لم يعد مقبولاً هذا الصمت المريب على الخطر الكبير الداهم الذي يهددنا جميعاً، عرباً ومسلمين . فموجة التكفير والإرهاب العاتية باتت على الأبواب، وما يعلن من مواقف في مؤتمرات ومنتديات تعقد هنا وهناك لا يكفي، إذ إنها تقتصر على خطب وبيانات لا تترجم على الأرض، ولا تلقى الصدى المطلوب .
الدين الإسلامي تم اختطافه وتحوّل إلى رهينة بيد قوى ظلامية تستخدمه في كل أعمال البغي والفجور والظلم والعربدة، يتم مسخه وتشويهه والافتراء عليه . فصار دين قتل وذبح بدلاً من دين رحمة وعدل . ودين اعتداء على حرمة وأعراض ودماء ومال الآخرين، بدلاً من دين تسامح وحوار وتعايش وحماية الإنسان مهما كان معتقده ودينه وفكره .
نحن، كعرب ومسلمين، في مواجهة كارثة تهدد وجودنا على يد حفنة منحرفة ضالة خرجت بالإسلام من عظمته وبهائه وعدالته وسماحته ونصوص قرآنه وحديث نبيه ووضعته على حد السيف تستبيح به دماء العباد، وتقطع به الرقاب وأوصال الأوطان، وتنفذ مشروعاً منحرفاً ومشبوهاً يصب في مجرى تدمير الأمة .
أجل، نحن أمام أزمة كبرى، بل أمام كارثة كبرى، فكيف نتصدى لها ونواجهها؟
البيانات والمواقف وحدها لا تكفي . لابد من عمل جدي تبدأه الأمة على كل المستويات الآن، وليس غداً . لأن أي تأخير سوف يوفر لهذه الفئة الضالة المزيد من القوة والعتوّ والتوسع، ويقدم لها مدداً وعدداً .
نحتاج إلى ثورة في الفكر الإسلامي، إلى تجديد في فهم الدين وتفسير آيات القرآن الكريم والسنة النبوية لقطع دابر المفسدين والجاهلين بأصول الدين . أي نحتاج إلى مراجعة فقهية وفكرية وثقافية وتطبيق المنهج الصحيح للإسلام، يقوم بها علماء دين ربّانيون تقاة وفقهاء يعرفون دين الله حق المعرفة لتحريره من فكر ظلامي تستظل به منظمات الإرهاب والتكفير والتطرف، ومن فتاوى عجيبة ما أنزل الله بها من سلطان .
وذلك يقتضي بالضرورة إعادة تأهيل المؤسسات الدينية والعلمية، وتنقيتها ممن يسيئون فهم الكتاب والسنة، وكذلك المناهج الدراسية الدينية والكتب التي تحرض على الفتنة وتشنّع بالمذاهب الإسلامية .
هي معركة يجب أن تبدأ الآن تقوم بها دور الإفتاء ووزارات الأوقاف والهيئات العلمية، ورجال الفكر والثقافة والإعلام . يجب أن ننتصر فيها، ونعيد للإسلام ألقه وصحيح بيانه . ونسترده من فئة ضالة مخربة .
علي الهاشمي: المتطرفون لا علاقة لهم بالإسلام
أبوظبي - آلاء عبد الغني:
أكد سماحة السيد علي الهاشمي، مستشار الشؤون الدينية والقضائية في وزارة شؤون الرئاسة، أن التطرف هو وضع الشيء في غير مكانه الصحيح، وأنه لا يمكن أن يقرب الدين الإسلامي لا من بعيد ولا من قريب، وأن الإسلام دين وسطية، أما المتطرفون فلا يمتون للإسلام بصلة، مضيفاً أن الإمارات تهتم بالنواحي الدينية لإرشاد الناس إلى الطريق الصحيح .
وأشار إلى أن على علماء الدين الحقيقيين إشاعة الفكر الإسلامي الصحيح، والذين وقعوا في شرك المتطرفين كانوا ضحايا عدم توعيتهم من شيوخ الإسلام، وقال: إن الإسلام هو نفسه الإسلام الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رسل الله وأنبيائه عليهم السلام أجمعين، ومن يبتعد عن الإسلام يضيع، لأن الإسلام لا يمكن أن يكون يميناً أو يساراً، لكنه يبقى الإسلام بوسطيته وسماحته واعتداله، وهو يحقق السعادة الدنيوية في الدنيا، والسعادة الأبدية في الآخرة .
وأوضح الهاشمي، أن انتشار الفكر التكفيري يرجع إلى أن الدول الإسلامية اهملت تدريس الإسلام الصحيح، وأن الشباب اليوم يتلقون مواد مغشوشة عن الدين الإسلامي ليست منه في شيء، داعياً وسائل الإعلام إلى التركيز على قضايا الإسلام ونشر تعاليمه وأفكاره الصحيحة، بدلاً من الانشغال في أمور أخرى، مؤكداً أنه يجب على الدول العربية والإسلامية الاهتمام بتعليم الإسلام، ونشر مبادئ الدين الحكيم، وتفهم القرآن الكريم، لأنه المنظم لكل صغيرة وكبيرة من مسائل الحياة .
د .محمد مطر الكعبي: الثقافة الوسطية يجب أن تكون غذاء يومياً للمسلمين
أبوظبي - "الخليج":
قال الدكتور محمد مطر الكعبي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إنه ممّا يؤسَف له أن موجات التطرف والغلو لا تعود أسبابها إلى مخرجات الثقافة الدينية وحدها، بل إلى أسباب أخرى، بحيث لم يفسح المجال للخطاب الإسلامي الرصين أن يتحرك، وحدث مِن جراء هذا كبت الحريات ومصادرة الآراء وظهور التطرف على السطح، وجاء هذا الوباء المستطير الذي لم تسلم منه لا الأنظمة ولا الشعوب . وأضاف: لا يمكن فصل معتقدات الإنسان وقيمه وتراثه وأصالته عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي الذي يعيش فيه كل مواطن عربي ومسلم، ولا ينبت التطرف والغلو في مناخات علمية وقيمية متوازنة، وليس المسؤول عن أمراض المجتمع الدين وحده كما يزعم البعض، ولا المؤسسات الدينية وحدها، فمؤسسات الدول المساندة تملك استراتيجيات عميقة التأثير وواضحة الأهداف، وكان ينبغي أن تدور عجلاتها نحو الأمام متناسقة متعاونة، بروح فريق عمل واحد .
من هنا فإن مؤسسات الدولة عليها أن تتلاقى وتُنسّق لتطويق هذا الوباء أو ذاك، ومن جهة المؤسسة الدينية فهي الواجهة التي عليها أن تملأ الساحة بمنهجية التسامح والاعتدال ولا تترك فراغاً يتسلل من خلاله الفكر المتشدد، فالخطاب المدروس والممنهج يجب أن يحتل موقعه الصحيح في وسائل الإعلام كما في المدارس والمساجد والنوادي، وجميع الساحات، لأنه الخطاب المسؤول والصادر من جهة مسؤولة أمام الله والحكومة والمجتمع، ونحن في الإمارات، لسنا في حاجة إلى أن يرتقي منابر المساجد أو يؤم الناس أي إنسان ليس من كوادرنا، وكوادرنا على دراية تامة بفقه الواقع، ومسارات الفكر الديني الرصين .
وأشار إلى أن الدين الإسلامي لا انحراف فيه، لأنه هو الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله للبشرية رحمة ومنهاج حياة، وإنما الانحراف يأتي من شخصيات أو تيارات أو منظمات لم يتخصص رجالها في الدراسات الإسلامية، ولذلك المطلوب إعداد علماء وتخريج كوادر مؤهلة درست الدين في معاهد وجامعات عريقة، وهذا ما تقوم به الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بدعم كبير من قيادتنا الرشيدة، ولذلك ليس أمامنا نزيف مفاهيم، بل لدينا استراتيجية واضحة، وخطة وعظ سنوية تتلمّس حاجة المجتمع من التفقُّه في الدين، وتُسهم في تنمية الثقافة الوطنية والإنسانية من خلال المناسبات الدينية والوطنية والإنسانية يوماً بيوم وأسبوعاً بأسبوع وشهراً بشهر، وهي خطة يلتزم بها جميع من يتحدث عن الدين في منابر الدولة وذلك وفق منهجية الوسطية والاعتدال والتسامح .
وأوضح رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، أن ثقافة الوسطية يجب أن تكون غذاءً يومياً للإمام والخطيب والواعظ، فهي ليست ثقافة ترَف، بل هي حيوية ومحورية ويومية في الأقوال والأفعال، وقد كانت ولا تزال السِّمَة البارزة للدين الإسلامي، فكما هو دين الرحمة هو دين الوسطية والاعتدال في كل أمر من الأمور، لأن غير الوسطية يكون إما إفراط وغلو، أو تفريط وتساهل، وقد ترسّخت هذه الثقافة في كل المجالات الثقافية والمعرفية بفضل الخطب والدروس والندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام والتعليم والتربية .
وأكد الدكتور الكعبي أن دعم الجهود الإقليمية والدولية لمكافحة التشدد في الدين يكون بفتح قنوات الحوار مع الآخرين، وتكثيف الحضور الثقافي في الأوساط الاجتماعية ووسائل الإعلام، وما نصحت به دار الإفتاء المصرية مؤخراً حول أسباب الفكر المتطرف وضرورة الاحتواء للفئات المتشددة في غاية الأهمية، لافتاً إلى أن منهجية مؤسسة الأزهر في التعليم والتوجيه يجب أن تستفيد منها جميع مؤسسات التعليم والتوجيه في العالم العربي والإسلامي .
وأضاف الكعبي: إنّ الذي يُهدّد جَمَال الإسلام وحكمة الدين في الدرجة الأولى هم أولئك الذين ينتسبون إلى الإسلام عنواناً، ويضلّون عن سواء السبيل ممارسةً، جهلاً أو تزويراً لحقائقه وتشويهاً لقيمه وعدالته ورحمته ليصلوا إلى مآربهم الشخصية أو الحزبية والأيديولوجية، وهذه هي الكارثة التي يُعانيها الإسلام وأهله، بل العالم أجمع، وما كان الإسلام في يوم من الأيام إلا دين التسامُح واليسر والتعايُش السلمي بين شتّى الأجناس والأعراق والمِلل، ونحن نُريد لديننا الحنيف أن يُسعِد البشرية، وهم بأعمالهم يُخوّفون البشر من دين الله، هذا هو الغزو الفكري الحقيقي، من الداخل وليس من الخارج، فالعصر الحديث عصر انفتاح وعولمة، والظروف مواتية جداً لعرض الإسلام وحقائقه النقيّة ومقاصده السامية أمام هذا الفضاء المفتوح، وهذه الحرية متاحة للجميع بشرط ألا يصبغ الدين الحنيف بأصباغ السياسات الحزبية الضيقة .
دعوة إلى مواجهة شاملة للفكر الإرهابي
الكويت - الحسيني البجلاتي:
شددت فعاليات سياسية وإعلامية ودينية كويتية على أهمية محاربة الفكر المتطرف بالطرق والوسائل كافة، ودعت إلى تكاتف مؤسسات الدولة التعليمية والإعلامية والدينية، ومؤسسات المجتمع المدني لمحاربة الفكر الإرهابي كونه فكراً قاتلاً يحصد أرواح الشباب المغرر بهم . وطالبت بتجفيف منابع الإرهاب المالية والفكرية، معربة عن استيائها من تشويه صورة الإسلام وتقديم صورة خاطئة عنه بأنه دين العنف والإرهاب . . وتالياً الآراء .
* أكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية المفتوحة، د . سامي ناصر خليفة، أنه من اللافت للنظر غياب الحكماء والعقلاء من أصحاب الخبرة والدراية والشريعة من قادة الأمة وعلمائها عن الساحة، ما أعطى الفرصة، ومهد الطريق أمام المغالين والتكفيريين لأن يتجرأوا ويتجاسروا في استلام زمام المبادرة وتجيير الخطاب الديني لترويج أجندتهم وأهوائهم . وقال: ما يؤسف له أن الشارع في المجتمعات المسلمة هو من يدفع الثمن غالياً، والممعن للنظر اليوم يرى كم المآسي الناجمة عن تشوية الدين الإسلامي الحنيف والذي تتعرض له المنطقة . وتابع: وما يؤسف اليوم أن الخطاب التنويري الوسطي غاب تماماً، وما نشهده من تطرف يقابله تطرف مضاد، ما أعطى فرصة لأصحاب المصالح السيئة من قوى خارجية ودول كبرى أن تعبث وتتدخل، ما يزيد النار اشتعالاً، لذلك من المهم اليوم أن نحصن أنفسنا في الكويت من خلال استنهاض السلطة التشريعية في حث الحكومة على أن تلعب دوراً رئيسياً في هذا الجانب .
