لندن - "الخليج":
سقطت صنعاء أم أسقطت؟، هذا هو السؤال الكبير الذي لا يزال لغزاً لا يستطيع اليمنيون تفكيكه، خاصة وأن الأحداث التي يعيشها اليمن من جراء هذا السقوط لا تزال تتفاعل حتى اللحظة، ولن ينجلى الغموض عن هذا السقوط في وقت قريب، ذلك أن هناك تداخلاً كبيراً في المتسببين في هذا السقوط داخلياً وخارجياً، مع ذلك فإن بعض الشواهد يمكن الإشارة إليها للتدليل على خطورة الوضع القائم في اليمن والأسباب التي أدت إلى سقوط عاصمة بلد عربي كان الكثير يراهن على أنها ستكون واحدة من القلاع المحصنة العصية على السقوط في براثن الصراع المذهبي والطائفي، فما الذي حدث؟ ولماذا سقطت صنعاء بهذه السرعة؟ ومن أسهم في إسقاطها؟
لابد من الاعتراف أولاً أن سقوط العاصمة اليمنية صنعاء بهذه السرعة وبهذه الكيفية في أيدي مقاتلين قبليين لا يفقهون شيئاً في العلوم العسكرية أمر في غاية الغرابة، فمسلحو جماعة الحوثي عبارة عن مقاتلين وظفهم الحوثيون من أجل محاصرة العاصمة صنعاء ثم اقتحامها واسقاطها، وقد أعد الحوثيون لهذا اليوم منذ مدة، إلا أن السنوات التي أعقبت ثورة "الربيع العربي" عام 2011 كانت مزدهرة بشكل كاف ليتحول معها الحوثيون إلى قوة مسلحة ضخمة توفر لها المال والسلاح والدعم من أطراف عدة، داخلية وخارجية، أبرزها إيران التي أرادت أن تصبح واحداً من اللاعبين الرئيسيين في اليمن والمنطقة .
قد يبدو وصف "المؤامرة" الأقرب إلى الحقيقة في ظل ما شهدته العاصمة صنعاء، أو لنقل ما شهدته المناطق الشمالية من أحداث بدأت في صعدة عند إنهاء تواجد السلفيين في منطقة دماج وكتاف، مروراً بمناطق قبيلة حاشد، تلاها سقوط عمران، ومن ثم محاصرة العاصمة صنعاء وانتهاء باقتحامها .
تسلسل هذه الأحداث لم يتعد بضعة أشهر، فقد توالت بصورة سريعة، ومن الغريب أن إخراج السلفيين من دماج على أيدي الحوثيين، جاء في وقت كان فيه الحوثيون يشاركون في مؤتمر الحوار الوطني، الذي انتهت أعماله في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، وكان الوسيط في عملية تهجيرهم هو "الدولة" نفسها عبر أمين العاصمة عبدالقادر هلال، الذي قاد وساطة بضوء أخضر من الرئيس عبدربه منصور هادي .
وجاء سقوط مدينة عمران في الثامن من شهر يوليو/تموز الماضي ليؤكد استمرار "الضوء الأخضر الرئاسي"، إن جاز التعبير للوساطات لتفكيك ما كان غير قادر على تفكيكه في وقت سابق، فاستغل الحوثيون هذا الأمر واستفادوا منه كثيراً، لكن الاستفادة الكبرى كانت تلك التي تمثلت في الزيارة التي قام بها الرئيس هادي إلى عمران بعد نحو أسبوع من سقوطها ولوائها 310 مدرع ومقتل قائده العميد الركن حميد القشيبي، الذي كان سداً منيعاً ضد تقدم الحوثيين في عمران .
كانت زيارة هادي إلى عمران بمثابة "ضوء أخضر رئاسي" صريح بإمكانية تقدم الحوثيين إلى العاصمة صنعاء، فقد أعلن هادي يومها أن عمران عادت إلى أحضان الدولة والجمهورية وأن الأوضاع فيها مستتبة، لكنه كان يقول ذلك بعلم أو بغيره إن عمران لم تكن سوى محطة عبور إلى صنعاء، وكان يدرك أن اليمنيين صاروا على قناعة بأن البلاد تسير نحو مجهول، بخاصة وقد رأوا فظاعة ما ارتكبه الحوثيون أثناء إسقاطهم لعمران وقتلهم لقائد اللواء 310 مدرع حميد القشيبي، الذي غدر به مرتين، الأولى من الدولة والجيش الذي ينتمي إليه وتركه وحيداً بدون سند ولا دعم، والثاني من القيادات السياسية التي كان يتهم بالانتماء إليها، والمتمثلة بجماعة "الإخوان المسلمين"، الذين تركوه يصارع لوحده لتجنب تهمة مشاركة الإخوان في المواجهات ضد الحوثيين .

