لا تستطيع المنطقة العربية أن تنجو بنفسها ما لم تتغلب على كل عوامل التفكك والفرقة التي تضرب عدداً من دولها، ومثل العام المنقضي 2014 تاريخاً حياً لهذه المحنة المتفاقمة من عام آخر، ولم تفلح عمليات مقاومة هذه العوامل نتائج كبيرة، ولكن المخاض متواصل مداً وجزراً، والمد والجزر قاعدة طبيعية دائمة ما دامت البحار والمياه الحية، أما في سياق مسألة مخططات تفكيك بعض الدول العربية وبالاستتباع الأمة بأسرها، فلا بد أن ينتهي هذا المد سريعاً قبل أن يعم الطوفان . والملاحظ أن فيروس التفكيك ينشر العدوى بسرعة هائلة ويحاول أن يلتهم أكثر ما يمكن من مساحات، ويلاحظ أيضاً أن من يقومون على هذه المشاريع لا يعدمون الوسائل والأسباب .

الإرهاب الطائفي واستدعاء الأحقاد من أهم عوامل التفتيت
مفتاح شعيب

من سوء الحظ أن من كانوا يحلمون بأمة واحدة من المحيط إلى الخليج وجدوا أنفسهم، في الظرف المفترض لتحقيق ذلك الحلم، يواجهون واقعاً معاكساً تماماً تفجرت فيه جميع العقد ويجري العمل لصناعة أخرى، وأضافت إلى خطر التفكيك ظهور قوى شديدة التطرف لا مشروع لها غير القتل وتفجير كل شيء، وهذه القوى وإن صرحت برغبتها في السيطرة على نظم الحكم في عدد من الدول العربية، فهي تعمل على تعميم الكارثة وتأبيدها إلى أجل غير معلوم . ومشروع التقسيم والتفتيت الذي تضافرت فيه عوامل داخلية وخارجية يستهدف ثلث الدول العربية تقريباً، وهو ما يفرض سرعة مواجهته بحسم بعد إدراك جميع الأسباب واتضحت النتائج من تحت الحجب .
لن يحتاج الباحثون والمؤرخون إلى وقت طويل لقراءة الوضع المضطرب الذي تمر به المنطقة قصد تأريخه وأرشفته، فالخطوط العريضة وتفاصيل الأحداث تبدو جاهزة للتناول، ومهما توسع المتابعون في تقصي الحقائق، فلن يغيب عنهم أن ما سمي "الربيع العربي" لم يكن كائناً زمنياً بريئاً فقد التبست في مفهومه الحقوق الاجتماعية والسياسية المشروعة بالمشاريع الخبيثة . وبصورة أوضح فإن إطلاق العنان للحريات غير المضبوطة والمطالب المتعددة قد فجر صراعات وأحيا أحقاداً وضغائن بعضها يعود إلى مئات السنين، فكانت النتيجة ما نراه اليوم وما سجلته يوميات العام المنصرم الذي كان فعلاً عام التفكك والتشرذم والمصير البائس في دول عربية عدة أغلبها لا فرصة لنجاته في المدى المنظور على الأقل .