وأضاف خليفة: محوران لا بد أن نضعهما في الاعتبار عند محاربة ومجابهة التطرف من خلال تغيير الخطاب الديني إلى الخطاب الوسطي، الأول يتمثل في أدوات السلطة الإعلامية والدينية والتعليمية التي يجب أن تلعب من خلاله السلطة دورها في نشر الإسلام الوسطي من خلال المدارس والمساجد ووسائل الإعلام المختلفة، مؤكدة ضرورة أن يكون لهذه الأدوات دورها المنوط بها، والذي يجب تفعيله لتحصين المجتمع ودفعه باتجاه وحدة وتماسك أهله . الثاني: المعالجة الوقائية من قوى ومؤسسات المجتمع الأهلي من نقابات واتحادات وجمعيات نفع عام، فجميعها اليوم تتحمل مسؤولية التحرك المشترك باتجاه ترشيد الخطاب الديني، ورفض الغلو والتطرف الذي يعد الداء الحقيقي والوقود لما يجري اليوم من إرهاب .
دور أجهزة الدولة
* بدوره، قال مستشار جمعية الصحفيين الكويتية الدكتور عايد المناع: من المفترض أن تتصدى مؤسسات الدولة كافة للفكر الإرهابي، وتكثف كل الجهود لمحاربته، ومحاربة من يروجه، حتى لو كان هذا الترويج بصورة غير مباشرة، لافتاً إلى أن هناك وسائل تروج لهذا الفكر من الصعب التحكم فيها . ودعا إلى العمل على إيجاد آلية تكشف الأطراف التي تدعو إلى الفكر الإرهابي أو تحرض عليه، أو حتى تشيد به، مشيراً إلى أن هذه القوى خطرة، لأن الدعوة إلى هذا الفكر بطرق غير مباشرة أخطر من الدعوة إليه مباشرة ولأن من وراءها يعمل في الخفاء .
ولفت المناع إلى أن الخطاب الديني الحالي في المنابر الكويتية يعد خطاباً هادئاً ومعقولاً جداً بخلاف ما كان عليه في السابق، حيث كان له منحى سياسي من خلال الإخوان المسلمين والسلفيين وخطاباتهم لنصرة جماعتهم، وقال: إن الدولة وضعت يدها على الخطباء "وعقلنت" الخطاب الديني، وأصبح الأمر موضوعياً، وأشار إلى أن الخطباء أصبحوا يلتزمون بخط الدولة العام، من دون تطرف في خطبهم، وهذه إيجابية، فالخطاب الديني في المسجد أمر مهم جداً وخطر، ومن الجيد أن تعقلن الحكومة هذا الخطاب، لافتاً إلى أن الثمانينات من القرن الماضي شهدت من الخطباء من كان يهاجم سوريا ويذهب إلى أمور طائفية، وهذه الأمور يجب الانتباه إليها .
ونوه إلى أهمية المدرسة وبث روح التسامح بين الطلبة، والبعد عن التطرف، مؤكداً على خطورة الدور الذي يقوم به المدرس، وما يقدمه إلى الطلبة من وجبات قد تكون بعيدة عن المنهج، إلا أنها مغمسة بالإرهاب، أو الدعوة إليه، ولفت إلى ضرورة أن يأخذ المنهج المدرسي في الاعتبار الاتجاهات كافة، وأضاف: هناك بعض المدرسين من يحرضون على تلك الأفكار الهدامة القاتلة التي تغرس الفكر الإرهابي في نفوس الشباب، وتجد هؤلاء الشباب على أتم الاستعداد للانضمام إلى "داعش" أو "النصرة"، ومثل هؤلاء المدرسين خطر حقيقي على أبنائنا الطلبة في المدارس . منوهاً إلى أنه من الصعب جداً السيطرة على المدرس، إلا أنه يفترض على إدارة المدرسة أن تقوم بمتابعة مدرسيها من خلال لقاءات أسبوعية، إضافة إلى تعميم بعض التوجهات من أجل المصلحة العامة والدعوة إلى الالتزام بها .
وأوضح أن وزارة الأوقاف رشّدت الخطاب الديني وأصبح يتماشى حالياً مع التوجه العام للدولة، وقال، الإرهاب وباء وخطر محدق بنا، خاصة ونحن نعيش في منطقة غير مستقرة، مشيراً إلى أن كبار الفقهاء رفضوا الفكر الإرهابي الذي يدعو إلى القتل وسفك دماء الناس، واجتمع فقهاء الأمة على ذلك .
ترشيد الخطاب الديني
* قال الداعية الإسلامي فهد الجنفاوي: لاشك في أن الخطاب الديني في حاجة إلى ترشيد، وإلى توجيه بصورة أوضح وتبيين الصورة الصحيحة للإسلام سواء للمسلمين وغير المسلمين، مشيراً إلى أن الأحزاب الجديدة أصبحت تعطي صورة خاطئة عن الإسلام، وشوهته أكثر مما خدمته حيث تصور الدين سياسياً فقط، ما يعطي صورة سيئة عن الإسلام، وأنه يساهم في ضياع البلد وهذا الأمر الإسلام منه بريء . وتابع: في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" . وأضاف: لاشك في أن هناك تقصيراً من الجهات المسؤولة تجاه الخطاب الديني وعلى وزارات الإعلام والتربية والأوقاف أن تقوم بدورها المنوط بها من خلال توعيه الشباب في ظل وجود وسائل التكنولوجيا الحديثة والتي تستهوي الشباب وعلى وزارات الدولة المعنية تكثيف الجهود لمحاربة الأفكار المتطرفة
إعادة صياغة الخطاب
* ورأى الكاتب الصحفي سعود السمكة، أن الخطاب الديني في حاجة إلى إعادة صياغة، مشيراً إلى أننا في حاجة إلى تجديد هذا الخطاب وفق معايير شرعية سليمة بعيداً عن الغلو والتطرف أو الإهمال والتسيب، ولضمان مواكبة المتغيرات العصرية ومواجهة التحديات الجديدة التي تواجه الدعوة الإسلامية في شتى أنحاء المعمورة . وتابع: الدولة مسؤولة بوسائلها المختلفة عن نشر خطاب بعيد عن التطرف والغلو من خلال مؤسساتها المختلفة الإعلامية والدينية والتربوية، مبيناً أن مؤسسات الدولة يجب أن تقوم بدورها في تجديد الخطاب الذي أدى إلى ظهور تيارات متطرفة، فالأوقاف يجب أن تقوم بدورها في المساجد، ووسائل الإعلام يجب أن تقوم بدورها في الصحف والقنوات المختلفة، والتربية يجب أن تقوم بنشر الفكر الوسطي في المدارس والذي لايعتمد على الإقصاء . وأضاف: إن مؤسسات المجتمع المدني أيضاً مطالبة بذلك، لكن في الوقت نفسه يجب أن تشدد الحكومة رقابتها على المؤسسات التي تسيطر عليها بعض التيارات التي تسهم في نشر الغلو الفكري .
دور الإعلام
* شددت الإعلامية نظيرة العوضي، على أهمية دور الإعلام الكبير في مكافحة الغلو، وطالبت بتكاتف مؤسسات الدولة في دعم الشباب خاصة الأندية الرياضية، فعلى هذه الأندية دور كبير في استيعاب الشباب، ومواهبهم، وأكدت على أهمية الابتعاد عن رفاق السوء، وعلى أهمية الإبلاغ عن كل من يدعو إلى الإرهاب، ودانت ما نشاهده من مشاهد سفك الدماء، وقتل الأبرياء، ودعت جميع مؤسسات الدولة إلى أن تتكاتف للوقوف ضد الإرهاب ومن يدعون إليه، ولفتت إلى أن وزارة الإعلام تولي هذه القضية اهتماماً كبيراً، و"علينا أن نتعاون معها مواطنين ومقيمين للمحافظة على بلدنا" .
التفكير في التكفير: نحو استراتيجية مواجهة ثقافية
عبد الإله بلقلزيز
يمثل العقل التفكيري - إن جازت تسميته عقلاً - الثمرة المُرة لميراثين ثقيلين يبحثان على حاضر مجتمعاتنا وثقافتنا: ميراث ثقافي تفكيري حفل به تاريخ الإسلام، وناهضته تيارات العقل والاجتهاد والتسامح فيه، وميراث اجتماعي - اقتصادي - سياسي معاصر من الحيف والتهميش والاستبداد وكانت مجتمعاتنا العربية وفئات واسعة من الشعب فيها، عرضة له . واجتمع الميراثان معاً في تكوين ظواهر اجتماعية شاذة وكارثية عدة منها ظاهرة الجماعات التكفيرية، الذاهبة بنزعتها الرفضوية الاحتجاجية إلى الحدود التي تنذر بإطاحة كيان الجماعة الوطنية في كل بلد من البلدان العربية المنكوبة بها .
يتعلق الأمر بتكوين ظاهرة التكفير بتداخل عوامل عدة مركبة، لا بعامل واحد بسيط . قد يبدو التكفير ظاهرة ثقافية - دينية تتصل بنوع من الفهم الخاطئ لنصوص الإسلام، وهي كذلك من غير شك . لكن أسبابها وعواملها أعمق من مجرد إساءة القراءة والفهم، وأبعد من مجرد القصور المعرفي في إدراك مقاصد الأحكام الشرعية، وبيان ذلك أن هذا القصور ليس جديداً على المسلمين، في تاريخهم الحديث والمعاصر، ومع ذلك لم يجنح منهم أحد لتكفير الناس وسفك دمائهم باسم الدين . ثم إن التكفير غالباً ما أطل على مجتمعاتنا في أوضاع الأزمة الاجتماعية - السياسية، ونما في بيئات طحنتها أوضاع الأزمة تلك . وهو ما يقوم به الدليل على اتصال الظاهرة بعوامل الاجتماع والسياسة والاقتصاد . . إلخ . وما لم ندرك هذه الحقيقة (حقيقة اتصال ظاهرة التكفير بالعوامل الاجتماعية - السياسية)، سنسيء الرد عليها، ونخطئ طريق استيعابها أو احتواء أخطارها، وربما قد تسقط ردود فعلنا تجاهها في فخ مفاقمة أسباب تجديدها واستفحال أمر مخاطرها تلك .
إذا صح القول إن التكفير من الثمرات المُرة للاجتماع السياسي العربي المعاصر - وهو صحيح - فلا مهرب من القول إن ارتفاع الظاهرة (التكفير) لا يكون بغير ارتفاع أسبابها المولدة: أزمة الاجتماع السياسي العربي . وليس يخامرنا شك في أن الأزمة هذه مركبة وعميقة وبنيوية، بل قابلة - لتلك الأسباب - لأن تصبح أزمة انفجارية من فرط تراكماتها وتداخل أبعادها . إن الفقر، والتهميش، والاستبداد، والفساد، وسوء توزيع الثروة . . عدو مبين للحاضر والمستقبل، لأنها بيئة خصبة لإنتاج ظواهر من الرفض والاحتجاج عديدة قد يركب بعضها مركب العنف الأعشى للرد على قسوة الأوضاع بأفعال انتحارية أشد قسوة، على مثال ما يجري اليوم مع جماعات التكفير المسلحة، بل على مثال ما بدأ يُفصح عن نفسه منذ سنوات الثمانينات من القرن العشرين الماضي!
التكفير، بهذا المعنى، هو الترجمة الثقافية - السياسية لأوضاع البؤس الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي ينخر عمران هذا الاجتماع العربي: المتأخر، العصبوي والمهزوم . والرد عليه (على التكفير) لا يكون فقط من طريق سياسات الاستئصال الأمني، فهذه ما نجحت يوماً في إنهائه: لا في الجزائر، ولا في أفغانستان، ولا في مصر، ولا في الصومال . . إلخ، إذ ما يلبث بعد كل ضربة أن يطل بأكثر من رأس بعد قطع رأسه الأول! والمستفاد من هذا أن ظواهر من هذا الضرب تنشأ من أسباب اجتماعية عميقة، لا يمكن القضاء عليها بتصفية أعراضها، وإنما بتصفية الأسباب والجذور التي ولَّدتها وأنبتتها . وهكذا، ما لم تتقدم مجتمعاتنا العربية في السعي نحو إنتاج نظام سياسي حديث يكفل حقوق المواطنة، والحريات العامة، والمشاركة السياسية، وما لم تمتد إلى وضع حدٍ للفساد وهدر الثروة والمال العام، وتحقيق الإنماء المتوازن، والحد من الفوارق الطبقية الفاحشة، عبر إعادة توزيع الثروة توزيعاً عادلاً أو أكثر عدلاً، فلن يكون في الوسع إنهاء ظاهرة كبيرة وخطرة مثل ظاهرة التكفير وجماعاته السياسية والمسلحة .
أما إذا صح القول إن التكفير من الثمرات المرة لميراث ثقافي إسلامي معادٍ للعقل والاجتهاد والتسامح، وضيق الأفق في فهم نصوص الدين - وهو صحيح - فإنه يترتب على ذلك القول إننا سنكون في حينها في مسيس الحاجة إلى اجتراح استراتيجية فكرية: تربوية تعليمية وثقافية تنويرية لصده والرد عليه، وإضعاف نفوذه في الوعي والمجتمع . وعلينا هنا أن نعترف، ابتداء، بأن تراثنا العربي الإسلامي شأنه شأن أي تراث ثقافي في التاريخ الإنساني فيه الغث والسمين، الرديء والجيد، الظلامي والتنويري، وأنه مثلما حوى تيارات العقل والتجديد والاجتهاد والتسامح، كان فيه القدر الكبير من تيارات التحجر والجحود والانغلاق والتكفير والتشرنق على الذات . ومثلما نشأت الإصلاحية الإسلامية النهضوية الحديثة (في القرن التاسع عشر) مستلهمة تيارات الاجتهاد في ذلك التراث، نشأت الإحيائية الصحوية الإسلامية (وحفيداتها من الحركات التكفيرية) مستلهمة تراث الانغلاق والجهود والتكفير . لن يفيدنا، كثيراً، إنكار حقيقة وجود مصادر لهذا الفكر الظلامي المنغلق في تراثنا، أو التستر عليها بدعوى تنقية صورة الماضي وصورة الإسلام، إذ من قال إن صلة ما تربط هذه التيارات بالإسلام حتى نخشى عليه من أن يؤخذ بجريرتها؟ بل نحن نذهب إلى الظن أن تنقية صورة الإسلام إنما تكون من طريق تحريره من ذلك التراث الظلامي، ومن طريق تحريره اليوم من محاولات السطو عليه من قبل تيارات التكفير وجماعاته .
