تحقيق: ميرفت الخطيب
البيئة الصحراوية، والتي تعد مكوناً أساسياً في الحياة الجغرافية، تعاني في هذه الفترات الزمنية هجوماً بشرياً عليها، يفتك بكائناتها ويقضي على حيواناتها ونباتاتها، لسبب غريب جداً، ألا وهو إهمال زوارها من محبي رحلات البر أو التخييم، والتي تعد احد أحب الهوايات لأبناء الإمارات وأيضاً للمقيمين على أرضها، فتمنح هذه الصحراء السعادة والاستمتاع في أجوائها الساحرة، لهؤلاء الزوار، وفي المقابل تتلقى من بعضهم للأسف نفايات ملقاة هنا وهنا، نباتات مدهوسة من جراء الدراجات رباعية الدفع، إشعال الحطب، وفوضى عارمة تعم المكان .
وفي مواجهة هذه السلوكيات السلبية إن عن قصد أو جهل، قامت السلطات المعنية بوضع قوانين لمرتادي الصحراء بالكثير من اللاءات والشروط، وتحديد الأمكنة المخصصة للتخييم، وفرض غرامات مادية، وغيرها انطلاقاً من حرص السلطات على البيئة الصحراوية .
ويرى بعض الأخصائيين في هذا المجال أن تصرف زوار الصحراء بطرق سلبية، ناتج عن عدم وجود ثقافة لديهم بضرورة الحفاظ على البيئة، والى ما يؤديه هذا الهجوم البشري، وأن المسألة أكبر من ذلك بكثير كونها تهدد دورة الحياة .
"الخليج" سألت مجموعة من الأخصائيين الأكاديميين والمسؤولين والغيورين على البيئة حول هذا الأمر وجاءت الإجابات كالآتي:
طالبت هنا السويدي عضو المجلس التنفيذي بحكومة الشارقة، رئيس هيئة البيئة والمحميات الطبيعية، من الجمهور الذي يعشق التخييم، والقيام برحلات البر بضرورة توخي الحذر، والتخييم في الأماكن المخصصة للتخييم، لسلامة صحتهم ولعدم تعرضهم للأذى .
وقالت: في العام 2013 صدر قرار من المجلس التنفيذي بمنع التدهور البيئي في المناطق البرية، وبوشر بتنفيذه في العام ،2012 بسبب التحضيرات لتطبيق القرار كوضع اللوحات الإرشادية بالمناطق البرية .
ويشير القرار إلى وجود مخالفات تتراوح قيمتها ما بين ال 500 وحتى 50 ألف درهم، خاصة للحالات التي يتم فيها تجريف التربة، وقطع الأشجار المثمرة كشجرتي الغاف والسمر، كما يحصل في هذه الأيام، حيث يلجأ البعض إلى قطعها وبيعها بمبالغ كبيرة تصل إلى 2000 حتى 7000 درهم لاستخدامه في التدفئة أو للتخييم والشواء أيضاً، وهذه المخالفة غرامتها 10 آلاف درهم .
ومن المشاكل التي تواجهنا ونعمل على حلها مع الجهات الأمنية في المنطقة الوسطى وبلدياتها، ترك النفايات والقاذورات في أماكن التخييم، ويكون في داخلها بعض الأطعمة، وبعض الحيوانات مثل الإبل تقوم بتناولها، وبالتالي بعد يومين أو ثلاثة تتحجر هذه المواد في معدتها ما يؤدي إلى نفوقها .
وهناك مشكلة كبيرة أيضاً نعانيها لا تقل خطورة عما ذكرت، ألا وهي التخييم في منطقة غير مخصصة لهذا الغرض، والذي يحصل أن تتفاجأ دراجات الدفع الرباعي المنتشرة أو حتى السيارات بوجود خيم منصوبة، ما يؤدي إلى حدوث إصابات جسيمة، وبالتالي تم تخصيص منطقتين في الوسطى وهي الفايه في البطايح، والبدير في المدام للتخييم .
ما يحدث الآن أن بعض الإمارات الأخرى مثل أم القيوين ورأس الخيمة قامت بمنع التخييم على أطراف الطرقات، ما سبب في انتقال هؤلاء إلى الشارقة، وتحديداً منطقة البطايح، وبمنطقة الكهيف للتخييم فيها، ما أدى إلى حدوث ضغط كبير .