هناك تفسير ساذج وبسيط لمعنى التفكك، فالبعض يعتبره من قبيل أن ينقسم بلد من البلدان إلى أكثر من إقليم فيصبح دولاً منفصلة عن بعضها، ومثال ذلك ما حصل في يوغسلافيا السابقة في تسعينات القرن الماضي . أما في بعض بلداننا العربية فالمعنى أعظم وأشد، فالتفكك قد حصل في أخطر صوره من دون الحاجة إلى نشوء "دول" جديدة، وذلك بتهشيم الوحدة الوطنية وتشظيتها من الأعماق على مستويات عديدة، وهو كالمرض الخبيث يبلغ منتهاه بالقضاء على الجسد كله . وفي بلدان عربية عديدة تتوفر منذ أمد بعيد القابلية للتفكك والفتن والحروب الأهلية، وإذا لم يكن ذلك بسبب الفرقة المذهبية بين المنتمين للدين الواحد، كان بالتنابذ بين الطوائف، أو بالنعرات القبلية والمناطقية، وإذا لم يتوفر ذلك تم إيجاد ثنائيات أخرى تكون آلية للتفكك والتشظي الممنهج، مثل أن ينشب الصراع بين طائفتين سياسيتين تؤكد الأولى أنها هي "الديمقراطية" في أنقى أصولها وصورها وترى في الثانية الاستبداد والتخلف والقهر والاضطهاد، وكثيراً ما يستحضر هذا الصراع كل شياطين التفرقة الممكنة . وإذا كان البعض يستهجن الحديث عن "مؤامرات" تحرك مخططات التفكيك وتوجهها، فإن التدخلات الخارجية حاضرة بقوة، ومصالح كثير من القوى الأجنبية تتفق مع تعميم حالة الانفلات من الاستقرار في المنطقة العربية وتستفيد تلك التدخلات أيما استفادة من وضع الاحتراب والاستنزاف، والسبب بسيط، فعندما تضعف منطقة من المناطق تصبح مقدراتها وثرواتها عرضة للنهب والسطو، وحين يتمكن الوهن من الدولة يكون مآلها الاستسلام والتعري أمام أي غاز، سواء قدم على ظهر دبابة أو حاملاً لمبادرة سياسية أو وساطة، وخير مثال على ذلك احتلال العراق عام ،2003 فذلك البلد، وبعد عمل سنوات لضرب وحدته، أصبح مفككاً طائفياً وسياسياً ومؤهلاً لاستقبال غزاته، ولذلك لم يصمد نظام الرئيس الراحل صدام حسين وتبخر الجيش العراقي من الميدان، ليسهل فيما بعد حله بقرار من الحاكم الأمريكي بول بريمر، وها هي حال العراق بعد نحو 12 عاماً ساحة مفتوحة للعنف والإرهاب الطائفي وليس هناك ما يوحي بأن هذه الحالة سيتم تجاوزها قريباً، بل إن كل المؤشرات تؤكد أنها ستتواصل إلى مدى مجهول .
العراق كان النموذج الحي لسيناريوهات التفكك، وظاهرياً لم ينقسم إلى ثلاث دول مثلما زعمت بعض التقارير الغربية والأمريكية على الخصوص، ولكنه في العمق منقسم إلى كنتونات عدة لا يوحدها شيء تقريباً غير التصارع والتنافر والضغائن . وإذا سلمنا بأن الدور الخارجي حاضر في الأزمة، فقد كان حضوراً خبيثاً، إذ استطاع أن يوظف تلك الفسيفساء من الخلافات لتعزيز نفوذه، فمنذ أن تم احتلال بغداد وانطلقت "العملية السياسية" بدأ تجسيد التفتيت الفعلي للعراق من خلال تعميق الشروخ بين الإثنيات الدينية والعرقية . وفي الوقت الذي كانت فيه كثير من الأصوات الحرة تحذر مما يجري وتنبه إلى عواقبه الوخيمة، كان الأمريكيون الحاكمون الفعليون يدافعون عن ذلك بحجة نشر "الديمقراطية"، بل إنهم كانوا ينظرون إلى "الفوضى الخلاقة" و"التدافع الاجتماعي" ويقدمون العراق نموذجاً للتعميم في مختلف دول المنطقة، وهذا ما حصل بشكل أو بآخر في السنوات اللاحقة وبلغ أوجه بعد أحداث "الربيع العربي"، وها هي النتيجة بادية للجميع، حروب أهلية ونزاعات وتنظيمات إرهابية وعصابات، تعمل كلها على تذويب الوحدة الوطنية في البلدان التي هبت عليها عواصف "الثورات" الأخيرة .
إفناء الكيان السياسي للبلد الواحد كان عنوان السنوات الثلاث الماضية وبلغت أوجها في العام المنقضي ،2014 وعلى المستويين التنظيري والميداني هناك أدلة عديدة قد يضيق المجال على حصرها، ومن ينظر إلى العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال والسودان ومصر وتونس سيجد الجواب الشافي، وفي هذه البلدان يضاف إليها لبنان وحتى بين الفلسطينيين عملت آليات التفكيك بصور عدة، وباستثناء مصر وتونس اللتين نجتا نسبياً من هذا المآل، مازالت الدول الأخرى تكتوي بنيران التقسيم والتفتيت . ومن الجدير الإشارة إلى أن أغلب الدول العربية (العراق، سوريا، ليبيا، السودان، التي تشهد كسراً لوحدتها الوطنية هي دول ظلت لعشرات السنين تعيش تحت أنظمة قومية التوجه تؤمن بمبدأ "من التجزئة إلى الوحدة" بما يعني انقلاب القاعدة رأساً على عقب، وكأن ما يحصل في هذا الدول هو عقاب أو مسعى لتجفيف أي خطاب للتوحيد . ولا شك أن هذه المسألة ذات دلالات عديدة وتطرح أسئلة حارقة تستدعي، أجوبة غير متعجلة .