لهذه الاستراتيجية الثقافية (في مواجهة التكفير) برنامج عمل ووسائل عمل، فأما برنامج العمل فمداره على جملة أهداف مترابطة، متضامنة في غاياتها العليا، وفي جملتها إشاعة وترسيخ قيم العقل والتسامح والاجتهاد وروح التجديد، وقيم السلم والحوار والانفتاح على الغير، ونبذ التعصب، والنسبية في التفكير، أي مجمل القيم التي أنتجت اللحظات المجيدة والمشرقة والحضارية في التراث العربي الإسلامي، ومكّنت حضارة الإسلام من أن تتبوأ الصدارة، بل مكنتها من الصيرورة حضارة كونية . أما وسائل العمل المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف فمتعددة، تعليمية تربوية، وثقافية، ودينية، وإعلامية، تتضافر هذه الأدوات والمؤسسات كافة للنهوض بإنجازها في نطاق خطة عمل كاملة ومدروسة، وتشارك فيها شراكة كاملة الدولة والمجتمع المدني على السواء .
يتطلب حصار ثقافة التكفير، ابتداء، ثم تصفية وجودها ثانياً، عملاً ثقافياً طويل المدى والنفس . يبدأ الجهد المبذول، في هذا النطاق، من البرامج التربوية والتعليمية في المدارس (الابتدائية والثانوية)، وخاصة في المواد الدينية والتاريخية التي يتأهل بها وعي الناشئة . لا مهرب من إقرار سياسة تعليمية تقوم على مبدأ التربية على قيم التسامح، والعقل، والتفكير الحر، وعدم تقديس نصوص القدامى، أو رفعها من مرتبة الرأي إلى مرتبة النص الديني المُلزم، ونبذ التعصب، واحترام الرأي الآخر ومواجهته بالحوار والحجة، ونبذ العنف بما فيه العنف اللفظي . ولابد من أن تجد هذه المنظومة من القيم مكانها في البرامج الدراسية المقررة في المدارس والجامعات، من أجل أن تتشبع بها الأجيال الجديدة والقادمة، وتتحلى بها في التفكير والسلوك . ولابد، في الوقت عينه، من أن يصار إلى إصلاح منظومة تكوين المعلمين والأساتذة، وتمكين المكونين فيها من التأهيل العلمي والتربوي الحديث والرصين لتأدية أدوارهم التعليمية على النحو الأمثل، وبما يخدم أهداف برنامج إعادة تربية الناشئة على القيم الآنف ذكرها . إن المدرسة هي المعمل الذي يُصنع فيه المواطنون، وعلينا أن نقرر أي نوع من المواطنين نريد لمجتمعاتنا: هل نريد مواطنين إيجابيين متأهلين علمياً يخدمون مجتمعهم والدولة، ويحرصون على رفعتهما وأمنهما، أم مواطنين يطلّقون شعبهم ودولتهم ويمتشقون في وجهها السلاح باسم الكفر والإيمان؟ وفي ضوء هذا السؤال يتقرر أي نوع من التعليم والتأهيل نحتاج إليه .
وليس بوسع البرنامج التعليمي وحده أن ينجز هذه المهمة الكبيرة من التربية على قيم العقل والحوار والتسامح، وإنما ينبغي استكمال الاعتناء بهذه البذرة الطيبة من طريق إطلاق برنامج ثقافي تنويري شامل في المجتمع يرسّخ تلك البذور، ويتعهدها بالرعاية والصيانة والإنماء، من خلال إشاعة ثقافة تنويرية تصحح النظرة إلى الإسلام وتعاليمه، وتميط اللثام عن مقاصده الكبرى وقيمه العليا، وتوظيف قيم الفكر الحديث في الوعي العربي على النحو الذي ينخرط فيه المواطن العربي في العالم المعاصر، ويتشبع فيه بقيمه الكونية: العقل والحرية والإبداع .
ومن النافل القول إن المثقفين: مفكرين وباحثين وأدباء ومبدعين، هُم من يقع على عواتقهم أن ينهضوا بأداء هذا الدور، وإنجاز هذا المشروع الثقافي التنويري، لأنهم حملة الأفكار ومنتجوها . لكن ضمان نجاحهم في أدائه يتوقف على ما يمكن للدولة أن تقدّمه لهم من أسباب مادية ومعنوية مساعدة على النجاح وحسن الأداء . والأسباب هذه ليست كناية عن الموارد المادية، التي لا غنى عنها للنجاح في الأداء، من بُنى تحتية ثقافية وتشريعات وقوانين مناسبة (في ميدان الثقافة)، وإنما هي - أيضاً - مساحة الحرية التي توفرها الدولة للفاعلين الثقافيين لممارسة أدوارهم . وهذه مسألة نشدّد عليها هنا، كثيراً، لأن هذه المساحة تكاد أن تكون في حكم الغائب من فرط ضيقها في الأعمّ الأغلب من البلدان العربية! إن الثقافة هي الجبهة الحقيقية لإلحاق الهزيمة بعقل التكفير، وعلى الدولة - قبل غيرها - أن تدرك ذلك، وأن تبني على الشيء مقتضاه .
لعلماء الدين، أيضاً، دور في هذه المعركة ضد التكفير . وهو يبدأ من التكوين في المدارس الدينية - في البلدان العربية التي فيها هذا النوع من المدارس - إلى التأهيل في الجامعات الخاصة بالعلوم الشرعية، إلى خطب الجمعة والفتاوى والتأليف في الموضوعات الدينية، ناهيك بالمجلات والدوريات التي تشرف عليها وزارات الأوقاف ودور الإفتاء والمجالس والهيئات العلمية الدينية . وغنيٌّ عن البيان أن فئة علماء الدين من أكثر الفئات تضرراً من صعود حركات التكفير، ليس فقط لأن هذه الحركات تحرض عليها وتشنّع، وتكفّر رجالاتها وتستهدفهم (اغتيال الشيخ البوطي في سوريا مثلاً)، ولكن أيضاً لأن جماعات التكفير تزاحم علماء الدين على دورها الديني، التربوي والتثقيفي، وتحاول أن تصادر الرأسمال الديني منها . على أن قيام فئة علماء الدين بهذا الدور، على النحو الأمثل الذي يشل فاعلية خطاب التكفير في المجتمع، رهنٌ - هو نفسه - بمدى النجاح في إعادة تأهيل هذه الفئة علمياً من خلال إعادة تأهيل مؤسساتها التعليمية والعلمية، من مدارس وجامعات ومجالس علمية . . إلخ؛ ذلك أن مستواها العلمي تدهور، في العقود الأخيرة، وبات أداؤها شاحباً وغير قادر على جذب جماهير المؤمنين إلى صف الخطاب الديني الرسمي، بل كان شحوبه وعجزه من الأسباب التي مكّنت للتيارات السياسية الإسلامية ("الإخوانية" والسلفية و"الجهادية" . . .)، ووفّرت لها فرص الصعود والفُشوّ .
وأخيراً، لفئة الإعلاميين والصحفيين دور كبير التأثير في التنبيه على خطورة ظاهرة التكفير، والتنبيه إلى سبل مواجهتها . غير أن اتصالهم اليومي بمصادر المعلومات، وقدرتهم الفنية على توظيفها في إنتاج مادة صحفية أو إعلامية تثقيفية، لا يكفيان - على أهميتهما - لإحداث التأثير الكبير في الرأي العام، إن لم يقترن ذلك بإفساح مساحة معتبرة، في المنابر الصحفية والإعلامية، للمادة الفكرية التي يقدّمها باحثون مختصون في الدراسات الإسلامية، وتاريخ الفكر، وعلم الاجتماع الديني، وعلم الأديان المقارن، وسوى هذه من التخصصات، من خلال برامج حوارية، أو مقابلات، أو ندوات وحلقات نقاشية . ومع أن ذلك يحدث في صحف ومحطات تلفزية عدة، إلا أن الغالب على المستكتبين للكتابة في الصحافة، والمستضافين في البرامج التلفزية، أنهم ينتمون إلى فئة "الخبراء" في الحركات الإسلامية . وهؤلاء مع كل الاحترام لمساهماتهم - لا يعرفون، في معظمهم، المقدمات الفقهية والفكرية للخطابات الإسلامية المعاصرة، ومرجعياتها القديمة في أصول الفقه وعلم الكلام وفقه السياسة الشرعية، الأمر الذي يحرم الجمهور من فرصة التعرف إلى الظاهرة المبحوثة من خلال معرفة ما تسوّغ به نفسها دينياً . وليس معنى ذلك أن على وسائل الصحافة والإعلام أن تقلع عن استكتاب "الخبراء" واستضافتهم، وإنما أن تفسح، إلى جانبهم، مساحة لأهل العلم بتاريخ الإسلام الديني والفكري، قصد تحقيق التوازن المطلوب في المادة الإعلامية المقدّمة إلى الجمهور، وقصد تمكين الخطاب الفكري من الوصول إلى أوسع فئات الشعب عبر الحامل الثقافي الأهمّ في عصرنا، والأخطر تأثيراً: الإعلام .
يجب أن نفهم الإسلام أولاً
د.عمر مسقاوي
كيف يمكن تجديد الفكر الديني لمواجهة الفكر الظلامي في الجماعات الإسلامية؟
هذه الفكرة بحد ذاتها، وهذه الدعوة إليها، ليستا جديدتين، فكل من تحدث حول تجديد الفكر الديني، هو في الحقيقة يبين هذه الأمور على أساس الواقع وليس على أساس ما ينبغي .
في الواقع، هذه النقطة هي في حاجة إلى إعادة تجديد الفكرة في هذا الموضوع لأننا نتحدث كثيراً عن المصطلحات، والمصطلحات هي التي تفرض علينا اتجاهاتها، وطالما أن هذه المصطلحات نحن لا نصنعها فهي تعمل لحساب من يصنعها، وبالتالي نحن نعيش في دورة واحدة في مفهوم التجديد، ولكن التجديد الذي لا يعطي نتيجة، وبالتالي فأنا أرى أنه منذ قيام حركة التجديد منذ بداية هذا القرن حتى الآن فالأفكار أنا أضعها في معيار رأس المال، فأقول: رأسمال هذا الأمر هو فكر فلان وفلان وفلان من أجل أن نجدد .
إذاً، هذا الرأسمال نحن وظفناه في قضية تجديد الفكر الديني، فما حصيلة هذا التجديد؟
حصيلة هذا التجديد اليوم ما نسميه "داعش" وفي هذه النقطة أقول إن قضية التجديد لا تزال مطروحة حتى الآن لأن، كل الأفكار حول هذا الموضوع لم تصل إلى نتيجة، وبالتالي فالمشكلة أكبر من أن نضعها تحت هذا العنوان بصورة مبسطة، فيجب أن نقول: كيف يمكن أن يكون حضورنا في هذا العالم، وما أفضل الوسائل لنفعل ذلك؟ إذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال فنحن نجدد عملياً تفكيرنا لأن طريقتنا الحالية لم تصل إلى نتيجة، بل وصلت إلى الحاجز العالي الذي يجب أن نقفز فوقه، فحصاننا دائماً يرتد كي يستطيع أن يقفز فوق الحاجز العالي وهو "الفرق بين الواقع الإسلامي والعالم الحديث"، فهذا الفرق واسع، وبالتالي المشكلة مازالت تطرح نفسها من هذا الجانب .
ففي العام 2009 عقد الأزهر الشريف مؤتمراً تحت عنوان "الإسلام والغرب" ودعاني من جملة من دعوا إلى جانب كبار رجال الفكر إلى إيجاد نوع من الحوار بين المسلمين وغير المسلمين، ورغم أن الأمر أخذ مجالاً واسعاً، إلا أن القضية الأساسية كانت في أن العنوان كان خاطئاً في رأيي، لأن الإسلام كدين نزل من السماء ولكن يجب أن نتحدث عن الذين حملوه لأنهم وضعوا تاريخهم ومستقبلهم وكل الأفكار الموجودة من أجل نقله إلى العالم، فلا يمكن أن يصل الإسلام إلى أحد إلاّ عبر المسلمين، وكان المفروض أن يكون العنوان "المسلمون والغرب"، وهذا يعني أننا نشعر بالمشكلة لكننا لا نستطيع أن نفهمها بصورة صحيحة، فنحن نلغي أنفسنا حينما نتحدث عن التطوير أو التجديد الواجب في هذا الإطار .
