تشير قصة الشاعر علي بن الجهم مع الخليفة المتوكل إلى مدى تأثير البيئة في الشعر، فهذا الشاعر البدوي تهذب شعره ورق بعدما أنزله المتوكل في قصر على شاطىء دجلة، فكتب قصيدته الرائعة التي مطلعها:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
             جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أعدن لي الشوق القديم ولم أكن
               سلوت ولكن زدن جمرا على جمر .
هذا التأثير يظهر أكثر في الشعر الأندلسي الذي تخضب بألوان بيئته، فإذا كان الشعر قديما قد اصطبغ بألوان البيئة الصحراوية فتغنى بمفرداتها، فإن الشعر الأندلسي، جاء في سياق مختلف من حيث المفردات والتعابير، ومن حيث اللغة والإيقاع، لاسيما أن الأندلس كانت ذات تكوين ثقافي وسكاني مختلف، وكانت بلاداً منفتحة على اللاتين والقوطيين والبرابرة وغيرهم، ممن تعايشوا تحت سماء أديان سماوية، ولغات عربية وإسبانية وحضارات وافدة .
ظهر إبداع شعري أصيل في الأندلس، كما يؤكد الدارسون يتمثّل في الموشحات والزجل باعتبارهما فنين غير مسبوقين، كانا من ثمار التميز الأندلسي، ولعل وصف الطبيعة، كان من أبرز الملامح التي شاعت في الشعر الأندلسي، وهناك من يؤكد أن معظم شعراء الأندلس كانوا شعراء طبيعة، أدلى كل واحد بدلوه في هذا المجال، إما متغنياً بجمالها أو واصفاً حسنها ومجالسها، لقد تطور الوصف الشعري انسجاماً مع الطبيعة الأندلسية، التي كان لها الأثر الحاسم في تميز هذا الشعر، وهي من المؤثرات الإيجابية التي أدت لتجديد في المضامين والأغراض، والقصائد المكتوبة بأسلوب الحكاية والدعابة الساخرة .
ابتدع الشعراء صورا جديدة حضارية في ألفاظها وتعبيراتها، ناهيك عن لغتها السهلة التي تميل إيقاعاتها إلى بحور قصيرة وقواف رقيقة، ويعد الشاعر يحيى بن حكم الغزال من أشهر رواد هذا الاتجاه .
استفاد الشعر الأندلسي من مضمون ومعاني الشعر وصوره وأسلوبه، تلك التي سادت في بلاد المشرق العربي على يد أبي تمام والبحتري والمتنبي وغيرهم، وانتقلت هذه المضامين والمعاني إلى الأندلس ضمن منحى جديد يستفيد من البيئة والطبيعة .
عالج شعراء الأندلس مختلف الأغراض، مستفيدين من هذا الملمح الحضاري الوافر في الأندلس، وكتبوا في الغزل والمدح والرثاء والفلسفة والتصوف، أما الغزل فهو من أهم الأغراض التي عالجها شعراء الأندلس، وهو الشعر العذب الذي يوصف عادة بالرقة والسلاسة والملاحة والظرافة، وهي القصائد التي تتجاوز حدود الوصف المادي وتركز على أوصاف المحبوب، كان شعرا شديد التأثير في إيقاعاته، غير متكلف، ومثل هذا الاتجاه ابن زيدون في قصائده إلى ولادة بنت المستكفي، ومن أجملها قوله:
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
                   يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت
                     سوداً وكانت بكم بيضاً ليالينا

عثمان حسن