على أنقاض هذه الثقافة بدأت تتجذر الهويات القبلية والطائفية والإثنية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وأصبحت الدولة مجرد أنقاض، ولم تعد لأجهزتها ومؤسساتها أي معنى أو رمزية، مقابل اكتساب الميليشيات والجماعات المسلحة بأنواعها نفوذاً وقوة . وظهور الجماعات المسلحة يعبر عن تفكك معنوي لمفهوم الدولة، كما أنه لا يؤشر إلى أن ذلك البلد سيذهب مباشرة إلى التقسيم الجغرافي، ولكنه سيفضي إلى نشوء "شبه دول" متناحرة في فضاء الدولة الأم، لأن النظرية المسيرة لآليات التفكيك مازالت تؤمن بالإبقاء على تلك الدولة باعتبارها الهدف الأكبر، كما أن تلك الآليات تؤمن بمبدأ المغالبة، أي أن تغلب طائفة الطوائف الأخرى وتخضعها لمشيئتها قهراً وعنوة، وقد تعزز هذا المبدأ مع دخول الجماعات المتطرفة إلى المشهد، فهي لم تأت لتقسيم دولة بعينها، بل لابتلاعها كلها، والعمل على ضم من جاورها، وأبلغ دليل على ذلك تنظيم "داعش" الإرهابي الذي يخطط للسيطرة على العراق وسوريا في مرحلة أولى، ثم الهيمنة على بقية دول الجوار .
ومن خلال دراسة الأمثلة المتاحة يتبين أن عملية التفكيك معقدة ومتعددة المستويات وتضع المنطقة العربية في محنة تاريخية غير مسبوقة . وربما سيطلب الأمر عشرات السنين لتجاوزها، فما تتركه الحروب والنزاعات العرقية والمذهبية من جروح غائرة في جسد المنطقة لن تندمل بسرعة . أما كيفية التجاوز فتلك مسألة أكثر تعقيداً من الحالة ذاتها، لأنها تتطلب مكابدة وتوافقات واسعة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية لوضع مقاربة شاملة لتشخيص ظاهرة التفكك، ومن ثم العمل على تفكيك أسبابها بما يؤدي إلى إعادة صياغة الواقع وإبطال أغلب صواعق تفجير الصراعات والحروب الأهلية .

تحريض غربي وروسي على التقسيم إثنياً ومذهبياً

من فترة إلى أخرى تتداول وسائل الإعلام تقارير ودراسات خطرة تستهدف تقسيم المنطقة العربية وإعادة رسم ملامحها، ومن ذلك دراسة أمريكية خطيرة تم تسريبها الصيف قبل الماضي من البنتاغون كشفت النقاب عن مخطط أمريكي لتقسيم المنطقة العربية بعد عامين، وذلك في إطار مشروع ما يسمى "الشرق الأوسط الجديد"، وهي في الواقع واحدة من الدراسات التي تواترت منذ غزو العراق عام 2003 وما بعده .
وتشمل الدراسة التي تشرف عليها 4 وحدات بحث تضم 120 خبيراً استراتيجياً سياسياً وعسكرياً معظمهم من الجنسية الأمريكية وعدداً من المقترحات والسيناريوهات المفترض تطبيقها مرحلياً إلى حين انتهاء الهدف .
وصنفت الدراسة الجيش المصري والجيش السوري والجيش الباكستاني وغيرها كأقوى الجيوش التي تمتلك ترسانة أسلحة بعد الجيش العراقي سابقاً .
وفي البحث الذي يتألف من 432 صفحة أشارت الدراسة إلى كيفية تفتيت تلك الجيوش تمهيداً لاحتلال بلادها كخطوة لاحقة، وذلك بتحييد الجيش الباكستاني بينما أشير إلى أن الجيش السوري استنزف إلى نهاية ،2013 وتشير الدراسة أيضاً إلى التكنيك المتبع في تفتيت الجيش المصري وذلك بافتعال ما يدخله في مواجهة مع شعبه بما سيفتته في أقل من 10 أشهر .