إذاً، التجديد في الوقت الحاضر لا يتعلق بالإسلام ولا ب"الداعشيين"، بل في كيفية تناولنا لهذه المشكلة من الأساس في إطار إيجاد صعيد جديد للدخول إلى هذا العالم الحديث لأن جميع الأفكار لا تستأذننا ولسنا لها شركاء، وبالتالي فالمشكلة تقوم هنا، فكيف يمكن أن نفهم الإسلام لندخل من خلاله إلى العالم؟
* كيف ننقي الدين من الانحراف وشوائبه؟
الأفضل أن نسأل: كيف ننقي آداب التعامل مع الناس باسم العقيدة؟
الدين بحد ذاته نؤمن به لكن يجب أن ننقي سلوكنا، ومن هنا يجب أن ننشئ القضية الاجتماعية الغائبة عند المسلمين في كل العالم الإسلامي الذي أصبح غارقاً اليوم بوسائل الحضارة الغربية، لكنه غائب عن مدى قدرته على إقناع العالم بأنه أنموذج اقتصادي يُحتذى وليست هناك أي قوة في العالم الإسلامي تستطيع أن تطرح أي أنموذج يحتذى في الغرب الذي يعاني أكبر الأزمات .
في الحقيقة لا يوجد هناك فكر تكفيري، فالتكفير في حد ذاته هو جرأة على الله لأن الله وحده جل وعلا هو من يحدد من هو الكافر ومن هو المؤمن، ربنا يقول "ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً" لأن هذا التعبير لا يعبر عن فكر وإنما يعبر عن أزمة عند المسلم أكثر مما هي عند غير المسلم في هذا الإطار .
فالعمل التكفيري يختلف عند المسلم وغير المسلم فكل منهما اختار الدين بإرادته وفكره لكن هذا التعبير لا يوجه من المسلم لغير المسلم فالخوارج كانوا يكّفرون، لذلك شكلوا أزمة للحضارة الإسلامية لأنهم يعبرون عن أزمة لعدم إدراكهم لمسؤولياتهم في هذا المجال وتجوز مقاتلتهم، وهو تعبير يستخدمه أعداء الإسلام للإشارة إلى أن الإسلام يرفض الآخرين وهذا غير صحيح، فالمعنى الأساسي في هذا الموضوع هو أن المسلم يعتبر هؤلاء الآخرين لا يؤمنون بما يؤمن به كمسلم، وأن المكفر يعالج مشكلة داخلية عنده وليس عند الذي يكفره لأنه يريد أن يتعالى بإيمانه على الناس بينما الإيمان بحد ذاته هو نتيجة للعمل وليس سابقاً عليه، لذا نقول "إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات" فالعمل الصالح هو الاتصال بالناس وأن تنشئ معهم علاقة حوار وهذه هي الأزمة الأساسية التي تتعلق بفهم الآخرين للإسلام والدين، لكن حينما يجهر بأن الآخرين يجب أن نقاتلهم لأنهم مكفرون فهذه هي الأزمة الأساسية التي تتعلق بتخلف هؤلاء المتدينين عن فهم روح الإسلام والدين ومن هذه الزاوية فالقضية هي في مواجهة أن تجعل من عقيدتنا قدرة أساسية كي نكون وسطاء مع الناس جمعياً .
مالك بن بني كان يقول في وصيته: يجب ألا تفتشوا عما هو إعجاز القرآن الكريم بل أن يعجز عملكم من يراكم أمامه كمسلمين ولا يستطيع أن يصل إليكم من هذا المستوى العالي وبالتالي في هذه الناحية تستطيعون ان تنشئوا العلاقات التي يصل بها الإسلام بكم إلى العالم .
فالتكفير في حد ذاته إعلان عن عدم قدرة من يكفّرون بالذات على أن يحملوا الإسلام إلى العالم، لذا فكل همهم الآن أن يعودوا ليحددوا كيف يكون لهم مكان في الجنة .
حينما انتشر الإسلام في العالم أوجد عصراً حديثاً للأمم، وإذا لم يكن لنا اليوم أي دور فكيف سنواجه العالم؟ إننا نعيش حالة مرضية على كل المستويات وفي كل مكان وكل يعيش ذلك بطريقته . هذا يعني أننا نعيش خارج التاريخ، ولذا علينا أن نفكر بهذه الطريقة كي نحدد خطواتنا المرتقبة المقبلة حتى نخرج من هذا الواقع .
* نائب رئيس المجلسالشرعي الإسلامي الأعلى
مواجهة الفكر التكفيري بأدوات عصرية وأساليب علمية
القاهرة - "الخليج":
كشف عدد من كبار العلماء والمفكرين الإسلاميين وخبراء الحركات الإسلامية حقيقة الجماعات التكفيرية التي تنتهج العنف وتمارس الإرهاب وتستغل الدين لتحقيق أهداف ومآرب سياسية، وطالبوا بخطاب ديني عصري لمواجهة ضلال هذه الجماعات التي أضرت بالإسلام وأعطت الفرصة لخصومه للتطاول عليه وتشويه صورته .
وأكد العلماء والمفكرون وخبراء الحركات الإسلامية ل"الخليج" ضرورة التصدي للفكر التكفيري والتوظيف السياسي للدين عن طريق وسائل وأدوات عصرية تعتمد على أساليب علمية، وليس بخطب إنشائية حماسية ينتهي مفعولها بمجرد الانتهاء منها، وهي لا تقنع العقول بمخاطر هذه الجماعات وما تشكله من خطر على المجتمعات العربية فكرياً وثقافياً وأمنياً .
رئيس جامعة الأزهر، د . عبدالحي عزب، يؤكد أن هذه الجماعات جميعها تسقى من معين واحد، ويجمع بينها الإيمان بالعنف لتحقيق أهدافها، ويؤكد أنها ليست جماعات دعوية ولا فكرية، بل تخطط وتتآمر وتحمل السلاح وتقتل وتخرب وتقدم التضحيات من أجل الوصول إلى كراسي السلطة .
لي عنق النصوص
ويضيف: لا يخفي التكفيريون أهدافهم الحقيقية، حيث يبدأون بتكفير أنظمة الحكم القائمة بدعوى الخروج على الإسلام، ويلوون عنق النصوص الشرعية ويفسرونها على هواهم خاصة الآيات القرآنية: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" . . إذ يخدعون ضحاياهم من الشباب بأن عدم تطبيق النظام الحاكم في أي بلد عربي للشريعة الإسلامية يهدر دمه، ويبيح حمل السلاح لمقاومته . . ولذلك يكوّنون الجماعات والتنظيمات التي تحمل السلاح لتقتل كل من يعمل في دائرة هذه الأنظمة، وتقوم الجماعات والتنظيمات بعمليات إرهابية تزهق فيها أرواح أبرياء وتدمر فيها منشآت، وتخرب مرافق بهدف ترويع المجتمع، لكي يكون وسيلة ضغط على النظام الحاكم الذي يصفونه بالفساد . ويؤكد د . عزب أن التنظيمات السرية التي تعمل من خلالها هذه الجماعات ترتكب كل أشكال الموبقات وكل من يخترقها يجدها تخالف كل ما جاء به الإسلام، فهم يمارسون حياة شاذة بعيدة عن الشريعة الإسلامية التي يتشدقون بالقتال من أجل تطبيقها حيث تتعدد علاقاتهم المحرمة فيتزوجون ويطلقون بعيداً عن تعاليم الشريعة، ويستحلون كل الحرمات كما فعل "داعش" في العراق من أسر النساء وبيعهن، وغير ذلك من السلوكات الشاذة التي لا يقرها دين ولا قانون ولا عرف .
لا علاقة لهم بالإسلام
وأرخص شيء في نظر قادة هذه الجماعات هو الإنسان، ولذلك يزهقون أرواح الأبرياء ويعدمونهم من دون محاكمة استناداً إلى مبررات واهية، ولا يفرقون بين بريء ومتهم، ولا بين عسكري ومدني، ولا بين مسؤول ومواطن بسيط، ولذلك تعددت جرائمهم ضد المدنيين فقتلوا وذبحوا في مشاهد مأساوية شاهد العالم كله جانباً منها، الأمر الذي شوّه صورة الإسلام في نظر البعض حيث مازالت وسائل الإعلام الغربية تطلق على هؤلاء أسماء إسلامية لتقول لجماهيرها: هذا هو الإسلام وهؤلاء هم المسلمون .
هذه الجرائم المتكررة التي ترتكبها هذه الجماعات المارقة تؤكد - كما يقول رئيس جامعة الأزهر - أن هؤلاء لا علاقة لهم بالإسلام وأنهم إرهابيون وليسوا متطرفين فالتشدد الديني له حدود، ولو عرف المنتمون لهذه الجماعات أبسط تعاليم الإسلام ما ارتكبوا هذه الجرائم، لأن حياة الإنسان في نظر الشريعة الإسلامية لها حرمة والدماء معصومة إلا بحقها، وليس هناك ما يبرر قتل أبرياء، وإراقة دماء، وتخريب منشآت، وإتلاف زراعات، وترويع آمنين تحت شعار التغيير ومواجهة الفساد .
وينتهي د . عزب إلى ضرورة مقاومة هذه التنظيمات السرية المسلحة، التي تزعم الجهاد من أجل تحرير الشعوب العربية من حكامها الفاسدين والظالمين - كما يقولون - التي تتعدد مسمياتها في بلادنا العربية، وتبايع أفرادها وعناصرها على الولاء والطاعة، فهي نكبة على الإسلام والمسلمين، ولا تعمل من أجل دين ولا من أجل وطن، لكنها تستهدف مصالح وأهدافاً سياسية واقتصادية وتحركها قوى تتآمر على الإسلام والمسلمين .
ويقول: لقد اتضح أن هدف هذه الجماعات التكفيرية هو الوصول إلى كراسي الحكم وليس تطبيق شرع الله كما يدعون، ومبايعة عناصرها لشخص ليكون أميرهم وقائدهم هي مبايعة غير مشروعة، فالبيعة في الإسلام عهد بين الشعب والسلطة الحاكمة للتعاون على استقرار المجتمع وتحقيق مصالحه، وسلطة شيوخ التكفير وقيادات الإرهاب غير مشروعة، لأن عقولهم خربة، وضمائرهم ميتة، وهم لا يصلحون للقيادة، ولا يجوز لأحد مبايعتهم ولا السير خلفهم، ولا طاعتهم فيما يأمرون به، ويدفعون الناس إليه، فهم من البغاة والخوارج والمحاربين، الذين يشكلون جماعات وتنظيمات سرية تلحق أبلغ الضرر بالإسلام والمسلمين .
جدل فقهي
خبير شؤون الجماعات الإسلامية، مؤسس الجماعة الإسلامية في مصر، د . ناجح إبراهيم، يبرئ المذاهب الإسلامية عامة والمذهب الحنبلي، خاصة من أتباع الفكر التكفيري الذين يحاولون نسبة أنفسهم إليه، حيث اختلط الأمر على البعض وينسبون كل مظاهر التشدد والتطرف والعنف والفكر التكفيري الذي يعتمد على التأويل بالباطل والفهم الخاطئ للنصوص الشرعية حتى وصل "الحول الفقهي" لديهم إلى استباحة أهل الملة وعدم مقاتلة أهل الكتاب بحجة أنهم أهل ذمة ولهم عهد يجب الوفاء به حتى لو كانوا من الصهاينة الذين احتلوا فلسطين وشردوا أهلها، ولهذا صدق فيهم قول النبي، صلى الله عليه وسلم: "يخرج من بين أمتي قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" .
وعن إمكانية إجراء مراجعات فقهية معهم مثل التي تم إجراؤها مع أتباع الفكر التكفيري التابع للجماعة الإسلامية في مصر، قال الدكتور ناجح إبراهيم: القضية ذات شقين: أولهما أنه يمكن إجراء تلك المراجعات مع الشباب المتحمس لدينه الراغب في المعرفة وتصحيح مساره الفكري والتوبة، وهؤلاء بسبب أميتهم الدينية تم التغرير بهم وخداعهم بالشعارات البراقة مثل إقامة الخلافة الإسلامية واستعادة مجد الإسلام ولذلك ضلوا الطريق، وأمثال هؤلاء يجب إجراء مراجعات فقهية وفكرية معهم لأنهم في الحقيقة ضحية طالما لم تلوث أيديهم بالدماء، وهذه مهمة المؤسسات الإسلامية في مختلف الدول العربية والإسلامية من جانب . . إضافة إلى دور الدولة التي يجب عليها إيجاد فرص عمل لهم، وتوظيفهم لأنه كما قال الفاروق عمر: "إن اليد خلقت لتعمل فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً" .
أما الفريق الثاني من التكفيريين فهم عتاة التشدد والغلو الذين استحلوا ما حرم الله من الأرواح والأموال والأعراض، فأمثال هؤلاء لا يجدي معهم الحوار لأن من حمل السلاح فله السلاح، ويجب القصاص الشرعي منه بالقتل على يد ولي الأمر وليس عامة الناس حتى لا نقضي على الفتنة بفتنة أكبر .