بدء الحصار

أوجد هادي وأطراف دولية أخرى ذريعة للحوثيين بالبدء بمحاصرة صنعاء العاصمة من خلال رفع الدعم عن المشتقات النفطية في نهاية شهر رمضان الماضي، حيث عمدوا إلى بدء حصار كان معداً له سلفاً، ضد العاصمة من جميع مداخلها الأربعة، حتى أن الناس استغربوا للسرعة التي قامت بها الجماعة بحشد هذه الآلاف المؤلفة من رجال القبائل المزودة بالأسلحة، وقبل ذلك إقامة مخيمات الاعتصام بالقرب من معسكرات تابعة للجيش .
لم يستمر حصار العاصمة لأكثر من ثلاثة أسابيع، كانت خلالها الأمور تتسارع بشكل عنيف ولافت، فبعد الحصار على المداخل بدأ الحوثيون بخنق العاصمة من الداخل، ومرة أخرى كانت قوات الجيش والأمن "محايدة"، كما صرح بذلك أكثر من مرة وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر أحمد، وأنها تتعامل مع الأطراف كافة على مسافة واحدة، مع أن الدولة كانت تسقط والجيش يضرب في عقيدته القتالية .
بعدها بأيام بدأ الحوثيون في تجريب أولى الخطوات لإسقاط العاصمة فبدأوا بمهاجمة قوات الجيش من منطقة "حزيز"، المدخل الجنوبي للعاصمة صنعاء وأوقفوا حركة خروج الناس من العاصمة ودخولهم إليها، وكذلك الأمر حدث في منطقة "الصُباحة"، المدخل الغربي للعاصمة، حيث شرعوا في إسقاط المعسكرات القريبة من مخيمات اعتصامهم، ومرة أخرى سلم الجيش سلاحه، وبقي "محايداً" .
وبدأت الأحداث تتلاحق إلى ما قبل سقوط العاصمة بشكل كلي في قبضة الحوثيين، وقد بدأت باشتباكات محدودة في قرية القابل، سرعان ما تطورت وتحولت إلى اقتحام أحياء والسيطرة عليها، وترافق ذلك مع قصف الحوثيين لمبنى التلفزيون ومن ثم الهجوم على الكتيبة المرابطة في المبنى والاستيلاء على أسلحة افرادها والقوة العسكرية التي كانت تقع تحت أمر الكتيبة، وهي عبارة عن 14 دبابة وعدد من الأطقم .
بعد سقوط التلفزيون وقطع بثه بدون مقاومة، أيقن الجميع أن الحوثيين في طريقهم إلى دخول العاصمة أو أنهم كانوا قد أسقطوها فعلاً .

اتفاق تحت النار

في أجواء هذه الحرب والمساعي لإسقاط العاصمة كان الرئيس هادي يخوض الجولة الأخيرة من المفاوضات السياسية مع جماعة الحوثي، متسلحاً بشعار "عدم إدخال البلاد في حرب أهلية"، في الوقت الذي كان فيه مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن جمال بنعمر يتناول وجبة الغذاء مع زعيم جماعة الحوثي عبدالملك الحوثي في صعدة ويتنزه مع أبي علي الحاكم في إحدى مزارعه في صعدة، فيما صنعاء تحترق، مع ملاحظة أن الاثنين لم يكن قد مضى شهر على إيراد اسميهما في بيان مجلس الأمن باعتبارهما معرقلين للتسوية السياسية في اليمن .
تمنع الحوثيون التوقيع على أي اتفاق قبل إسقاط مقر الفرقة الأولى مدرع، التي كان يقودها الجنرال العسكري المعروف بخوض حروب ست في صعدة تحت إمرة الرئيس صالح، وهو اللواء الركن علي محسن الأحمر، الذي فضل الفرار إلى الخارج عوضاً عن المواجهة لقوة صاعدة وفتية .
كان الأحمر يدرك أنه لم يعد بقدرة أحد صد الحوثيين ومنعهم من اقتحام صنعاء، ولكأنه شعر بأن قراراً داخلياً وخارجياً قد اتخذ لتمكين الحوثيين من احتلال العاصمة، مع أن ذلك لا يعفي "الجنرال العجوز" من مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في اليمن، عندما فرمل الخطوات لإعادة تطبيع الأوضاع في البلاد بعد أحداث 2011 .
وعمد الحوثيون إلى إحداث مزيد من إذلال السلطة فاستولوا على كل رموزها، بخاصة مقر القيادة العامة للجيش ونهبوا ما بداخل المقر من أسلحة وفروا بها إلى عمران، ثم استولوا على مقرات مجالس الوزراء والبرلمان والشورى .
وللإمعان أكثر أجبر الحوثيون الرئيس هادي على إرسال طائرة خاصة إلى صنعاء لتقل من كلفهم عبدالملك الحوثي بالتوقيع على الاتفاق الأخير، وعمد الحوثيون إلى تأجيل قدومهم حتى وقت متأخر من ليلة الحادي والعشرين من سبتمبر/أيلول للتوقيع على الاتفاق، مع أن هادي دعا زعماء القوى السياسية منذ الصباح إلى الرئاسة للتوقيع على الاتفاق .