وتنسجم هذه الدراسة مع أفكار صاحب أخطر مخطط لتفتيت الشرق الأوسط، وهو المستشرق البريطاني برنارد لويس المؤرخ المختص في الدراسات الشرقية الإفريقية بلندن، فهذا الرجل يعتبر صاحب أخطر مخطط طرح إلى الآن لتفتيت الشرق الأوسط إلى أكثر من ثلاثين دويلة إثنية ومذهبية . كما كان منظراً لسياسة التدخل الأمريكية في المنطقة العربية أثناء إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش بحجة الحرب على الإرهاب، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" .
مخطط برنارد لويس الذي يلعب على إشعال النعرات الإثنية والعرقية والدينية الموجودة في دول العالم العربي الإسلامي تبنته وزارة الدفاع الأمريكية ونشرته في مجلتها الخاصة مرفقاً بمجموعة من الخرائط التي توضح تقسيم كل دولة إلى 4 دويلات، ودول أخرى قسمت إلى أكثر من 4 دويلات، وأوضحت تلك الخرائط بعض البلدان العربية بعد التقسيم .
بني برنارد لويس مخططه انطلاقاً من دراسته الطويلة لبنى العالم العربي وتأليفه لعشرات الكتب عن الشرق الأوسط وخاصة اهتمامه بنظم الحكم أيام الدولة العثمانية . ويجزم لويس بأن الطبيعة والتركيبة القبلية والعشائرية للدول العربية على مر السنين تجعل من المستحيل على العرب تكوين دولة بالمعنى الحديث . ويرى أن على أمريكا استثمار هذه التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية لمصلحة مصالحها الاستراتيجية بالمنطقة، كما يتوقف الأمر أيضاً على حسن استعمالها لسياسة "فرق تسد" .
ومن أشهر مقولاته المحرضة على المنطقة ونشرتها وسائل الإعلام، "إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم . ."، ويضيف: "ولذلك فإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود أفعالهم، ويجب أن يكون شعار أمريكا في ذلك (إما أن نضعهم تحت سيادتنا أو ندعهم ليدمروا حضارتنا)، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة "هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية" . وتأكد أن هذا الشعار كان عنوان كل التدخلات الغربية والأمريكية قد رفعت شعار "نشر الديمقراطية"، وها هي النتائج ماثلة الآن، ولكن من يتعظ؟

دول نجت من مصيدة التفكك وأخرى سقطت تقاوم

في عدد من الدول العربية كان العام المنصرم 2014 عاماً صعباً، ووضع البعض منها أمام وضعية انحلال فعلي وانقسام لم تعرفه المنطقة، ولكن ليست كل الدول التي شهدت قلاقل اجتماعية واجهت نفس المصير، فإذا كانت العراق وسوريا وليبيا واليمن عرفت تفجيراً لبنيتها كدولة ومازالت تقاوم للحيلولة دون وقوع المحظور، فإن دولاً أخرى مثل مصر وتونس فقد نجت من المصيدة بعد استفاقة سياسية وشعبية مكنتها من العبور بسلام، في حين اكتشفت دول أخرى مثل الجزائر والسودان ولبنان مخططات لضرب وحدتها الوطنية وإلحاقها بصفوف الدول المنكوبة .
وعندما يتم النظر بين الدول المنكوبة والأخرى الناجية قد لا تجوز المقارنة، بيد أنه من المهم التنويه إلى أن الدول التي نجحت في القفز فوق الهاوية يفترض أن تضرب مثلاً للدول الأخرى، وتعتبر مصر وتونس نموذجين متميزين في هذا السياق، واستطاعتا في العام 2014 السير في طريق آمن نسبياً والابتعاد عن دائرة الخطر، على الرغم من أن التأمين الكلي مازال يحتاج مزيداً من العمل .