ويتعجب الدكتور ناجح إبراهيم من استدعاء هؤلاء التكفيريين المعاصرين لفكرة رفع المصاحف في الثورات العنيفة والدموية التي يدعون إليها، رغم أن هذه الفكرة كانت أيام الإمام علي بن أبي طالب من أجل وقف القتال، ومنع إراقة الدماء وليس إعلان المبارزة بين المسلمين تحت مسمى "الثورة الإسلامية الكبرى"، ويقول: أدعو هؤلاء التكفيريين إلى تأمل ما روته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- "أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا"، وقوله كذلك في حديث آخر: "يسّروا ولا تعسّروا وبشّروا ولا تنفّروا"، وأنا على يقين من أنهم لو فعلوا ذلك لجنبوا البلاد والعباد كثيراً من الدماء البريئة، ولما وقعوا في الفتنة التي لعن الله من أيقظها .
عقول مغلقة
الفقيه الأزهري الدكتور سعد الدين هلالي، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، يعبر عن معاناته مع التكفيريين ويذكر بعض صفاتهم وخصائصهم ونماذج من صور التأويل الخاطئ للنصوص الشرعية التي يستندون إليها في تكفير الأمة كلها، بحيث لا يبقى على ملة الإسلام إلا هم، فيقول: أنا أحد العلماء الذين اكتووا بنار التكفير عقب إصداري بعض الفتاوى، إذ أحلّوا قتلي، وهذا ناتج عن جهلهم بالإسلام عامة وما يتعلق بالتعددية الفقهية، وعدم الفهم الصحيح لأقوال الفقهاء القدماء والمعاصرين بل للآيات القرآنية، خاصة ما يطلق عليها آيات الحاكمية، فقد اعتمد المنادون بتطبيقها على خمس آيات في القرآن الكريم، ففي سورة المائدة الآيات (،41 ،44 45)، وفي سورة يوسف الآية (40)، وفي سورة الكهف الآية (26) ومن خلال الفهم الخاطئ لها كفّروا الأمة كلها حكاماً ومحكومين، ولما قال هؤلاء الخوارج التكفيريون للإمام علي بن أبي طالب: "لا حكم إلا لله"، قال لهم الإمام علي: "كلمة حق أريد بها باطل" . وأضاف هلالي: إن للتكفيريين أو خوارج العصر صفات ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهمها الجرأة على العلماء، بل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى كل من خالفهم في الرأي، ولو كان من الصحابة وأهل العلم، لأنهم اغتروا بصلاح ظاهرهم . . إلا أنهم يعانون فساد المعتقد أو الباطن، ولهذا وصفهم الرسول بقوله: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وقراءتكم مع قراءتهم وصيامكم مع صيامهم لكنهم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" . . ورغم هذه التقوى الظاهرية إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفهم بأنهم: "هم شر الخلق والخليقة"، ولهذا أجزم بما لا يدع مجالاً للشك في أنهم من أبغض خلق الله إليه .
وأوضح الدكتور هلالي أن شياطين التكفير زينت لهم شياطين الجن أعمالهم فلم يتوقفوا على آيات الحاكمية فقط إنما امتد الاستناد الخاطئ إلى بعض الأحاديث النبوية التي يحاولون من خلالها إثبات أنهم الفرقة الوحيدة الناجية من الأمة، وكأن الله أورثهم الجنة دون بقية المسلمين، وخاصة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، وفي بعض الروايات: "هي الجماعة" .
وأشار د .هلالي إلى أنهم استندوا إلى كل ما يعطيهم أفضلية دون بقية الأمة، حتى لو كان من الأحاديث الموضوعة، وتناسوا تماما الأحاديث النبوية التي جاءت بمواصفاتهم التي نراها متحققة فيهم بحذافيرها، وذلك لجهلهم بالكتاب والسنّة وسوء الفهم لمعانيهما، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنهم: "يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم"، ووصل الأمر إلى استباحتهم دماء المسلمين والمعاهدين واستحلال أعراضهم وأموالهم وأولادهم، ولهذا يجب قتلهم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن يقتلهم أو يقتلونه "طوبى لمن قتلهم أو قتلوه"، وقتالهم الإمام علي بن أبي طالب لإفسادهم في الأرض ومروقهم من الإسلام .
وأنهى الفقيه الأزهري كلامه مؤكداً أنه لا يجوز تكفير المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم ينكر من شرائع الإسلام الظاهرة المعلومة من الدين بالضرورة شيئاً مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولم يستحل أو ينكر تحريم المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، بل إن هناك أقوالاً للفقهاء في الذي يرتد عن الإسلام ولم يجاهر بذلك ولم يدع غيره إلى الردة بأنه لا يجوز قتله بل استتابته، سواء على المدى القصير أو الطويل، أما هؤلاء التكفيريون فيكفرون الجميع وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
مصيرهم الفشل
خبير شؤون الحركات الإسلامية، د . كمال حبيب، يدعو المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي إلى وضع استراتيجية مشتركة وتبادل الخبرات في محاصرة هذا الفكر، حتى لو كان القرار قتل عتاتهم مثلما فعل ذلك الإمام علي بن أبي طالب معهم عندما استحلّوا دماء أهل الذمة، بحجة أن ولي الأمر الذي أعطاهم العهد كافر، فقد حذرهم الإمام علي من الاعتداء على غير المسلمين الذين يقيمون في بلاد المسلمين، وبعث إليهم قبل أن يقاتلهم قائلاً: "بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً أو تقطعوا سبيلاً أو تظلموا ذمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء إن الله لا يحب الخائنين" .
وأشار حبيب إلى استخدامهم الأطفال في حروبهم التكفيرية، حتى إنه تم مؤخراً تخريج أول دفعة من الأطفال تحت مسمى "كتيبة التوحيد"، وهذا يذكرنا بوصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بأنهم "حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام"، ولهذا فإن مصيرهم المحقق هو الخزي ولن يقوم لهم سلطان لأنهم مفسدون في الأرض ومخالفون لشرع الله وسنّة رسوله- صلى الله عليه وسلم- الذي وصفهم بقوله: "ينشأ نشء يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع" . وأكد عبدالله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كرر جملة "كلما خرج قرن قطع" أكثر من عشرين مرة، وهذا تأكيد بأنهم لن يفلحوا أبداً .
وأشار حبيب إلى أن من يقرأ تاريخ الحركات التكفيرية يجد أن الفشل ملازم لهم، حيث إن فترات استمرارهم قصيرة مقارنة بتاريخ الدول، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يقيم هؤلاء دولة حتى لو نسبوها ظلماً إلى الإسلام تحت مسمى "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، بل إن تنظيم القاعدة - وهو الأب الروحي ل"داعش" - فشل في تكوين دولة في أفغانستان أو باكستان رغم قوة تواجده فيهما، وذلك لأن التنظيمات التكفيرية أقرب للفقاعات أو التفجيرات الفكرية التي تتم ترجمتها إلى بعض أحداث عنف وسرعان ما تستطيع الدول بما لديها من جيوش وشرطة نظامية محاصرتها والقضاء عليها .
ودعا الدكتور كمال حبيب إلى دراسة البيئة التي ظهر فيها الفكر التكفيري والتي تكشف أن أغلبها يعاني الفقر بمفهومه الشامل وليس المادي فقط، وكذلك الأمية الثقافية والدينية، والمرض البدني والفكري، ولهذا لا بد من تجفيف منابعه ليس بالسلاح فقط، وإنما القيام بإجراءات وقائية لأن الوقاية خير من العلاج، وألا نتركهم حتى يستشري خطرهم، ولا نكتفي بوصفهم بأنهم "كلاب النار"، ولا نقوم بمعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهورهم وانتشار فكرهم حتى وصل الأمر إلى أن بين صفوف "داعش" على سبيل المثال مقاتلين من أكثر من خمسين دولة منها دول أوروبية وأمريكية يعاني المسلمون فيها التضييق بسبب "الإسلاموفوبيا"، فوجدوا ضالتهم عند هؤلاء التكفيريين الذين حدثوهم عن عودة الخلافة الإسلامية مترامية الأطراف .
الإعلام غير المسؤول
وكيل الأزهر، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، الدكتور عباس شومان، يؤكد أهمية أن تتعاون المؤسسات الفكرية والثقافية والإعلامية مع المؤسسات الإسلامية لمواجهة التشدد الديني والتكفير بكل أشكاله وصوره، ويقول: لا ينبغي أن تبحث المؤسسات الإسلامية عن مبررات، فنحن مسؤولون لا شك في ذلك، لكننا لسنا وحدنا الذين نتحمل المسؤولية فلدينا إعلام غير مسؤول يروج لأصحاب الفكر المنحرف ويلمعهم في أدواته المختلفة، وما نبنيه من ثقافة تحذيرية من هؤلاء المضللين يذهب أدراج الرياح بسبب ترويج الإعلام للمتشددين والقتلة والمجرمين وإظهارهم أحياناً في صورة بطولية!
وقال شومان: مسؤولية مواجهة التكفيريين لا تقع على المؤسسات الإسلامية وفي مقدمتها الأزهر، فنحن نقوم بواجبنا مع تأكيدنا ضرورة مضاعفة الجهود، لكن هناك مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية، يجب أن تتعاون مع المؤسسات الإسلامية من أجل كشف هؤلاء الظلاميين وتحذير الناس منهم .
ويضيف: المؤسسات التعليمية عليها دور كبير في مواجهة الفكر التكفيري، إذ يجب أن تحصن التلاميذ والطلاب بمناهج تعليم إسلامية تحمي أبناءنا من ذكور وإناث من ضلال هذه الجماعات التي تستغل الخواء الفكري للأجيال الجديدة وتلتقطهم وتجري عمليات غسيل مخ لهم، وفي ظل غياب الثقافة الإسلامية الواعية يقع الصغار فريسة سهلة لهؤلاء المضللين، ولذلك رأينا صغاراً يحملون السلاح ويتدربون على أيدي مجرمي "داعش" في العراق وسوريا، ورأينا شباباً في عمر الزهور يفجرون أنفسهم في مركبات ومنشآت عسكرية ومدنية في سيناء بعد توظيف مجرمي جماعة بيت المقدس لهم .
فالتعليم مهم جداً - كما يؤكد وكيل الأزهر - لمواجهة بذور التطرف والإرهاب، ففي غياب المعرفة الدينية الصحيحة يظهر الفكر المغشوش وينمو التطرف بكل أشكاله وينتشر . وإلى جانب التعليم ورسالته المهمة في مواجهة الفكر التكفيري يظهر دور مؤسسات الفكر والثقافة التي يجب أن يكون لها دور واضح في مواجهة التكفيريين، حيث يؤكد د . شومان ضرورة أن يقوم المثقفون والمبدعون بدورهم في مواجهة الظلاميين، إلا أن مؤسسات الثقافة وجماعات الإبداع مشغولة بمشاجراتها مع الآخرين والمجتمعات العربية والإسلامية تواجه موجات تطرف وتكفير لم تواجهها من قبل .
وهنا يؤكد وكيل الأزهر ضرورة أن تعمل مؤسسات الثقافة والإبداع في إطار أخلاقي من دون معاداة للدين ورموزه، لأن التطاول على المؤسسات الإسلامية وما فيها من علماء ودعاة يوفر مناخاً خصباً للتكفيريين الذين يروجون بين البسطاء ويحاولون إقناع ضحاياهم بأن الدين مستهدف من قبل المثقفين ولا بد من التصدي لهم للدفاع عنه .
لذلك يؤكد د . شومان ضرورة حجب كل ما يعادي الدين من منتجات ثقافية، فالمواطن العربي يرتبط بدينه ويرفض ويدين كل صور الاستهانة به حتى لو كان هذا الإنسان غير متدين .
فضائيات الإثارة
ويحمل الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر الإعلام مسؤولية كبيرة، حيث يرى أن بعض وسائل الإعلام خاصة الفضائيات التي تبحث عن الإثارة لها دور كبير في الترويج للتكفيريين، حيث تستضيفهم وتترك لهم فرصة التطاول على علماء الإسلام المعتدلين، ويقول: حدث هذا في مصر على مدى السنوات الثلاث الماضية ورغم تحذيرنا من استضافة هؤلاء والترويج لأفكارهم فقد صم المسؤولون في هذه الأدوات الإعلامية آذانهم عن الاستماع للنصيحة وتصحيح مسارهم وأصروا على باطلهم، وقد شاهدنا في الفضائيات المصرية التي تبحث عن مشاهدين كل صور الاستهانة بالدين وعلمائه، فضلاً على الدعوات الهدامة والأفكار الشاذة التي ترددت عبر الفضاء ودخلت بيوتنا .
ويؤكد د . شومان ضرورة محاصرة دعاة التشدد والغلو في المساجد، ومنعهم من توظيف منابر الدعوة لتوصيل فكرهم التخريبي إلى عقول الناس، ويقول: لا بد من منع هؤلاء المنحرفين من صعود المنابر واحتلال المساجد، وهذا ما فعلته وزارة الأوقاف المصرية على سبيل المثال، فقد حررت الوزارة مئات المساجد التي اتخذ منها المتشددون والتكفيريون محميات طبيعية لهم ونشروا من خلالها فكرهم المنحرف، كما ينبغي منع هؤلاء المتشددين والتكفيريين من استخدام وسائل إعلام ذات تأثير قوي مثل الفضائيات، وهذا ما حدث أيضا في مصر وبعض البلاد العربية خلال الشهور الماضية، حيث تم إغلاق منابر التكفير الفضائية التي نشرت على مدى سنوات مضت فكر المتشددين والتكفيريين .