وطالبت حبيبة المرعشي رئيسة مجموعة عمل الإمارات للبيئة، بضرورة تفعيل القوانين الخاصة بالحفاظ على البيئة، قائلة: القوانين موجودة بالدولة، ولكنها بحاجة إلى تفعيل من قبل جهات تنفيذية التي يكون اختصاصها تنفيذ القوانين وتطبيقها، كي يأخذ بها الناس ويطبقونها، وعدم وجود هذه الجهة التنفيذية، يجعل الناس غير مبالين بالتقيد بها .
في أي مجتمع متحضر يحتاج الناس أن يعيشوا في بيئة نظيفة، لذا يحافظون على نظافتها ويتوقعون أن يحافظ غيرهم على نظافتها، كون المكان العام يكون مفتوحاً أمام الجميع، وبالتالي في عدم المحافظة على النظافة .
ينبغي هنا أن تتم مساءلة هذا الشخص، بل وفرض عقوبات وغرامات عليه كونه استباح المكان، وكي لا يكرر فعلته ثانية .
إن المجتمع بحاجة إلى حملات توعية وخاصة من خلال وسائل الإعلام المتنوعة، كالفلاشات أو الرسائل الإلكترونية وإعلانات في الطرقات والإذاعات ومحطات التلفاز وغيره، وبالتالي التركيز على الموضوعات الاجتماعية حتى ترسخ المعلومة بالأذهان، وهذا ما يحتاج إلى خطة متكاملة وتعاون بين الأطراف المعنية، بالحفاظ على بيئتنا نظيفة .
إن مسؤولية الأهالي كبيرة جداً تجاه هذه القضية، بل ورئيسية، فعندما تعنف الأم ولدها وتنبهه بعدم رمي المناديل الورقية على الأرض في المنزل، يجب أن تقوم بنفس الشيء في الطريق أو في الحدائق أو في أي مكان آخر، كي يعي هذا الأخير الفرق بين السلوك الصحيح وعكسه . كما عليها أن تكون وزوجها قدوة لهذا الطفل الذي يقلد الكبار .
ومن هنا تبدأ المرحلة الأولى، نظافة البيت ثم نظافة الشارع ونظافة البيئة ككل، وما يحصل في البر بسبب عدم وجود توعية بيئية لدى الناس .
يجب تضافر الجهود بين كافة المؤسسات الشرطة والبلديات والموارد البشرية والقطاع التربوي والأكاديمي، ففي هذه القضية تتساوى المسؤوليات، لكوننا نعيش في هذه البيئة وما سيحصل فيها من ضرر سوف يصيبنا أيضاً .
بدوره، أكد البروفيسور الدكتور مصطفى خميس عضو هيئة تدريس دائرة الأحياء والكيميائية والعلوم البيئية، ضرورة نشر الوعي البيئي بين شرائح المجتمع المختلفة، والبدء من المدارس، وتعليم الطلبة الحفاظ على البيئة ونظافتها كما يتعلمون مواد الرياضيات والكيمياء وغيره .
ونوه بالحملة النوعية لهيئة البيئة والمحميات الطبيعية والتي تطلقها كل عام لمرتادي المناطق البرية بالشارقة، وأثنى على صدور قرار من صاحب السمو حاكم الشارقة، بتكوين لجنة التوعية والتثقيف البيئي بالشارقة، وذلك للحفاظ على البيئة البرية وصون تنوعها الحيوي .
وتتضمن الحملة الكثير من الفعاليات المصاحبة، منها تنظيف البيئة البحرية وزراعة الأشجار في مناطق مختلفة بالشارقة . وبرامج توعوية لطلبة الجامعات والمدارس، ومسرحية للأطفال عن تأثير العادات السيئة على التلوث البيئي، كما أنه سيتم تنظيم معرض متنقل عن الحياة البرية للحفاظ على نظافة البيئة، لأن بعض مخلفات الطلبة الناتجة عن التخييم والتنزه في هذه الأماكن يترك أثراً سيئاً في الإنسان والحيوانات ما يؤدي إلى قتل الحيوانات إذا ما تناولوا هذه المخلفات، خاصة أنها تحتاج إلى سنوات طويلة للتحلل، مثل الأكياس والزجاجات البلاستيكية وعلب الصفيح التي لا تتحلل بل يعاد تجميعها ومن ثم إعادة تدويرها .