التجربة التونسية جيدة وإيجابية في إطارها، أما التجربة المصرية فهي الأكثر أهمية وتأثيراً في محيطها، بل إن ما حصل في مصر في 2014 قد بعث برسائل إقليمية واضحة للتصدي لمخططات التفتيت والتفكيك التي تستهدف المنطقة، ففي أواسط العام تم انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية بأغلبية ساحقة لتبدأ مصر في استعادة دورها ومكانتها ودورها في المنطقة والعالم، بل هي الآن تقوم بالجهد الأكبر في حماية المنطقة من شبح التقسيم والفتن المتنقلة من بلد إلى آخر . ومن الحري التذكير بأن انتخاب السيسي كان رداً قوياً على سياسات الإخوان المسلمين والجماعات المتشددة التي دقت إسفين الفرقة بين المصريين، ولولا الثورة التصحيحية في 30 يونيو/حزيران ،2013 لربما انقادت مصر إلى وضع لا يمكن تخيله في ضوء ما تم كشفه من مخططات صهيونية لتقسيمها .
عملية الإنقاذ التي حصلت في مصر قد تكون وضعت حداً وحمت المنطقة من السقوط في هاوية بعيدة القرار، ولكن دولاً أخرى مازلت تعاني، وتلعب بعض الأصوات الغربية والصهيونية دوراً بارزاً في إذكاء مخططات التفتيت، والأمثلة الأقرب هي سوريا والعراق وليبيا واليمن . ومن آخر ما يتعلق بالأزمة السورية ما صدر عن الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن حين أكد ضرورة أن يجد المجتمع الدولي حلاً للأزمة في سوريا، على غرار النموذج البوسني، مشيراً إلى أنه "ينبغي تقاسم البلاد في إطار التوزعات الإثنية والدينية، عبر اقناع الرئيس بشار الأسد بمغادرة السلطة"، مؤكداً في الوقت ذاته، أن هذه الصيغة ليست الحل الأمثل، إذ تعد الخلافات الدينية والإثنية في سوريا أعمق من البلقان، بحسب تعبيره . ولم يأتِ راسموسن بجديد بل إن هذا الموقف هو تعبير عما تروج له دوائر غربية عدة، وجرت في العام 2014 محاولات عدة لتنفيذه، وربما كان ذلك يتحقق لو لم تحدث استفاقة مباغتة لمواجهة تنظيم "داعش" وجميع التنظيمات الإرهابية في سوريا، وهي التنظيمات التي دمرت في صراعها مع نظام الأسد وفي صراعها مع بعض الفئات قد دمرت نسيج المجتمع السوري وفككته بشدة سيتطلب تجاوزها مجهوداً جباراً يؤمن خلق أجواء إيجابية للتوصل إلى حل سياسي، أما إذا تواصلت الحرب بهذه الشراسة والاتساع، فإن التقسيم سيكون أقرب من الوحدة، وهذا خطب جلل لن تدفع ثمنه سوريا بمفردها .
وفي الجوار لا يوجد العراق في حال أفضل، فما تم تدميره في سوريا في ثلاث سنوات جرى فعله في العراق طوال 13 عاماً، وربما ربع قرن من الآن، وأغلب المخططات الداعية إلى تقسيمه إلى ثلاث أقاليم شبه منفصلة أصبح أمراً معروفاً، ويكفي التذكير بمشروع نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، وهو مشروع تقول الدوائر الأمريكية إنه سيكون نهاية المطاف في العراق، وقد عاد طرح هذا الأمر بقوة في ضوء تغلغل تنظيم "داعش" .
وفي ليبيا التي تعيش كارثة بلا حدود، فقد تكون النموذج الساطع على تقسيم ما لا يقسم، فهي مفككة الأوصال منذ انتهاء الحرب على نظام العقيد الراحل معمر القذافي، ولكن في الأشهر الماضية ازدادت انقساماً مع اندلاع الحرب الجديدة بين السلطات الشرعية وحكومة الميليشيات التي تسيطر على طرابلس . وأدى هذا الصراع إلى فرز انقسام ثنائي بين إرادتين، وبالتحديد بين القوى الوطنية والميليشيات المتطرفة . وستدخل ليبيا العام الجديد 2015 وهي في حالة حرب، وقد تحسم قريباً مسألة الشرعية إذا استعاد الجيش والسلطات الشرعية العاصمة طرابلس، ولكن تحقيق ذلك الهدف لن يكون خاتمة المطاف، فقد أظهرت سنوات الحرب الماضية نوازع انفصالية وتفكك متعددة، فهناك دعوات ومخططات لتقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم هي طرابلس وبرقة وفزان، ويبدو أن عدم إغلاق هذه الملفات سيدفعها للظهور من جديد، وقد تكون من دواعي صراعات مقبلة .