ومن وسائل وآليات المواجهة التي يراها وكيل الأزهر ضرورية نشر دعاة الوسطية والاعتدال في كل المساجد ليبصروا الناس بأحكام وتعاليم دينهم، حيث يؤكد أن مساجدنا في أمسّ الحاجة إلى علماء ودعاة مستنيرين يدركون حقائق الدين الإسلامي الوسطي المعتدل وينقلون مفاهيمه الصحيحة للناس، وهؤلاء العلماء والدعاة موجودون في كل البلاد العربية وليسوا عملة نادرة كما يزعم البعض .
أيضاً لا بد من وجود خطط دعوية مستنيرة تهتدي بما رسمه لنا القرآن الكريم الذي لم يترك واجب الدعوة إلى الله يسير وفق أهواء الداعين إلى الإسلام، من دون ضوابط وقواعد تنظم هذا العمل وتضبط إيقاعه ليحقق أهدافه السامية من دون تجاوزات أو خروج على المنهج القرآني .
وينتهي الأمين العام لهيئة كبار العلماء بالأزهر إلى مطالبة دعاة الإسلام في كل مكان من عالمنا العربي بمضاعفة الجهود لإيصال صوت الإسلام الحقيقي إلى العالم كله، ولتحصين أبناء المسلمين من فكر الجماعات المنحرفة .
المرض في جسم الأمة . . والعنف لا يعالج بالعنف
د . علي لاغا *
إن إزالة أي مرض أو خطأ تتطلب العودة إلى الأسباب وبمعالجة الدوافع تتوقف تداعيات السلوك الخطأ أو يذهب المرض .
إن حوار الطرشان غير مفيد ولا يأتي بخير، تكاد تكون المرة الوحيدة عبر التاريخ أو من النوادر أن تقع فتنة يكون فيها القاتل والمقتول وما يتم تدميره وكلفة أثمان أدوات القتل والتدمير هي للجهة نفسها، أي أن القتلة والمقتولين أشقاء وأبناء وطن واحد، وكل ما يتم تدميره مع التكاليف الباهظة هي ملك هؤلاء ومن مدخراتهم هم أنفسهم، وكأن اللعنة التي حلّت على عصاة بني إسرائيل في تيه سيناء: "أن اقتلوا أنفسكم"، هي نفسها تحل في مجتمعنا وبأنبل بشر من أُمتنا .
إن هذا أمر لا يعالج بعجالة ولا بالتنابذ بالألقاب، إنما لابُدّ لأولي النهى والرؤى الثاقبة أن ينكبوا على دراسة الظاهرة بكل مسبباتها وتداعياتها، ومعالجتها بروح من الأبوة والمسؤولية التي إن لم يقم بها من لديهم المقدرة هم بمثابة شركاء فيما يحصل .
إن حوار الطرشان يحصل عندما يحسب كل فريق أنه على الحق وأن غيره ظالم ومغتصب أو منحرف .
وهكذا، فإن استدرار مصطلحات من مجتمعات أخرى مثل: التكفيري - الإرهابي - الأصولي- المخرب، وتبادل التراشق بها من وإلى، ظاهرة تدل على عدم وجود عقلاء بين المتخاصمين، وعلى الجهة التي تبث إعلامها لغير وجه الله تعالى . . وإنما لمصلحة الشيطان .
ولهذا يجب التركيز على ما يلي:
1 التكفير: مصطلح جاء عقب حروب الإصلاح الديني في أوروبا ويوجد مستند في الإصحاح الثالث عشر من سفر تثنية الاشتراع . والشريعة الإسلامية عرفت الردة، لكن التعامل مع المرتد له ضوابط قلما تسمح بمعاقبته، لأنه يكفيه إنكار الردة أو التلفظ بالشهادة ولو كانت تقية، هذا إذا كان مسلماً بالأصل، وغير المسلمين في مجتمع المسلمين لهم حرياتهم وحقوقهم التي يتمنى المسلمون اليوم ان يحصلوا على مثلها ولو في مجتمع مسلم يحكمه مسلمون .
2 الإرهاب: أو التخريب أو الأصولية terrorisme fundamental التي تعني الأساسي، وهذه من مخلفات الحروب الدينية (المذهبية في أوروبا)، بين البروتستانت والكاثوليك، والأرثوذكس والموارنة في بلاد الشام من قبل .
صحيح أن المسلمين عرفوا الفتن الداخلية (الخوارج أهل تكفير) لكن للمسألة ضوابطها، وعند التوغل في أسبابها نجد أن المضريين استأثروا بالسلطة وخيراتها دون الربعيين، والحرمان أدى بالربعيين إلى العنف في فهم الشريعة إلى الحد الذي أوصلهم، أنه إذا قبضوا على المسلم ولم تعجبهم أجوبته يقتلوه، بينما المشرك وغير المسلم يعلمونه الإسلام ويوصلونه إلى المكان الآمن الذي يريد . بكل بساطة إنه الحرمان، وقد تم تحويل بعض قادتهم من العنف إلى الدعة والرقة بعدما أغدقوا عليه بكثير من النعم .
وبناءً على ما تقدم، تتوجب دراسة الظاهرة ومعالجة مسبباتها وليس استفزاز شريحة كبيرة من الذين يعانون الظلم والاضطهاد والحرمان في أمكنة أخرى يتم تحدي مشاعرهم وتسفيه تاريخهم الذي يعتزون به،إنه هويتهم وإن فهموا بطريقة غير سليمة .
إن برامج السخرية والاستهزاء وتحدي المشاعر والأعراض أمور ليست في مصلحة استقرار المجتمع وتنميته .
فالمرض في جسم الأمة والعنف لا يعالج بالعنف كأن يقول أحد المتكلمين في فضائية عربية: لا يوجد أسوأ من الديانة الإسلامية، إنها تسبب العقد النفسية لمن يعتنقها، وآخر وهو وزير في دولة عربية يهدد احد قادة المجموعات: إما أن تفعل كذا . . أو نترك زوجتك ليلة مع فلان . . هذا عدا عن المسلسلات الساخرة مما يعتبره المسلمون أساساً في ثقافتهم وأداء شعائرهم والالتزام بالسنة، التي لم يبق منها إلا المظاهر .
3 إن ظلم الحكم مقدمة لظهور مجموعات رافضة وثائرة، وبالتالي فإن سوء أداء المسؤول سبب في نشوء ظاهرة العنف، وعليه بالتالي تحمل تبعات ما يحصل، وإن عدم إشباع المواطنين وتأمين فرص العمل ودفع التنمية صعوداً، وإيجاد مشاريع للمواطنين تشغلهم وتفجر طاقاتهم، إن عدم حصول ذلك وأكثر يعتبر بمثابة مشاركة في بروز ظاهرة العنف .
4 إن الإعلام الموجه من قبل أعداء المجتمع والذي يبث على مدى 24 ساعة سمومه وأفكاره الدكناء وفتنه، ولم يكلف أصحابه أنفسهم ولو ساعة واحدة في اليوم إعداد برامج وردية تضيء ظلمة الدرب أمام الشباب، إنه مشارك أيضاً بظهور العنف . وإن الدول الطامعة بخيرات بلادنا، ولا يتحصل لها ذلك إلا بتدمير مجتمعاتنا عبر فتنها وحروبها المستمرة هي مشارك أساس في ظهور العنف، إن بإبقاء الحكم بأيادٍ متحكم بها وبالتالي يُفرض عليها بشكل أو بآخر ممارسة الظلم والاستئثار والفساد، أو بتسليح الفريق الآخر، وتقديم كل ما يلزم له لمقاومة الفريق الحاكم بدعوى التحرير والعدالة، كل هذه عوامل وغيرها تودي بالمجتمع إلى ما وصلنا إليه .
إن الشباب الذي يعيش في بلاد الاغتراب، وتؤثر فيه الأخبار التي يسمعها والمجازر التي يراها عبر الفضائيات في بلاد آبائه، يتطوع للحرب ضد تلك التي تمارس الظلم وهو واثق من أنه يدافع عن أُمته من دون دراية منه أنه وقع في الفخ الذي نُصب له ولأمثاله من الشباب، هذا إذا استثنينا أولئك الذين تم تجنيدهم من قبل أجهزة مختصة في تدمير مجتمعنا كي يسهل عليهم نهب ثرواته والحؤول دون معافاة هذه المجتمعات .
إن المسألة في غاية التعقيد وليست بهذه البساطة، فمواجهة ظاهرة سيئة تستلزم معالجة مسبباتها .
إن الحكم ببراءة شرطي أبيض قتل شاباً أسود أحدث هيجاناً ومظاهرات وعنفاً في الولايات المتحدة الأمريكية، فمن المسبب للذين تظاهروا ومارسوا فوضى وعنفاً أمام القاضي الذي أصدر الحكم الظالم؟
ومع ذلك، فإن السلطة في بلادهم لم تقل عنهم إنهم إرهابيون، إن القتل هو القتل، والحروب لها مشروعيتها، ومقاتل شعبه قاتل، وظالم شعبه يتسبب في ردات الفعل العنفية، وأن يشرع قتل جهة للشركاء في الوطن بينما تعتبر ردة الفعل إرهاباً، هو الإرهاب بعينه . فالعدل أساس الملك والعدل يرضي الجميع، وإذا بقي منحرفون فإنهم يعالجون بأساليب خاصة ومدروسة ومشروعة .
* كيف ننقي الثقافة الرائجة للدين من أي تطرف؟
يحصل ذلك عندما ينشغل المواطنون بمشاريع تؤمن لهم عيشاً كريماً، أو يتم العمل على تحقيق أحلامهم والتخطيط لمستقبلهم، ومع أنه قد تكون السلطة مغلوبة على أمرها، كما هو حاصل في عالمنا الإسلامي، (العالم الثالث عموماً)، فإنه بإمكانها أن تجد مساحات ترضي فيها شعبها .
* ما الجهات التي يجب أن تتولى هذا الأمر؟
تغيير المناهج وإعلاء قيمة المنهج التجريبي، وهذا يحتاج إلى خبراء لم يتربوا على مناهج عقيمة، وإعادة شرح الشريعة للحياة وليس للإقصاء والإبعاد، والعودة إلى العصور الوسطى التي حصلت فيها الحروب بين الكنيسة وأهل العلم في أوروبا .
إن تجربة العلماء في أوروبا ثرية ويجب الإفادة منها، لقد قدموا مشاريع وبدائل ولم يكونوا طُلاباً للكراسي فقط، بينما الأمر عكس ذلك .
إن المدرسة والجامعة ومراكز البحث العلمي، وسلطة عالمة مؤهلة، وشعباً تم تثقيفه وتعليمه بحيث ترفع قيمة الفضيلة والنظام العام . . كل ذلك ممن يجب عليهم إصلاح الواقع .
* كيف يمكن تجديد الفكر الديني لمواجهة ظاهرة الإرهاب؟
المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لذلك فإن الفكر الديني ليس سبباً فيما يحصل، وإن كانت تعتريه شوائب كما تقدم، إن ما يحصل أمر دبر في ليل والمستهدف الأول فيه الدين الإسلامي، هذا الدين الذي خدم البشرية لما يزيد على الألف سنة أو يزيد . إن ما يحصل لا علاقة له بالدين، إنما يلبس بلباس الدين، وليس في القوم من تمسك بالحق وحال بين الأعداء وتشويه هذا الدين .
إن ربط الدين الإسلامي بما يحدث إنما هو تكوين انعكاس شرطي - الذي يطبق على الحيوانات - على المسلمين وغير المسلمين، حتى كلما ذكر الإسلام تلازمت معه صور العنف والقتل والتدمير .
إن هذه مسؤولية يتحملها كل المشاركين في رقصة الموت، السلطة عندما تظلم ولا تحضر لشعبها مشاريع تنموية، والذين يقومون بردة الفعل "الثورات"، من دون إدراك منهم بأنهم يحققون مآرب أعداء دينهم وأمتهم .
* مدير مركز البحث العلمي في جامعة "الجنان" الإسلامية في طرابلس
د .محمد مختار جمعة: تطبيق منهج الإسلام واحترام آدمية الإنسان
وزير الأوقاف المصري، د . محمد مختار جمعة، يؤكد أن هذا الجماعات التي توظف الدين لتحقيق أهدافها الرخيصة تستغل غير المثقفين دينياً والمهمشين اجتماعياً ليكونوا وقوداً لجرائمها، ويقول: الدراسة المستوعبة لمناهج جماعات العنف في بلادنا العربية تكشف عن وسائل اختراق متنوعة لعقول الشباب تعتمد عليها هذه الجماعات منها: تكفير المجتمعات العربية والحكم على أنظمة الحكم فيها بالكفر حتى يسهل استقطاب المتحمسين دينياً من الشباب وهم يخدعون ضحاياهم بضرورة اللجوء إلى العنف تحت ستار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ويزينون لهم حمل السلاح لتغيير هذا المنكر بعد تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الخاصة بالتغيير وفق أهوائهم .