وفيما يتعلق بالأوعية البلاستيكية فقد يؤدي تحللها بسبب تعرضها لأشعة الشمس إلى ظهور مواد كيماوية ضارة بالبيئة والإنسان مثل العناصر التقبلية .
إن المخلفات وتعدي البشر على البيئة البرية، وخاصة استخدام المركبات الطويلة كالدراجات الرباعية الدفع، يؤدي إلى تلف وخلع الأشجار المعمرة من مكانها، وبالتالي فهي تحتاج إلى سنوات طويلة كي تنمو من جديد، وهذا السلوك يخرب البيئة ويسلبها مناظرها الخلابة، ناهيك عن السير في المناطق غير المؤهلة لذلك، ما يؤدي إلى كسر الطبقة العلوية من التربة ما يجعلها غير صالحة للزراعة، والى قتل النباتات التي تعيش على هذه المناطق .
وبالتالي، فإن تخصيص أماكن للتخييم ولرحلات البر هو قرار نؤيده كونه يسهم في وجود محميات طبيعية وأماكن أخرى للزيارة تكون تحت حراسة العاملين في البيئة .
دوريات
سالم مسمار مساعد المدير العام لقطاع رقابة البيئة والصحة في بلدية دبي، أثنى على القرارات المحلية، والتي أعلنت عنها عدة إمارات في الدولة، والتي دعت إلى تحديد أمكنة لرحلات البر أو التخييم الشتوي، لكونها تخفف الكثير من المشاكل للبشر وللبيئة، ومن أهمها وجود دوريات أو حتى نقاط أمنية أو إسعاف في جوار هذه الأمكنة، إضافة إلى وجود مكبات للنفايات والشواء أيضاً .
إن مشكلة التخييم تبدأ مع تحسن الطقس حيث دأبت العادة على توجه الأسر الإماراتية وغيرها إلى البر والتخييم والترفيه، وبالتالي فإن الكثير منهم لا يتقيد بقواعد النظافة أو الحفاظ على البيئة وعلى نباتاتها وأيضاً حيواناتها، ما يكبد الجهات المعنية الكثير من الجهد والخسائر المادية، على الرغم من أن هدفنا هو راحة الناس، ليمضوا إجازة سعيدة، هم وأولادهم .
يوسف الأحمد مدير إدارة النفايات بوزارة البيئة والمياه، أشار إلى أن التخييم يبدأ مع شهر نوفمبر/ تشرين الثاني ويستمر حتى شهر إبريل/ نيسان، كما أن المدة تعتمد على مواسم المطر، وقد ازداد إقبال الناس على التخييم في السنوات الأخيرة، وكلما زادت فترة المطر زادت فترة التخييم، كون رحلات البر تتيح الاستمتاع لكافة أفراد الأسرة دون استثناء، ولكن في المقابل تواجه السلطات المحلية المسؤولة عن النفايات الكثير من المشاكل، في هذه المناطق، على الرغم من وجود القوانين الرادعة في بعض الإمارات وهي دبي الشارقة أبوظبي، إضافة إلى لوائح جزائية للمخالفين، والتي تتراوح بين 500 - 10 آلاف درهم، (والأسعار منوطة بكل إمارة) .
وأضاف: فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجهنا فتأتي في المقدمة قيادة الدراجات ذات الدفع الرباعي والتي يقودها الشباب بطريقة مستهترة وعشوائية، وتوالد المخلفات، وسباق السيارات، ما يؤثر في البيئة، وخاصة التربة الصحراوية والمساحات الخضراء، وتؤدي إلى دهس النباتات الموجودة في هذه الأمكنة، والتي تعد المرعى الأساسي للحيوانات البرية، ولرعي الماشية أيضاً .
ويؤكد صوابية تحديد الأمكنة كونها توفر الكثير من الإزعاج والمشاكل على السلطات، كأن يدخل احدهم إلى أماكن لا يعرفها، وبالتالي لا يستطيع الخروج منها في الصحراء، وقطع أشجار السدر والغاف .