أطراف عدة وراء السقوط

في القراءة الأولية للأحداث يمكن الكشف عن أكثر من طرف أسهم بشكل أو بآخر في إسقاط صنعاء، ولعل أول المسؤولين عن هذا السقوط هو الجيش وقيادته العليا، ممثلة بالرئيس هادي باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير دفاعه اللواء الركن محمد ناصر أحمد، فالجيش لم يقاتل في أية معركة مع الحوثيين، بدءاً من صعدة وانتهاء بالعاصمة صنعاء، لهذا طالب حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمين) بمحاكمة وزير الدفاع بتهمة الخيانة .
كثير من المراقبين يرون أن سلوك هادي وأداءه في إدارة الدولة كان من الضعف ما جعل الحوثيين يتجرؤون على الدولة وكسر هيبتها في أكثر من مرة، وبحسب خبراء عسكريين، فإن الجيش أريد له أن يلعب دوراً غير دور المدافع عن البلد، وأنه إذا كانت توفرت قيادة عسكرية حقيقية لما شوهد في مثل هذا الضعف، خاصة وأن عدد قوام الجيش ليس بسيطاً وتصرف عليه الدولة أكثر من ربع ميزانيتها .
ولعب الانتقام دوراً في تحركات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، والذي كان يخطط لهذا اليوم من خلال إسقاط من اسقطوه في 2011 وأجبروه على الخروج من السلطة، ولا يخفى الدور الذي قام به صالح وحلفاؤه من عسكريين ومدنيين وقبليين في إسقاط صنعاء في قبضة الحوثيين .
وقد بدأ تعاون صالح مع الحوثيين جلياً في الاعتصامات المسلحة التي طوقت العاصمة صنعاء من كل جانب، كما وفر صالح الكثير من أفراد الحرس الجمهوري للتعامل مع الآليات العسكرية التي جرى تهريبها من المعسكرات، خاصة وأن الحوثيين ليست لهم مثل هذه الكوادر .
قبل هذا كان صالح يمد الحوثيين بأسلحة حديثة الطراز جرى نهبها من المعسكرات قبل خروجه من السلطة وتسليمها للدولة، وهذا أحدث فارقاً كبيراً في المعارك التي خاضها الحوثيون ضد خصومهم، ولم يبخل صالح في دعم الحوثيين إعلامياً حيث سخر وسائل الإعلام التابعة له لخدمة مشروع الحوثي ومشروعه المتمثل في إسقاط صنعاء .
وكما كان العامل الداخلي مؤثراً في معركة إسقاط صنعاء، فإن العامل الخارجي لا يقل تأثيراً، وكانت إيران أبرز الداعمين لجماعة الحوثي مالياً وسياسياً وإعلامياً، وقبل ذلك كله عسكرياً .
وأكدت أحداث المعارك الأخيرة بدءاً من عمران، وصولاً إلى العاصمة صنعاء، أن عسكريين وخبراء في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني كانوا وراء التخطيط للمعارك والحروب التي خاضها الحوثيون ضد خصومهم .
وعلى الرغم من أن كثيراً قيل هنا وهناك حول سقوط صنعاء، إلا أن حقائق كثيرة ستكشفها الأيام المقبلة عن مسؤولية الرئيس هادي ووزير دفاعه والخيانات التي وقعت في صفوف الجيش والدور الذي لعبته أطراف إقليمية ودولية في الوصول إلى ما وصلت إليه الأوضاع في هذا البلد العربي الذي من المؤكد أنه سيكون مسرحاً لأحداث كبرى في قادم الأيام .