ويرصد د . جمعة ظاهرة غسيل المخ التي يقوم بها الإرهابيون لضحاياهم، وأساليب تجنيدهم إرهابيين جدداً، والعمل على ضرب شبكة محكمة حولهم، بما يجعل من الصعوبة بمكان على أي منهم الخروج أو الإفلات من براثنها، فيقول: من أساليب وطرائق اصطياد التكفيريين لضحاياهم التركيز على المهمشين اجتماعياً والمحطمين نفسياً، فيأتون إلى شاب ينظر أقرانه إليه نظرة انتقاص واحتقار، لوضاعة في نسبه، أو طعن في أسرته، أو تاريخ أسود لها، فيجعلون منه مسؤولاً أو منسقاً أو زعيماً أو أميراً أو قائداً لمجموعة مسلحة، فيحدثون لديه امتلاء نفسياً وسداً لعقدة النقص التي لديه، وقد يكون هذا الاصطياد إثر تعرضه أو تعرض أحد والديه أو أقاربه لمعرة أو مذلة أو مهانة .
ويرى وزير الأوقاف المصري أن إغلاق هذه الثغرة في وجه التكفيريين والإرهابيين عن طريق تطبيق منهج الإسلام باحترام إنسانية الإنسان وآدميته، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" .
ويشير د . جمعة إلى فئة أخرى يسهل اصطيادها من جانب الإرهابيين، وهي فئة المحرومين والمهمشين، خاصة الجهلة والفاشلين وغير المتعلمين منهم، حيث يَنفذون إليهم في لحظات حرمانهم أو يأسهم أو إحباطهم، ونتيجة للأموال الحرام التي تتدفق على المنظمات الإرهابية، فإنها تغدق على هؤلاء بما يشبع حرمانهم، ويجعلهم يلهثون خلف هؤلاء المخادعين الذي ينفذون إليهم من باب أنهم رسل العدالة وحملة الدين الذين يسعون إلى إحقاق الحق والعدل وتطبيق شرع الله الذي يكفل لهؤلاء المطحونين حقوقهم، وهذه كلمات حق يريدون بها باطلاً . . وسد هذا الباب يكون بأمرين أحدهما: إعطاء أولوية قصوى في التنمية للمناطق الشعبية والعشوائية والطبقات الكادحة والمهمشة والمحرومة والقرى والنجوع والكفور والعزب والأحياء الأكثر فقراً والأشد احتياجاً .
والطريق الآخر لسد هذا الطريق في وجه جماعات الإرهاب يتمثل في استنهاض همم الجمعيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وأهل الفضل من أبناء المجتمع للوفاء بحق هؤلاء من زكاتهم وصدقاتهم، مؤكدين أن كفاية هؤلاء المحتاجين بإطعام كل جائع منهم، وكساء كل عار، ومداواة كل مريض، وتفريج كروبهم، من فروض الكفايات التي يجب أن نتضامن ونتعاون جميعاً في قضائها، مرضاة لله عز وجل أولاً، وحفاظاً على أمننا القومي والوطني ثانياً .
وهنا يؤكد وزير الأوقاف المصري ضرورة فتح منافذ إنقاذ لمن وقعوا في مستنقع الجماعات الإرهابية ويريدون الخروج منه، ويقول: يعلم الجميع أن الإرهابيين إذا ما أمسكوا صيداً أحاطوه بشباكهم،بحيث يصعب عليه الإفلات منها إما خوفاً أو طمعاً، رهباً أو رغباً، خوفاً على حياته وحياة أبنائه إن كان له أبناء، وعلى تعرض أسرته أو أمه أو أخته أو ابنته لما لا يحب إن فكر مجرد تفكير في الرجوع إلى صوابه، حيث يعمد كثير من التنظيمات الإرهابية إلى تصفية من يفكر في الخروج عليها، خشية افتضاح أمرها أو كشف مخططاتها .
ولذلك ينبغي عدم ترك من يتأكد للمجتمع بما لا يدع مجالاً للشك رجوعه عن زيغه وضلاله ورده إلى صوابه حتى لا يقع فريسة لهؤلاء المجرمين مرة أخرى، على أن يظل تحت رقابة مجتمعية صارمة بما يحول بينه وبين الاتصال بهذه التنظيمات المارقة ومنع التفاف عناصرها حوله أو الاتصال به من جديد . . كما أن المنظمات الإرهابية بما تملك من تمويل هائل توفر لأعضائها، خاصة القياديين منهم، إما أموالاً طائلة وإما مشروعات يديرونها، ويوظفونها لأنفسهم ولدعم الإرهابيين وأسرهم، بحيث يجرد من يخرج على جماعته من كل المكاسب المادية التي توفرها هذه الجماعات لأعضائها والمنتسبين إليها .
ولذلك يجب تتبع هذا المال الأسود القذر الخبيث ومصادرته، وسن القوانين التي تحول دون وصوله إلى أيدي الإرهابيين أو استخدامه في تمويل العمليات الإرهابية، مع ضرورة مراقبة حركة التحويلات المالية من الخارج مراقبة دقيقة، وسرعة حصر أموال هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها قانوناً، بما يحول دون توظيفها للهدم والتخريب ._
نهوض عربي إسلامي ثقافي ديني فكري
د. رضوان السيد
كيف يمكن تجديد الفكر الديني لمواجهة الفكر الظلامي والجماعات الأصولية؟
تجديد الفكر الديني ضرورة قصوى الآن، لا بل إن ذلك كان مطلوباً قبل عشرين عاماً، لكن ذلك لم يحصل، بل إن ما حصل عكس ذلك، بمعنى أن الفكر الديني المتشدد سواء أكان مقاتلاً أم غير مقاتل، تفاقم في السنوات العشرين الأخيرة تحت وطأة التطورات سواء واصل الفكر الديني نفسه أو في الظروف المحيطة، ففي الفكر الديني نفسه ازداد صعود فكرة الدولة الدينية التي سُميت "الدولة الإسلامية" وتطبيق الشريعة . وجرى الحديث عن تطبيق الشريعة، وفي المحيط اشتدت سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وغزواتها قبل اصطدامها ب"القاعدة" وبعد اصطدامها، وازداد فشل الدولة الوطنية العربية والدول التي سادت فيها العسكريات والأمنيات، وازداد التدخل الإيراني في الدول العربية وهو تدخل طائفي باسم "ولاية الفقيه" وتصدير الثورة و"نصرة التشيّع"، فاجتمعت علينا أربعة ظروف هي: التشدد داخل الإسلام، والتدخل الأمريكي، والتدخل الإيراني، وفشل الدول الوطنية العربية أو الدول العسكرية والأمنية العربية، وبخاصة دول العسكريات والأمنيات السائدة منذ خمسين عاماً .
أما الآن، فانفجر الإسلام بسبب هذه الظروف الأربعة، بالتوازي مع المواجهة العسكرية والأمنية ومع التشديد على تغيير سياسات الولايات المتحدة وتغيير السياسات الإيرانية، وبهذا يكون علينا أن نجدد فكرنا الديني بأسلوبين:
أولاً: النهوض الفكري والثقافي ونقد الأطروحات الأصولية، وفي الوقت نفسه نقد الأطروحات العلمانية المتشددة .
ثانياً: إعادة بناء المؤسسات الدينية لتستلم المهام التي أخذها منها الأصوليون، أعني مسألة وحدة العبادات، والتعليم الديني والفتوى ومسألة الإرشاد العام، وهي المهام التي كانت تقوم بها المؤسسات الدينية واستلبها منها الأصوليون، كما استلبتها منها الأنظمة العسكرية والأمنية . الانفجار الذي حدث، حصل في الدول والمجتمعات والمؤسسات الدينية نفسها بسبب ضعفها، ولذلك هناك هاتان الخطوتان المتوازيتان المطلوبتان:
1 نهوض عربي إسلامي ثقافي ديني فكري .
2 تقوية المؤسسات الدينية وإصلاحها بحيث تتسم بالكفاءة وتركز على إعادة استلام ملفاتها التي أهملت أو ضاعت من يدها في المرحلة الماضية .
كيف نواجه الفكر التكفيري: الآليات والوسائل؟
الفكر التكفيري لا يمكن مواجهته إلا بالأسلوبين اللذين ذكرتهما:
بالنهوض الفكري لنقد هذه الأطروحات ونقضها حول ثقافة الولاء والبراء، وثقافة العنف باسم الدين، وإحلال وتقوية المؤسسات الدينية الرافضة بمبدئياتها وممارساتها لمسائل التكفير، هذا التكفير الناتج عن متغيرات في الداخل السني والشيعي .
في داخل الإسلام السني صعدت تيارات متشددة، ليس من الضروري أن تكون عنيفة بشكل مباشر، لكنها متشددة تقصي الآخر وتهمشه وتعتبر العالم عالم فسطاطين، كما قال أُسامة بن لادن، فسِطاط الإيمان وفسطاط الكفر، وهناك خطوة قصيرة بين هذه الأطروحة وبين اللجوء للعنف لمقاتلة فسطاط الكفر، والخطير في المسألة أنه جرى داخل الإسلام السني بين المتشددين وغيرهم، وبين الإسلام السني والإسلام الشيعي الذي تقوده إيران، وهو إسلام تكفيري أيضاً، بل إنه من أسباب صعود الاتجاه التكفيري في الإسلام السني . فتصدير الثورة لا يقوم على أطروحة ليبرالية وديمقراطية، أو حتى ثورية بالمعنى القديم للثوريات بل يقوم على أطروحة دينية، حتى ولاية الفقيه التي صرح بها حسن نصر الله و"سليماني" وكل الذين يقاتلون الآن في الدول العربية من الميليشيات الإيرانية ومن ذلك ما صرح به مراراً حسن نصر الله من أنه يذهب إلى سوريا لحماية مراقد آل البيت مع أن مراقد آل البيت ليست مهددة، ولكنه يريد أن يعمل حشداً شيعياً باسم الدين فإيران تقود حملة تكفيرية عنيفة ومسلحة في العالم العربي وجماعة "داعش" وجماعة "النصرة" تقودان حملة تكفيرية أخرى ضد السنة الآخرين وضد الشيعة الذين يسمونهم روافض ومجوساً وأسماء أخرى كلها تدخل في باب النبذ والرفض والتكفير .
كيف ننقي الدين من الانحراف وشوائبه؟
لا أريد أن أُكرر ما قلته سابقاً ولكن التأويل الخاطئ لفهم النصوص بطريقة مخطئة ومحرّفة مضت عليه عقود ونشأت باسم هذا التأويل جماعات مثل السلفيات الجديدة والاخوانيات فصار هناك مؤمن وكافر بين المسلمين بمقتضى مبدأ الولاء والبراء .
وبسبب التأويل الخاطئ ظهرت الاخوانيات الداعية لتطبيق الشريعة عن طريق الدولة لأنهم يعتبرون الدولة أو النظام السياسي ركناً من أركان الدين وهذا غير معهود في إسلامنا السياسي لأنه يعتبر أن السلطة ليست ركناً من أركان الدين .
حدث في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي أن بدأت تظهر هذه الأطروحات التي تعتبر الشريعة غائبة عن النظام السياسي وكانت طبقات قلة، ولكنها نمت وتطورت وصارت أفكاراً بعضها مسلّم به في زمن فشل الدولة الوطنية العربية الملأى بالأمنيين والعسكريين وصارت تكافح الآن أمنياً ولكنها مكافحة لا تنهيها بل تزيد الضغوط، بحيث تظهر داعشيات أخرى، ولا بُدّ أن يقترن ذلك بإقامة الحكم الصالح، ومن جهة أخرى يحصل نهوض ديني ينحّي عن الدين ما ليس جزءاً منه في الحقيقة وإدخال الدين في هذا خطر على الدين قبل أن يكون خطراً على الدولة، لهذا قلت أن النهوض الفكري والنهوض الثقافي من جهة والإصلاح الديني من جهة أخرى، وتمكين المؤسسات الدينية من جديد كل ذلك يسهم في إضعاف هذه الظاهرة إلى درجة القضاء عليها .
لكن ذلك يتطلب النهوض الفكري والثقافي والإصلاح الديني ومؤسساته وإقامة أنظمة للحكم الصالح الذي يزيل أوهام الدولة الدينية، ويدفع الناس للتعامل معها، وزوال الأنظمة الطغيانية سبب أساسي من أسباب المشاركة، فلماذا سيركض المواطن وراء "داعش" أو "ابو بكر البغدادي" أو هذه الأطروحات الوهمية التي نمت عبر عدة عقود بسبب غياب أنظمة الحكم الصالح .