وليبيا ليست الوحيدة في هذا المصير، بل إن اليمن هو وجه آخر لنموذج التفكك، فهذا البلد عاش في الفترة الأخيرة وضعاً غير مسبوق وعرف حالة انقسام فعلي وتهلهل للدولة ومؤسساتها بعد إقدام جماعة الحوثيين على السيطرة على العاصمة صنعاء ودخولها في حرب مفتوحة مع تنظيم القاعدة، في الوقت تتوالى فيه الهجمات القاتلة على قوات الجيش وتتعالى أصوات حركة انفصال الجنوبيين بما يعيد اليمن إلى وضع التجزئة بين الشطرين . وبعد نحو ثلاث سنوات من إطاحة الرئيس السابق علي عبدالله صالح لم يتغير حال اليمن، رغم الجهود المحلية والمساعدات السياسية الخارجية، وعلى رأسها المبادرة الخليجية التي حثت على حل الأزمات بالطرق السلمية . ومع ذلك لم تنته المعضلة، وقد حاول الحوار الوطني اليمني إيجاد حل لهذه المعضلة، ولكن الحل حمل سمات تجزيئية بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية، وبعد التطورات الأخيرة، فإن الذهاب في هذا الطرح ربما لن تنجح وقد تصير الأمور إلى انقسام فعلي .
ظاهرة التفكيك تقاوم كل محاولات تمددها، وبين اتساعها في بعض الدول وتراجعها في أخرى، هناك حالات أخرى تعرضت للتهديد بهذا الفيروس، ومن ذلك الجزائر التي أعلن الأمين العام لحزب جبهة التحرير الحاكم أن بلاده تواجه مخططاً لتفكيكها وضرب استقرارها، وذلك في ضوء الاضطرابات الاجتماعية التي جدت في ولاية ورغلة، وشهدت في 2014 أحداثاً غير مسبوقة فسرتها السلطات الجزائرية ومراقبون أنها ضمن مخطط لضرب الجزائر من الداخل، وحاولت ذلك بالتزامن مع إجراء الانتخابات الرئاسية في الربيع الماضي، وأسفرت عن فوز الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة وسط جدل سياسي بين أنصاره ومعارضيه .
في السودان لا تبدو الصورة زاهية، فحال التفكك قائم منذ سنوات، وازداد سوءاً العام المنقضي بعد فشل السلطات في مساعيها العسكرية والسياسية، فقد توعدت الحكومة بحسم الأمر مع حركات التمرد المختلفة في كردفان ودارفور في الصيف الماضي ولم يحصل، ونقلت التهديد بالحسم إلى الشتاء ولن يحصل على الأرجح بسبب الوضع السياسي المضطرب وعدم وجود أرضية توحد تحرك القوى المختلفة باتجاه فض الأزمات الكبيرة .
ومن دون إسقاط الصومال من هذا السياق، فمعاناة هذا البلد متواصلة ولم تتحقق الطموحات الرامية للنهوض به، بل ربما يدخل العام الجديد 2015 منقسماً وضعيفاً ينتظر غوثاً لا يأتي . أما لبنان المفكك مذهبياً فهو يواجه أزمة عميقة بعد أن فشل فرقاؤه لأكثر من 200 يوم في انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للعماد ميشيل سليمان، مضافاً إلى ذلك التوتر الأمني بسبب الاحتكاك بالجماعات الإرهابية في سوريا .
العام 2014 لم يكن طيباً لعدد من الدول العربية، وذلك أمر متوقع بسبب ثقل الأزمات والتوترات التي رزحت تحتها المنطقة لعشرات السنين، وربما سيستمر الوضع على حاله إذا لم ينبجس من هذه المرحلة ضوء يساعد على التجاوز والتأسيس للجديد .

إحباط مخططات الفتنة يفرض بناء القوة لا التفجع من آثارها

في يوليو الماضي، حذر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من أن المنطقة العربية، بما فيها مصر تواجه مخططاً رهيباً لتقسيمها وتفتيتها، وضرب على ذلك مثل الاستفتاء الذي كان يطالب به الأكراد، واعتبر ذلك الأمر بداية كارثة لتقسيم العراق إلى دويلات متناحرة تتسع بعد ذلك لتشمل سوريا ثم عموم المنطقة .
