة بين الوالد والولد، ومن تلك الصفات أن كليهما يحب الخيل والخيل تحبه، وكليهما يفهم الخيل والخيل تفهمه، لذلك فإن الخيل تعطيهما بقدر ما يعطيانها من حب وحنان وتدليل ورعاية .
ثم إن اهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ليس بالخيل فقط، بل بشعبه وأمته أيضاً، وقد قال سموه في كتاب “رؤيتي” وكتاب “ومضات من فكر”، إن الذي يريد أن يسوس الأمة ينبغي أن يسوس الخيل أولا، فمتى عرف كيف يسوس الخيل، عرف كيف يسوس الأمة .
ثم قرّر بعد ذلك بأن سمو الشيخ حمدان يشبهه في هذا المضمار، حيث إنه حنون مع خيله، وصادق في وعده فمتى وعد بالفوز كان لزاماً عليه أن يحقق ذلك الفوز .
كما أنه لا يرى شيئاً مستحيلاً أمامه، فكل مشكلة ولها حل عنده، وعنده قدرة على قهر الخطوب، وزرع الابتسامة على الوجوه الكئيبة البائسة .
وسمو الشيخ حمدان بن محمد قريب من الشعب كما أن صاحب السمو الشيخ محمد قريب منه، فهو حصن الأمن والأمان، وهو اليد التي تمتد إلى المحتاجين بالبر والإحسان، ويتواصل مع أبناء بلده لدرجة أنهم يحسبونه أحد أفراد الأسرة، فلا حاجز بينه وبين الشعب في وقت الحاجة والشدة، لأنهم على يقين بأنه فزّاعهم إلى أبعد الحدود، وقد قال الشاعر قديماً:
ولو لم يكن في كفه غير روحه
لجاد بها فليتق الله سائله
وتتجلى هذه المعاني الدفاقة بالحب في الأبيات التالية التي تبدأ من البيت الثاني حتى البيت الثامن، حيث يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد:
عادتك مثلي إذا حان الرهاني
كل من راهن عليك إتجملهْ
وعادتك مثلي إذا احمر السناني
كنت إنته الحل له والمشكله
وعادتك مثلي إذا ما والوقت شان
تكتم أنفاس الخطوب المجبلهْ
وعادتك مثلي إذا شح الزمان
تروي أيام الزمان الممحله
وعادتك مثلي إذا غاب الأماني
صرت حصن الخايفة والأرمله
وعادتك مثلي إذا ماجاك عاني
تفزعه حتى يظنك من هله
وعادتك مثلي ف هوى بنت الحصاني
في شرايينك هواه ومنزله
وكأن سموه أراد أن يؤكد من خلال هذه الأبيات صفات الريادة والقيادة التي توافرت في ولي عهده، ومن أهمها الكرم ومن الكرم تتولد السماحة والشجاعة، فالكريم يقدم على فعل الخير ولا يخشى نوائب الدهر .
والصفة الأخرى العطف والشفقة، فالحليم يتخذ قراراته في هدوء، فلا يخشى من جانبه الظلم وهضم الحقوق، وكأنه يشير إلى قول الشاعر:
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى
فكونك إياه عليك يسير
ثم يسترسل بعد ذلك في تسعة أبيات متتالية، يمدح الفرس التي حقق على متنها سمو الشيخ حمدان الفوز في بطولة العالم للقدرة التي أقيمت في فرنسا في نهاية أغسطس/آب ،2014 وقد وصفها بأنها الكاملة المكمّلة والأميرة على المرابط بلا منافس وبلامنازع .
والخيل وما أدراك ما الخيل تشغل حيزاً كبيراً في ذهن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وقلبه، بل وفي ذهن سمو الشيخ حمدان بن محمد أيضاً .
والخيل بما أنها معقود في نواصيها الخير إلى يوم الدين، تغنى في حبها الأوائل فقال بعضهم:
إذا ما الخيل ضيعها أناس
ربطناها فشاركت العيالا
قاسمها المعيشة كل يوم
ونكسوها البراقع والجلالا
ويقول مالك بن الريب:
تذكرت من يبكي علي فلم أجد
سوى السيف والرمح الرديني باكيا
وأشقر محبوكا يجر عنانه
إلى الماء لم يترك له الموت ساقيا
ثم ختم سموه القصيدة ببيتين جميلين فقال:
كان فارسها الذي إيعرف المعاني
فارس حروف القصيد المذهله
عاش حمدان وله إنزف التهاني
ودام ع الأول يفوز بأوله
وفي هذين البيتين قرّر في البيت الأول، أن تألق الفرس اليمامة لم يكن نسيج وحده، بل بمهارة فارسها سمو الشيخ حمدان بن محمد الذي هو فارس الميدان وفارس الكلمة أيضاً، ف”فزاع” شاعر لا يشق له غبار، وتشهد له المشارق والمغارب بشاعريته الفذة وإلقائه المتميز .
ثم من فرط حبه وفرحته بفوز نجله وولي عهده، دعا له في البيت الثاني من كل قلبه بطول العمر، وهنأه على هذا الفوز الساحق، وليس بغريب من حمدان أن يفوز بالمركز الأول، فهو الأول ابن الأول، لا بد أن يفوز .
وكم لدعاء الوالد من أثر طيب على حياة الولد، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث دعوات مستجابات: دعاء المظلوم، ودعاء المسافر، ودعاء الوالد لولده .
نعم سيدي: ونحن نرفع معك شعار الفوز والنصر والحب، فرحين بما أوتي حمدان، وبما أوتيت من فضل ورفعة، ونبصم بالعشر أن هذا الشبل من ذاك الأسد .