تطورات إيجابية
أحمد حمدي خبير العلوم الهندسية البيئية وهندسة المخاطر الطبيعية والصناعية والمدير التنفيذي لشركة اوزون العالمية للاستشارات والدراسات البيئية، قال إن تلوث البيئة من أهم القضايا التي تشغل العلماء والباحثين والحكومات، وتعددت المؤتمرات والقمم العالمية والندوات التي تنادي بحماية البيئة من التلوث والاحتباس الحراري والتغيير المناخي والتدهور البيئي، فالتلوث البيئي يحيط بك في كل مكان بداية من دخان المصانع ونهاية بعادم السيارات، وتطبيق قواعد التصميم المعماري البيئي وزيادة الرقع الخضراء وتشييد المدن المستدامة، هو الأمل لإنشاء مجتمع صحي ومثالي .
ولكن تأتي التوعية البيئية وغرس مفهوم البيئة هو الهدف الأول للوصول إلى جيل متطور وحياة متقدمة وبيئة خالية من التلوث، وذلك بترشيد استهلاك الطاقة وإعادة تدوير النفايات والاعتماد على الطاقات الجديدة والمتجددة، ومنذ شهور بدأ تحصيل النتائج الطيبة من خلال أخبار عن تعافي ثقب طبقة الأوزون مما يعني أن هناك تطورات ايجابية في طريق الحفاظ على البيئة .

انصروا البيئة
انصروا البيئة، وارفعوا شعار "حافظوا على سلامتها وعلى نظافتها"، تحافظوا على حياتكم . تعاملوا معها وكأنها بيتكم الكبير، الذي يحتضن أولادكم ويحميهم من المخاطر والأوبئة . ارأفوا بالبيئة التي حولها البعض إلى مكب للنفايات، وقضى على كائناتها الحيوية، والتي إذا اختل جزء من دورة الحياة فيها وقعنا في مشاكل كبيرة، تستوجب الكثير من الجهود المادية والعلمية لمواجهتها .

قانون منع التدهور البيئي
يحتوي قانون منع التدهور البيئي في المناطق البرية في الشارقة، والذي صدر في العام 2012 وطبق في 2013 على 8 مواد أقرها المجلس التنفيذي لحكومة الشارقة، وفيه يحظر على الأشخاص ممارسة الأنشطة المخالفة لأحكام الشريعة الاتحادية والمحلية لحماية البيئة والتي من شأنها الأضرار بالنظام الطبيعي لبيئات المناطق البرية والتسبب في تدهورها والتأثير السلبي في مرتادي المناطق البرية وسكان تلك المناطق، وهي على سبيل المثال، إلقاء النفايات الخطرة أو دفنها أو تخزينها أو التخلص منها بأي شكل من الأشكال في بيئات المناطق البرية، وتلويث بيئات المناطق البرية والإخلال بالأمن الصحي للفرد والمجتمع، وذلك بفعل القيام بالأعمال الآتية على سبيل المثال التخلص من مخلفات البناء والهدم والتخلص من مخلفات العمليات الفنية والإنتاجية، والتخلص من المياه العادمة والزيوت المستعملة في شبكات الصرف الصحي في المناطق البرية . وإلقاء المخلفات وترك الفضلات، الصيد الجائر وقتل أو إيذاء الكائنات البرية وتدمير التكوينات الجيولوجية أو المناطق التي تعد موطناً لفصائل الحيوانات أو النباتات أو الطيور، تجريف التربة وإتلاف الغطاء النباتي وقطع الأشجار المعمرة، ومرور المركبات بأنواعها عشوائياً في مواقع نمو الأعشاب والنباتات والمواقع ذات الأهمية البيئية في المناطق البرية .
القيام بأي فعل ينتج عنه الإخلال بالتوازن الطبيعي للحياة الفطرية للبيئة البرية في الإمارة .
كما احتوى القانون على جدول الغرامات الإدارية، حيث بلغت غرامة تجريف التربة 10 آلاف درهم والتخلص من نفايات العمليات الفنية والإنتاجية في المناطق البرية 5 آلاف درهم . ومثلها للتخلص من مخلفات البناء والهدم وأيضاً للتخلص من المياه العادمة والزيوت المستخدمة في شبكات الصرف الصحي . وحددت غرامة 10 آلاف درهم لكل من الرعي الجائر وترك الحيوانات السائبة من دون راع، ومرور المركبات بأنواعها عشوائياً في مواقع نمو الأعشاب والنباتات وفي المواقع ذات الأهمية البيئية . وإلقاء مخلفات وترك بقايا الأطعمة والفضلات ومخلفات الشواء . وأخيراً رمي المخلفات أو تركها أو التخلص منها بأي شكل من الأشكال من قبل مرتاديها في المناطق البرية.