وصفه عباس العقاد ب"عبقري الإصلاح والتعليم والهداية"، وعندما مات رثاه حافظ إبراهيم:
"بكى الشرق فارتجت له الأرض رجة . .
وضاقت عيون الكون بالعبرات . .
ففي الهند محزون وفي الصين جازع . .
وفي مصر باك دائم الحسرات . .
وفي الشام مفجوع وفي الفرس نادب . .
وفي تونس ما شئت من زفرات" .
إنه الشيخ الإمام محمد عبده "الحكيم الذي فاق جميع الحكماء" حسب وصف خديوى مصر عباس حلمي . لم يكن الشيخ المولود عام 1849 مجرد مجدد أو مصلح ديني فحسب، بل كان أيضاً أحد رواد النهضة الوطنية، ما يجعله الأب الروحي لكل ما حاول البدء بخطوات إصلاحية في الفكر الديني والثقافي والسياسي .
"أذهب لأجدد نفسي"، هكذا قال الأستاذ الإمام محمد عبده عندما سئل عن سفره الدائم إلى أوروبا، وبالفعل مكنه هذا السفر من إدراك سر نهضتها بعدما تأمل كثيراً فيها، لكن هذا الإعجاب الشديد بمنجزات أوروبا في العصور الحديثة وبجدية مجتمعها سرعان ما تحول في فكره إلى تأمل في الطريقة الممكنة للإفادة من جوهره لا من مظهره . ولعلنا كثيراً ما نستشهد بمقولته الشهيرة: "في أوروبا وجدت إسلاماً بلا مسلمين، وهنا وجدت مسلمين بلا إسلام" . . هذه المقارنات كانت نتيجة هذه السياحة العقلية التي مكنته أيضاً من أن يقف لمناظرة الكاتب البريطاني الشهير جورج برنارد شو في أكبر الصحف العالمية حول قضايا الإسلام والدين .
وزار محمد عبده كثيراً من بلاد أوروبا وإفريقيا وآسيا للوقوف على أحوالها وفهم روح أممها، وتحدث عن أثر تلك الأسفار في نفسه فقال: "ما من مرة أذهب إلى أوروبا إلا ويتجدد عندي الأمل في تغيير حال المسلمين إلى خير منها، وذلك بإصلاح ما أفسدوا من دينهم، وتشحيذ عزائمهم إلى معرفة شؤونهم، وامتلاك ناصيتها بأيديهم من دون إفراط" .
في عام ،1903 سافر الإمام إلى بلرم (باليرمو) الإيطالية عاصمة صقلية، هناك شاهد العديد من العجائب، وعاد ليكتب خمس حلقات عن رحلته في مجلة "المنار" التي كان يرأس تحريرها الشيخ رشيد رضا . وقّع الإمام المقالات باسم مستعار سائح بصير"، وفيما بعد كشف رضا أن كاتب المقالات وصاحب الرحلة هو الشيخ محمد عبده .
يبدأ الإمام رحلته التي ننشر خلاصتها بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة مستشهداً بآية من القرآن: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا إِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ"، وهي آية ذات دلالة كبيرة في توضيح أسباب ارتحال الإمام الدائم جسدياً في بلاد العالم، أو فكرياً . . عبر المقارنة بين ثقافتنا وثقافتها .
يقول الإمام عن الصدفة التي قادته إلى صقلية: "قضت المقادير أن أغير خطة سفري عن طريق مرسيليا إلى طريق إيطاليا وكان لي في ذلك خطان من السير: أحدهما يمر بالروم ثم يصل إلى نابولي ثم تكون الإقامة في نابولي نحو أربعة أيام ويعدو المركب بنا إلى ماسينا ومنها يذهب إلى الإسكندرية، والآخر ينتهي عند بلرم (أو باليرمو) وتكون الإقامة خمسة أيام نذهب بعدها إلى ماسينا كذلك، وكان بودي لو ذهبت مع الخط الأول فكنت رأيت بلداناً كثيرة وآثاراً عظيمة تزيد في علمي كثيراً مما لم أعلم إلى اليوم، غير أن بعض أصحابي قال لي: إن بلرم هي عاصمة صقلية ويوجد فيها من الآثار العربية ما يهم العربي أن يراه وفيها داران للكتب لا تخلو كل منهما من كتب عربية قديمة ربما يستغرق الاطلاع عليها زمناً مثل الزمن الذي تقضي الضرورة بصرفه إلى يوم السفر إلى ماسينا، ففضلت النزول إلى بلرم ولا أذكر الآن شيئاً مما لاقيت من الحمالين وغيرهم من مستقبلي المسافرين ولكن أعود إليه . بعد أن أخذت مكاناً في نُزُل سنترال بشارع رومه خرجت لإيصال بعض رسائل التوصية إلى من أرسلت إليهم فلقيت منهم ما سرني وكان أحدهم موصى بأن يسهل لي طريق زيارة المكتبة العمومية ودار المحفوظات الرسمية والتمكن من رؤية ما يكون فيها فوعدني بالمجيء في الغد لمرافقتي إلى المكتبة" .