في واقع الأمر، هذا التشخيص من رئيس أكبر دولة عربية اعتراف بأن المخطط موجود ويجري العمل على تنفيذه، ومهما كان الاختلاف في التقييم والتقدير يظل هدف التفكيك قائماً، كما يظل التساؤل عن الاستراتيجيات الممكن اتباعها لمقاومة هذا المخطط أهم من الشكوى منه والتفجع من تداعياته . ويبدو أن العمل على مقاومة هذه المخططات وإحباطها معقد بدوره، فقد بات ظاهراً أن المعركة في المنطقة العربية اليوم تخاض على جبهتين، الأولى تتمثل في القدرة على استرداد الدولة الوطنية التي ضعفت وانهارت في أقطار عدة، والثانية تتعلق بمحاولة بناء تلك الدولة من جديد على أسس العدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان في مفهومها الشامل وتذويب كل عوامل التجزئة والصراع .
من هذا المنطلق بدأت المنطقة تشهد انتقالاً نوعياً نحو المواجهة . ومع أن الاستعداد العسكري والأمني مطلوب للنصر في هذه المعركة، إلا أن الميدان الأهم لخوضها يتعلق بالجوانب السياسية والثقافية والإعلامية . وتحت الإحساس بالخطر تعززت الدعوات المطالبة بتنقية الساحات الداخلية من الأزمات والمشكلات وتوثيق الانسجام بين مؤسسة الدولة وقوى المجتمع المختلفة . كما بدأت حملات دعائية ممنهجة ومتنوعة الآليات والأساليب بنشر قيم الانتماء للوطن والتمسك بالقواسم المشتركة ووحدة المصالح والمصير . وبعد أن استفحل أمر الجماعات الإرهابية وظهور تنظيم "داعش" وبدأت الحرب عليه ضمن التحالف الدولي، تفجر بالتزامن وعي بأن المنطقة برمتها بما فيها العراق وسوريا مهددة بالدخول في أتون صراعات أهلية وطائفية بدون أفق سياسي أو إمكانية التحكم في مسار هذه الصراعات . وأصبح من اليقين الدامغ زعزعة الاستقرار في أي بلد، لاسيما إذا كان مركباً طائفياً وعرقياً، فسينسحب حاله على جواره . وتجلى هذا الوعي من خلال المواقف السياسية والتحركات الدبلوماسية، فقد أصبح هناك تطابق واسع حول ضرورة التحرر من اليأس والإحباط واتخاذ مواقف جريئة تفشل كل هذه المشاريع . وإضافة إلى التنسيق السياسي والإعلامي والدعوي، سوف يظل للتنسيق الأمني والاستخباري الدور الأكبر في هذه المرحلة . وقد بدأت مؤشرات هذا التنسيق مع النفرة العربية لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابعه سواء عبر التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي ومن يسير في ركابه ويعمل بتعاليمه، أو عبر التعاون العربي الإقليمي ضمن سياق يحرص على تحقيق أهداف هذه الحرب وفق المصالحة العربية الشاملة . وسعياً للحفاظ على الأمن القومي، توالت الدعوات العربية من القادة والمسؤولين لتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك لمواجهة المخططات المشبوهة التي تستهدف تقسيم المنطقة، ويتم ذلك بعد القيام بدراسات وافية لتقدير مواقف الخطر وكيفية التعامل معها ضمن تعاون وثيق وفق مبدأ تعاون الكل للقضاء على ما يهدد أمنهم المشترك . ومن حق العرب ضمن الجامعة العربية أن يفعلوا اتفاقية الدفاع المشترك أو أن يطوروها في صيغة تشكيل حلف عسكري عربي له عقيدته وموارده واستخباراته واستراتيجيته المستقلة عن التحالفات الدولية الأخرى . وهذا العمل ليس مستحيلاً من الناحية النظرية، فالدول العربية تمتلك مقومات بناء هذه القوة، التي يجب ألا تنتهي مهمتها بمجرد القضاء على المخاطر الإرهابية، بل بالإمكان اتخاذها مؤسسة عسكرية إقليمية تدافع عن مصالحها وأعضائها، مثلما هي حال دول حلف شمال الأطلسي "ناتو"، شريطة أن يظل ذلك الحلف بعيداً عن الأهواء والتجاذبات السياسية والخلافات إذا كانت لا تضر بالأمن القومي للمنطقة العربية .