اجتياز الصعاب
نشر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي على صفحته الشخصية على كل من “إنستغرام” و”تويتر” صورة قصيدة “اليمامه”، وكتب إلى جوارها “تشرفت بوسام الشرف”، كما نشر سموه أبياتاً، ضمنها قدرته على اجتياز الصعاب وذلك بفضل رعاية الأب المعلم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يقول سمو الشيخ حمدان بن محمد:
احتواك الفوز لكن شي ثاني
إنت مهما صار راع الاوّله
إنت من رسّيتني فوق المواني
لين صرت أصعب صعيب استسهله
ويا بشر هذا أبوي اللي رعاني
الفضل بعد الإله يعود له
. . تختزن الفرح
الصعود إلى القمة ليس أمراً سهلاً مفروشاً بالحرير والزهور والسرور، وهو ليس أمراً صعب المنال وقد يعيق طالبها ويعرقل طموحه . الصعود إليها واقع بين منطقين ومنطقتين منطقيتين، هو سهل ممتنع، بحاجة إلى مغامر لا يرضخ للمعوقات، مهما كثرت في دربه أو تكالبت على طموحه .
بهكذا منطق، وهكذا فلسفة، وهكذا تلازم . . تعامل(فزاع) الفارس الشاعر سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، مع سباق القدرة الذي استحق بطولته بجدارة واستحقاق، برفقة (يمامته) التي امتطى صهوتها طيلة ساعات السباق الشاق الوعر، وفي ذلك السباق، كما في حديث سموه إلى وسائل الإعلام المختلفة، أكد: (أنا لا أمثل نفسي، أنا أمثل الإمارات، قيادة وحكومة وشعباً ومقيمين) .
(اليمامة، بمناسبة فوز ابننا حمدان ببطولة العالم للقدرة) . . رسالة اجتماعية من قلب أبوة صادقة، منطلقها الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، ومحطها الابن، سمو الشيخ حمدان بن محمد ولي عهده وتلميذه النجيب، في فنون الشعر، والفروسية، وفي فنون القيادة وإدارة الحكم .
أب شاعر فارس، يحيط ابنه الشاعر الفارس بتلك الهالة من الحنان والعطف، كما أنه يعلن فخره بذلك الفارس الفائز بالبطولة العالمية للقدرة على المسير على صهوة الفرس “اليمامه”، ومرجعية ذلك الفخر اعتزازه بنفسه أولاً، وبفروسيته في ميادين رياضة الخيل والشعر، عبر سبع أبيات متتاليات، اعتباراً من البيت الثالث، وصولاً إلى البيت التاسع، وفي ذلك تقوم القصيدة على التكرار اللفظي “عادتكْ مثلي . . . إذا حانْ الرهاني / إذا إِحمَرْ السناني / إذا ما والوقت شانِ / إذا شحْ الزماني / إذا غاب الأماني / إذا ما جاك عاني / فْ هُوى بنتْ الحصاني . . .
فيما استبقت تلك العبارات الافتخارية، بيت ابتداء القصيدة “اليمامه”:
احتواكْ الفوزْ لي قبلْ احتواني . . .
بينْ ذرعانْ الشرفْ والمِرجلهْ
فيما قدم وصفاً بليغاً للفوز، الذي هو أشبه ما يكون بالعاشق المحب الذي إذا أقبل عليه حبيبه، استقبله بالترحاب والاحتواء والدلال:
يحضنكْ مثل المحب المرحباني . . . شافْ له غالي وقامْ إيدَللِهْ
إذاً . . هكذا فخر، وهكذا ضوء يسلطه الشاعر الفارس الأب على الشاعر الفارس الابن، بما يروي لنا من تطابق في الصفات الوراثية والمكتسبة، أثرها واضح في الميدان الحياتي، بكل تجلياته وتفاصيل أشيائه المتنوعة، يحيلنا إلى أنها تلمذة واضحة البيان في أبيات القصيدة العشرين . أبيات تسطر تلمذة واضحة في ميادين فروسية الخيل والشعر معاً:
كانْ فارسها الذي يْعرفْ المعاني . . . فارسْ حروفْ القصيدْ المذهلهْ
وإذا كانت “اليمامه” القصيدة تشير إلى فخر الشاعر الفارس الأب بالشاعر الفارس الابن، فإن الفخر ينسحب وصفاً فاحصاً مسلطاً على “اليمامه” الفرس التي يضاهي بها بين كافة الخيول، سواء تلك التي استبقت في سباق القدرة العالمي في فرنسا، أو غيرها من الخيول التي هي خارج حلبة السباق، تلك “اليمامه” التي هام في هواها الابن سمو الشيخ “حمدان بن محمد”، كما هام بها من قبل الأب صاحب السمو الشيخ “محمد بن راشد”:
عادتكْ مثلي فْ هُوى بنتْ الحصاني
. . . في شرايينكْ هواهْ ومنزلهْ
وفي المناسبة هذه، تم تكريم “اليمامه” بإحالتها إلى التقاعد واعتزالها ميادين السباق:
ما لها من وصفها في الخيلْ ثاني
. . . اليمامهْ الكاملهْ المكملِهْ
وهكذا، يمكن القول: هي قصيدة متماسكة الأطراف، معنى ولغة وجوهر فكرة تقوم على الفخر في المقام الأول: الفخر بالذات وبفلذة الكبد، وتقوم على المباركة بالفوز والتشجيع المستمر على حصد البطولات، لا على صعيد الفروسية فحسب، بل وفي جميع ميادين الحياة بما يعتريها من تنافسية عالمية .
قصيدة نصل معها إلى تصفيق بحرارة المناسبة والأبوة والإصرار على التحفيز الدائم:
عاشْ حمدان ولهْ إنزفْ التهاني
. . . ودامْ عَ الأولْ يفوزْ بأوّلهْ
عبد الله محمد السبب