وصل الإمام إلى باليرمو، وكانت بداية رحلته زيارة قصر الملك: "ولا حاجة بي إلى وصفه فإن ذلك من شأن صاحب جريدة أو سائح يطلب إظهار البراعة في حسن الوصف وسعة العبارة . وغاية ما أقول إنه قصر (أو سراي) واسع كبير البيوت باهر الزينة والأثاث كسائر قصور الملوك في أوروبا أو في غيرها من البلاد الشرقية والغربية مما تنفق فيه الأموال بحساب وبغير حساب ولا شيء منها من كد الملك أو الأمير، وإنما هي من أموال الرعية وكسب الحفاة العراة الذين لا يجدون ما به يستترون ويشتهون، لو أنفق على جدران أبدانهم وأركان أجسادهم جزءٌ من المليون مما أنفق على جدران تلك القصور وزواياها وسقوفها، ما أنا بذاكرٍ شيئاً من وصف ذلك الغنى في بلد الفقر ولكن أذكر ما رأيت فيه مما يحب الشرقي أن يطلع عليه إما لعبرة وإما لفكاهة" .
ويصف الإمام محمد عبده بالتفصيل بعض مما شاهد من آثار عربية قائلاً: "ذهب بي حارس القصر أولاً إلى حيث توجد كنيسة الملك ولا حاجة إلى وصفها كذلك، فوجدت في الممر الموصل إليها على الحائط المتصل بالكنيسة حجراً قد كتبت عليه هذه العبارة: (خرج الأمر من الحضرة الملكية المعظمية الرجارية العلية أيد الله أيامها وأيد أعلامها بعمل هذه الآلة لرصد الساعات بمدينة صقلية المحمية سنة ست وثمانين وخمسمئة) ثم في أعلى الحجر سطور بالحرف اليوناني يظهر أنها ترجمة هذه العبارة والحضرة الرجارية هي حضرة الملك رجار أو (روجير) النُّرْمَنديِّ الذي دخل جزيرة صقلية وفتحها على العرب وكان لسانه الرسمي في حكومته اللسان العربي واليوناني أما ميله في البناء والزينة فكان إلى الرسم اليوناني . ولهذا الملك آثار كثيرة في بلرم ويوجد كثير من المحررات العربية والصكوك مما كتب في أيامه أن العرب كانوا في زمن النرمنديين ممتعين بحرية تامة في شعائر دينهم وتصرفهم في شؤونهم وإن كان هذا الملك قد هدم مساجد كثيرة لنقل أعمدتها الجميلة إلى الكنائس التي رأى تجديدها في المدينة ويظهر من العبارة المرقومة على الحجر أن هذا النرمندي كان عندما دخل البلاد ذهب مذهب أهلها من العرب في المدينة ولم يحتقر ما وجد من آثار العلم فكان يأمر بصنع الآلات الفنية والفلكية ويساعد القائمين بعملها . رأيت في خزينة الجواهر من قصر الملك صُندوقاً عربيّاً في طول نحو ثلثي ذراع وارتفاع ثلاثة أرباع الذراع صنع من ثمانمئة سنة على ما يقول الحارس وهو مغشى بالنقوش الذهبية من أجمل ما تراه عين الآن وقيمته عند الدولة خمسمئة ألف فرنك ورأيت في أحد بيوت القصر باباً من الحديد مطليّاً بطلاء أصفر جميل من أجمل ما يصنع من الأبواب وهو من صنع أيدي العرب أيام دولتهم . رأيت بيتاً من بيوت القصر فيه صور نواب الملوك في عهد البربون بعد النرمنديين ومع كل نائب منهم كردينال كما كان للملوك كرادلة يصحبونهم ويشركونهم في كثير من شؤون الملك لذلك كان النائب عن الملك يصحبه كردينال يرجع إليه في أمور دينه وفي أعماله السياسية أيام كانت الأحكام المدنية والسياسية مما يدخل فيه رجال الدين كما نقول عندنا (المفتي أو شيخ الإسلام) في عهد الملوك الذين لا تسمح لهم أوقاتهم بتعليم العلوم الدينية فيحتاجون إلى من يرجعون إليه من علماء الدين . غير أن المفتي أو شيخ الإسلام إنما يجيب عما يسأل عنه أو يؤدي ما كُلف به، أما الكردينال فكان يبتدئ المشوار ويقترح المطلب ويقيم نائب الملك على المذهب ويكف يده عن العمل لا يرضاه ويحمله على بسطها فيما يتوخاه فكانت السلطة الحقيقية مدنية سياسية دينية في نظام واحد لا فصل فيه بين السلطتين وهذا الضرب من النظام هو الذي يعمل الباباوات وعمالهم من رجال الكثلكة على إرجاعه؛ لأنه أصل من أصول الديانة المسيحية عندهم، وإن كان ينكر وحدة السلطة الدينية والمدنية مَن لا يدين بدينهم . كان مما قيده بعض أصدقائي في جريدة الأمكنة التي يرغب في رؤيتها محل يسمى بالدوم؛ أي: القبب فذهب إليه وإذا هو الكنيسة الكبرى التي تسمى كاتيدرال، رئيسها هو مرجع رؤساء بقية الكنائس في المدينة أو الولاية وهي من عظمة البناء وبهجة الزينة على ما يطول شرحه وأصل هذه الكنيسة الكبرى مسجد باقٍ على ما هو عليه حتى بابه الخشبي الجميل، غاية ما في الأمر أنه زِيدتْ فيه الصور والتماثيل . وضروب أخرى من الزينة الكنائسية ويمكن للناظر أن يتفرس ذلك بمجرد رؤيته من الظاهر؛ لأن رسم البناء على الطريقة العربية في عامة المساجد . زرت بعد ذلك ديراً يسمى دير سانت جواني وهو مما كان قد كُتب في جريدة الأماكن ولم أر فيه شيئاً سوى أن أسفل الدير كان مسجداً فلما جاء النرمنديون حولوه إلى كنيسة بناها راجار ونقل إليها هذه الأعمدة من المساجد التي خربها لما أعجبه من أعمدتها" .
ويحكى الإمام: "عرفت قسيساً حلبيّاً معلماً للعربية بمدرسة دير الكبوشيين في بلرم فمما أرشدني إليه رؤية بقية من قصر يسمى العزيزة وهو اسمه في الطليانية، فذهبت معه إليه وإذا هو قاعة كبيرة فيها سلسبيل ماء بنيت على نمط ما كنا نسميه عندنا (القاعات الحرمية) حيطانها مزينة بالموزاييك من أجمل ما تحب عين أن تراه ولم يبق من القصر مكان ينظر إليه السائحون إلا تلك القاعة . أما أعلى القصر فيسكنه أناس من أهل المدينة وقد دخل بتمامه في ملك بعض الأغنياء" . والقصر من بناء الملك راجار النرمندي بناه لابنته عزيزة . وعلى مقربة من هذا القصر قبة يقول القسيس: إنها مسجد عربي، فأخذنا نحوها فإذا هي في بستان كبير قد أغلق بابه وقيل لنا: إن خادم البستان فيه، وذهب ذاهب ليناديه، وطال بنا الوقوف، واجتمعت علينا من الصغار والنساء صفوفاً أو زحوفاً، جلبتهم علينا تلك العمامة وصاحبتها الجبة، وكلما طردنا فوجاً أقبل فوج، أو نجونا من موج علا علينا موج، إلى أن جاء رجل قيل: إنه حارس البستان، وبعد قيل وقال في فتح الباب، واحتياجه إلى إذن من صاحب البستان، رضي بالفتح، طمعاً في النفح، فدخلنا ورأينا صعوبة جديدة في فتح القبة فذللناها . القبة من قباب المشائخ التي يقيمها المسلمون على قبور الأولياء أو الأمراء على خلاف ما يأمر به الدين وأظن أنها على قبر من هذه القبور وليس فيها من أثر عربي سوى شكلها هذا . كنيسة موريالي وتساهل العرب وأين هم اليوم؟
والتقى الإمام في رحلته كثيرين ممن يعلمون اللغة العربية من بينهم رهبان ودار بينه وبينهم حوارات عديدة فتحدث عن الراهب جبرائيل ماريا الكبوشي وهو من حلب وتعلم العربية في بيروت وتتلمذ على الشيخ سعيد الشرتوني صاحب (أقرب الموارد) في اللغة . يحكى الإمام: "لاقيت ذلك الراهب وحادثته في شأنه والزمن الذي قضاه في إيطاليا والداعي إلى الإقامة فيها فتبين لي أنه جاء إليها ليخدم دينه هذه الخدمة - تعليم اللغة العربية لنشر الدين في بلاد العرب مثلاً . وكان يتحرى في كلامه قواعد اللغة العربية بقدر الإمكان فحمدت منه ذلك . كأنه اعتقد أنه إنما تعلم العربية لينتفع بها في منطقه وإن كان في بلاد إيطاليا وعمل بما اعتقد، وما كان أسهل عليه أن يكلمني بالحلبية كما يكلمني البيروتي بالبيروتية والتونسي بالتونسية ولا يبالي أكنت أفهم أم لا أفهم كما لا يبالي الكثير ممن ذكرناهم" .
وفي هذه المدرسة تعلم العلوم اللاهوتية كذلك للغاية التي ذكرناها ولا حاجة إلى ذكر ما فيها من العلوم فإن ما تحتاج إليه للبراعة في نشر الدين والدعوة إليه معروف عند من يعرف ما هو الدين ويتصور معنى الدعوة إليه . أما من لا يعرف ذلك فلا نكتب له حرفاً واحداً من هذا الكلام، فإن قال قائل: فلمن تكتب ما تكتب؟ قلت: إن فقد الفاهم فإنني أحفظه لنفسي والسلام سؤال الإمام محمد عبده الأهم في هذه الرحلة هو هل خطر ببالنا، وكل منا يدعي الغيرة على دينه ويرى أنه الحق الذي يجب على الناس كافة أن يخلصوا أرواحهم باعتقاده والأخذ بأصوله، أن ننشئ فرعاً من فروع التعليم لنشر الدين وتقويم أصوله بين أهله فضلاً عن نشره بين من ليسوا من أهله؟ أريد من أهله أولئك الذين لبِسوا رداءه واعترفوا بأن الدين دينهم سواء عرفوه حق معرفته وهم في غنى عن الدعوة إليه، أو جهلوه أو انحرفوا عن طريقه وهم أحوج الناس إلى الإرشاد وأشدهم افتقاراً إلى من يحول إليه نظرهم، ويعطف عليه اختيارهم؟ هل مر ببالنا أن نهيئ لهذا الفرع من التعليم ما يلزم له من فنون وأساتذة لتلك الفنون كما يهيئ هؤلاء ما يهيئون لتعليم من يقوم بدعوة من ليس من دينهم إلى دينهم؟ ما كان أحوجنا إلى إنشاء ضرب من التعليم خاص بمن يكلف بإرشاد من يسيء إلى الدين باسم الدين ومن يهدم شرف الدين بعمل ينسبه إلى الدين؟ ألا يحق لنا أن نطلب من أولئك الذين صعدت بهم ألقاب الرئاسة الدينية إلى أسمى المنازل أن يفكروا في هذا الأمر، ويقوموا بما يجب عليهم منه، إن لم يكن لمصلحة الدين فلمصلحة أنفسهم، فإن في تقوية جانب الدين تقوية لمساندهم، وفي تبصير العامة بشؤون الدين تمكيناً لحرمتهم في نفوس الدهماء وتسجيلاً لسيادتهم عليها؟
ويطالب من السلطات العربية بالنظر في إنشاء فرع لتعليم ما يلزم لنشر الدين بين بقية الأمم .
ويواصل حديثه عن الكبوشي قائلاً: هذا الراهب أستاذ العربية في الدير وضع طريقة سهلة لتعليم قواعد اللغة العربية من الصرف والنحو للإيطاليين، يضع القاعدة العربية ثم يفسرها باللغة الإيطالية بأسلوب يسهل معه تناولها بقدر الإمكان، وقد رأيت من تلامذة الراهب من يحسن قراءة العربية وإن كان لا يحسن التكلم بها لعدم التمرين على السماع والنطق، وما أحوج كل عربي إلى تعلم ما يحتاج إليه من لغته، لكن ما أشق العمل وما أوعر الطريق وما أكثر العقبات في طريق العربي الساعي في تحصيل ملكة لسانه! ! يفني عمره وهو لا يزال يضرب برجليه في أول الطريق، أفلا نشعر بالحاجة إلى تقريب المطلب، وتيسير المذهب في تحصيل ما تدعو إليه الحاجة من لغتنا حتى نستطيع فهم ما أودع فيها من النفائس؟ والتعبير بها عما نجد في أنفسنا، ونحب أن نسوقه إلى بني لغتنا على وجه صحيح، وبأسلوب فصيح؟ ألم يأنِ لنا أن نرجع إلى المعروف مما كان عليه سلفنا فنحيا بما كان قد أحياهم، وترك ما ابتدعه أخلافهم مما أماتهم وأماتنا معهم؟
التفرقة بين الأموات
خلال رحلة الإمام محمد عبده شاهد مقابر، وآثاراً وجثثاً في صناديق مغلقة: "أما المقبرتان فإحداهما في بناء متسع الأرجاء تحت الأرض ينزل إليه بسلم وفيه نوافذ يأتي إليه منها الضياء وقد وضعت فيه الجثث على ضروب شتى، فمن الجثث ما هو في صناديق مقفلة من الخشب أو الحجر أو البرنز، ومن ذلك جثة موسيو كرسبي رئيس الوزارة الإيطالية السابق فإنه في ذلك المحل في صندوق مغلق، ومنها ما وضع في صناديق من البلور بحيث تظهر الجثة للرائي من داخل الصندوق على الهيئة التي كانت عليها عند الموت . وقد يوجد في الصندوق الواحد عدة أشخاص بادية هياكلهم، ظاهرة وجوههم، على أتم ما يحزن له قلب، وتعبر به نفس، وهذان القسمان من الأموات إنما ينالون حظوة الاستيداع في هذا المكان إذا كانوا من الأغنياء الذين يتمكنون أن يدفعوا إلى الدير ما يطلبه من قيمة هذه الحظوة . وهناك قسم آخر وهو جثث محنطة قائمة في جوانب المكان عليها ثيابها في الحالة التي كانت عليها عند موتها وهي جثث الرهبان والقسيسين الذين يحبون أن يودعوا في هذا المكان ليسعدوا ببركته، ولهم هيئات تنقبض لها النفس، ويضيق بها الصدر، ولا حاجة بنا إلى تعداد ذلك ويكفي القارئ أن يتصور ميتاً في أشد ما تكره النفس مما يصوره الموت في البدن . وأما المقبرة الأخرى فهي كسائر المقابر على ظهر الأرض وإن كان الأموات في بطنها وهي من أجمل الأماكن وأنظفها والقبور فيها نظيفة البناء بهجة الظاهر، وقد غرس في المقبرة أشجار السرو بنظام بديع وقيل لنا: إن الذين يدفنون فيها هم الأمراء والأغنياء أما الفقراء فلهم مقبرة تليق بفقرهم في مكان آخر . وكأنه قضي عليهم بألا يساووا الأغنياء حتى في الموت مع أن الموت قد سوَّى بين الأغنياء وأدنى طبقة من الأحياء بل جعلهم طُعمة لأقذر الديدان كما جعل ذلك حظ أمثالهم من سائر الحيوان . قيل: إن الحكومة بعد أن استولت على رومية منعت الدفن في المقبرة الأولى على تلك الطريقة وأمرت ألا يدفن الميت إلا في المقابر المعتادة كهذه المقبرة الثانية ونحوها وإنما حفظت الحق في الاستيداع في المعابد للبابا وللملك دون سائر الناس فهما وحدهما توضع جثتهما في صندوق وتودع في الكنيسة وقد أحسنت الحكومة في ذلك فإن من كان محجباً بعظمته عن الناس في حياته، يجب أن يكون عبرة لعامتهم بعد مماته" .
رحلة الإمام مستمرة، وتطرح السؤال: هل غيرت الرحلة تصورات الإمام للنحت والفن والموسيقى؟