ما الجهات التي يجب أن تقوم بهذا الدور؟
الدور هو للمثقفين وعلماء الدين الوسطيين، هذا الدور أساسي وضروري، لم يجر القيام به أبداً من جانب المثقفين بينما حاول القيام به العلماء والمؤسسات الدينية ولكن على ضعف وعلى تردد، ولم يعد أحد يجرؤ على انكار المقولة الباطلة التي تقول إن الإسلام دين ودولة، فالإسلام دين وليس دولة، الدولة مهمتها إدارة الشأن العام وليس تطبيق الدين، والدين لا يحتاج إلى تطبيق لأنه مطبق بالفعل ونحن جميعاً مسلمون ونؤدي عباداتنا ونراعي الدين في تصرفاتنا، ولذلك فمسألة فارغة بالفعل أن نقول إن من مهمات الدولة الرئيسية تطبيق الدين كأننا جميعاً غير مسلمين، وكل هذا ناجم عن تحويرات المفاهيم، وقد غفل المثقفون الكبار وانصرفوا في المرحلة الماضية لنقد التراث والموروث وإبطاله بحجة ان هذا الموروث هو الذي يتسبب في سواد الفكر الأصولي الحالي، وان هذا الفكر هو ضد الموروث أكثر من اليساريين، لذلك هناك فهم خاطئ لهذه التيارات المتشددة وكأنها ضد الموروث وأن الموروث ضدها لأن المؤسسات الدينية ضدها، فلو كان التشدد ضد الموروث فكيف تقف المؤسسات الدينية ضدها؟
لذلك، يجب على المثقفين أن يقفوا ضد هذا الواقع وأن يزيلوا عن أنفسهم أوهام إزاحة الدين فلا يمكن إزاحة الدين من المجتمع، بل الذي يمكن هو إقامة النظام الثقافي والفكري والسياسي من أجل إقامة أنظمة الحكم الصالح الرشيد والمدني من أجل أن تقوم سلطة المثقفين التي ما قاموا بها من قبل ويجب أن يقوموا بها الآن . ويجب أن تقوم بها المؤسسات الدينية التي لم تقم بها على الإطلاق أو قامت بها بضعف .
* مفكر إسلامي
نحتاج إلى نشر ثقافة دينية مختلفة
د. طلال عتريسي
ظاهرة التكفير ليست جديدة . لقد عرفتها المجتمعات الإنسانية كافة . فقد ذهبت حركات فكرية وإيديولوجية عدة إلى "تكفير" الآخر الذي اختلفت معه . والتكفير هنا لا يقتصر على المستوى الديني، بل على مستوى اتهام الآخر بأنه تراجع عن تطبيق المبادئ أو الالتزام التام والحرفي بها . أو أنه يتهاون في هذا التطبيق بما يسيء للعقيدة أو الفكرة أو المذهب . وهذا ما يبرر الانشقاق (التكفيري) الذي عرفته الأحزاب العقائدية غير الدينية . والتكفير ببعده الديني عرفه المجتمع الإسلامي منذ بداياته الأولى مع حركة الخوارج الذين كانوا من أشد الناس حفظاً للقرآن وتلاوة له، فأباحوا لأنفسهم تأويل آياته وتفسيرها بما يروق لهم . وقد نتج عن هذا التأويل الذاتي والحرفي بداية نشوء ظاهرة التكفير التي التزمت حرفية النص القرآني .ولم تلتفت إلى علاقة هذا النص بمتغيرات الواقع الاجتماعي في الزمان والمكان .
كان من الممكن أن تبقى ظاهرة التكفير عادية وطبيعية لو اقتصرت على مجرد أفكار أو اتجاهات بعض المفسرين أو العلماء كما نشروها في الكتب أو ألقوها في محاضرات في مؤسسات تعليمية أو في معاهد دينية . لكن المشكلة أن هذا الاتجاه التكفيري لم يقتصر على مجرد الاعتقاد بذلك، بل تحول من إبداء الرأي بالقول، إلى إبداء الرأي بالسيف . أي قتال من يعتبرهم أهل الكفر داخل المجتمعات الإسلامية . هذا الانتقال من الرأي إلى السيف، هو الأزمة والكارثة التي تشهدها مجتمعاتنا العربية والإسلامية منذ بضع سنوات .
لقد تأثر أصحاب هذا الاتجاه بمرجعيات فكرية وسياسية وفقهية قديمة ومعاصرة، وأخذوا عن هذه المرجعيات آراءها في فهم النص، ولم يقارنوا بين هذا الفهم والواقع الاجتماعي الذي دعا أولئك الفقهاء أو العلماء إلى إصدار الفتاوى التي أصدروها، فعملوا بدورهم على نقل هذه الفتاوى إلى عصرنا الحالي التي كان من نتيجتها أن أصبح كل من يختلف معهم كافراً أو مرتداً . إن مقولة "قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد" التي قال بها ابن تيمية على سبيل المثال قبل قرون، وفي ظروف محددة، يأخذ بها الاتجاه التكفيري كما هي، بحيث يريدون قتال كل من يعتبرونهم كفاراً في داخل المجتمعات الإسلامية قبل قتال العدو الخارجي . . وهذه هي المصيبة الكبرى، لأن هذه الفتوى تعني تحويل الصراع إلى صراع ديني في داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وبالتالي تفجير هذه المجتمعات من الداخل، ومن المعلوم أن هذا النوع من الصراع لا ينتهي، ولا يستفيد منه إلا العدو الخارجي .
لم ينشأ الفكر التكفيري مع ظاهرة العنف الديني التي تشهدها البلدان العربية منذ بضع سنوات، بل يعود هذا الفكر إلى تنشئة ممتدة عبر العقود الماضية في المعاهد الدينية والمؤسسات التعليمية، وإلى ما يجري في المساجد من خطب ودروس ومواعظ تلقى على الحضور وطلاب العلم . وخلاصة هذه التنشئة كانت تتمحور حول تكفير الآخر استناداً إلى ما يعتبره أصحاب هذا الاتجاه صحيحاً في محاربة البدع . ومحاربة البدع هي قضية محورية لدى أصحاب الاتجاه التكفيري، لأنهم يعتقدون أن كل ما يقومون به من قتال أو "جهاد" أو "هجرة" إنما يهدف إلى محاربة البدع وإعلاء كلمة التوحيد، في حين أن "أهل البدع" المستهدفين هم الأغلبية العظمى من المسلمين ( . . .) .
أسهمت عوامل عدة سياسية واجتماعية في انتشار هذا النوع من تدريس الفكر التكفيري المنغلق والمتشدد . فقد كان هؤلاء يعملون في مؤسسات التعليم الديني بصمت ومن دون أي تدخل في الشؤون السياسية، ما جعل الاهتمام الثقافي والسياسي وحتى الأمني يتوجه نحو اتجاهات أخرى دينية وغير دينية لمتابعتها أو لمواجهتها . إلا أن ما حصل من تحولات سياسية متسارعة منذ الثمانينات، (احتلال أفغانستان) وما حصل بعد ما سمي "الربيع العربي" أخرج أصحاب هذا الاتجاه التكفيري من الظل إلى واجهة المشهد السياسي، فمنهم من أعلن المشاركة في الانتخابات، ومنهم من دعا إلى قتال الأحزاب غير الدينية، حتى إن بعض رموز هذه الأحزاب تم اغتيالها، كما حصل في تونس على سبيل المثال .
لهذا السبب فإن مواجهة هذا الفكر تحتاج الى:
- مناهج تعليم جديدة تُدرّس في معاهد ومؤسسات التعليم الديني وتخضع لرقابة حكومية مباشرة، على أن تركز هذه المناهج على رأي علماء الإسلام الذين يرفضون التساهل في قضية التكفير استناداً إلى الأحاديث وإلى الروايات والسيرة النبوية . ويجب أن تعالج المناهج هذه القضية بروح علمية ومنطقية . كما يجب أن تربط هذه المناهج قضية التكفير بالعصر الذي يعيش فيه المسلمون، بمعنى إعادة الاعتبار إلى الواقع في فهم النص وفي تطبيقه وليس العكس كما يريد أصحاب الاتجاه التكفيري الذين يريدون إخضاع الواقع للنص لتصبح الأغلبية العظمى من الناس كفاراً ولا يبقى في دائرة الإيمان إلا أصحاب هذا الاتجاه .
- المسألة الثانية في مواجهة هذا الفكر هي الاهتمام بما يجري في المدارس والثانويات والجامعات لأن الثقافة التي تنتشر اليوم في معظم هذه المؤسسات التعليمية في العالم العربي تتراوح بين اتجاهين: اتجاه ديني متشدد، واتجاه معاكس تماماً أي متحرر من الضوابط الدينية ومهتم بما يجري على وسائط التواصل الاجتماعي بعيداً عن الرقابة العائلية والأخلاقية . لذا، فإن الاهتمام بما يجري في الثانويات والجامعات من خلال التعليم والتوجيه الديني والأخلاقي المنفتح والعقلاني يمنع توجه الشباب في هذه المرحلة إلى التطرف ومنه إلى التكفير .
- المسألة الثالثة هي في مراقبة ما يجري في وسائل الإعلام، وعدم إتاحة الفرصة في هذه الوسائل لمن يدعو إلى التكفير والتطرف، بل ينبغي حث العلماء المعتدلين على المزيد من الحضور الاعلامي في المناسبات المختلفة، على أن يتخلى هؤلاء عن الأسلوب الوعظي الممل، وأن يستبدلوا هذا الأسلوب بما له علاقة بالواقع من جهة، وبما يحاكي طريقة تفكير الشباب وهواجسهم وأسئلتهم من جهة ثانية .
لا شك أن التراث الإسلامي مملوء بروايات غير موثوقة، وبأخبار كتبت في مراحل معينة خدمة لهذا الحاكم أو ذاك . ويكفي أن نراجع كتب التراث ليتبين لنا حجم الاختلاف حول هذه الرواية أو تلك . كما أن المشكلة أن البعض، كما هو حال الاتجاه التكفيري، يستند إلى روايات محددة ويعتبرها صحيحة، في حين لا يجمع عليها باقي علماء المسلمين (مثل قضية التكفير تحديداً)، وتنقية الدين من هذا الإرث مسألة صعبة ومعقدة، لأنها حتى لو حصلت لن تلزم الاتجاهات الفقهية والمذاهب المختلفة بما قد ينتج عنها . لذا، فإن الأمر يحتاج إلى مرجعية متوافق عليها بين المسلمين مثل الأزهر الشريف في مصر (الذي رفع راية التقريب في القرن الماضي ودرّس المذاهب الإسلامية كلها في مناهجه التعليمية) أو مثل منظمة المؤتمر الإسلامي التي يفترض أنها تمثل كل بلدان المسلمين في العالم أو هيئة العمل التربوي المشترك في جامعة الدول العربية، أو أي هيئات مشتركة من علماء المسلمين تعمل معاً وتجمع على رفض ما يفرق وما يدعو إلى التكفير وتجعل ذلك في مناهج دراسية وتعليمية .
لا شك أن الظروف السياسية المختلفة في داخل الدول العربية والإسلامية وخارجها لعبت دوراً لا يجب التقليل من أهميته في دفع الشباب إلى هذه الاتجاهات الدينية المتشددة والتكفيرية، لأن ما حصل في الدول العربية في السنوات الأربع الماضية من مشاريع للتغيير ترافق مع الفوضى وانهيار الأنظمة والجيوش وتراجع القبضة الأمنية القاسية التي هيمنت على الناس في العقود الماضية . . ذلك كله شجع أصحاب الفكر التكفيري على اغتنام الفرصة للتحرك على مستوى مواجهة النظام، وعلى مستوى نشر الدعوة وإعلان "الخلافة" من دون أي رادع وحتى من دون أي اعتبار لرأي الأمة التي يدّعون تمثيلها، والتي لا تعني لهذا الاتجاه شيئاً ولا حاجة له إلى الأخذ برأيها أو الموافقة على "خليفتها" .
إن قدرة الجذب لدى أصحاب الاتجاه التكفيري قوية، وهم يعتمدون على أحدث تقنيات التواصل، والمنشورات التي تصدر عنهم وتعبر عن رأيهم، مثل مواقع التواصل الاجتماعي والمجلات والأفلام، كلها تتمتع بتقنية فنية عالية تؤثر في المتلقي وتترك في نفسه إعجاباً بالمرسل والمضمون الذي أُرسل اليه . كما يعمل هؤلاء على المستوى النفسي أيضاً . وحتى استعراضهم لمظاهر العنف المفرط وعمليات الذبح البشعة والمقززة . . فإنهم يتعمدون القيام بها ونشر صورها لبث الرعب في قلوب الآخرين وإرهابهم . . وهذا يعني أن من العبث التعامل مع هذا الاتجاه بأساليب تقليدية مهما كانت المؤسسات أو الهيئات التي تريد أن تواجههم . والمطلوب هو العمل بالطريقة الحديثة نفسها في عرض الأفكار، وفي مواجهة ادعاءاتهم، وفي تبيان حججهم الواهية التي استندوا إليها في تراث الإسلام والمسلمين . الأمر يحتاج إلى تعاون بين العلماء من جهة، والخبراء في تقنيات التواصل من جهة ثانية، كما يحتاج الأمر إلى التعاون مع علماء النفس أيضاً أولاً لفهم الحالة النفسية التي يعيشها الشباب قبل التحاقهم بهذا الاتجاه، وثانياً لفهم الحوافز التي تدفعهم إلى القتل أو إلى الذبح . . وللتعرف إلى مدى تأثير البعد الديني التكفيري والأبعاد الأخرى الاجتماعية في هذه الحوافز .
إن مواجهة الفكر التكفيري لم تعد مسألة بسيطة . لقد انقضت عشرات السنين على بذور هذا الفكر في مؤسسات التعليم الديني وفي المساجد في البلدان العربية والإسلامية وخارجها في أوروبا وإفريقيا . . وليس من اليسير العودة إلى الوراء للقضاء على تلك البذور التى تحولت إلى مقاتلين يكفرون ويذبحون وهم يتطلعون إلى الجنة أو إلى الخلافة . . المواجهة تحتاج أيضاً إلى سنوات من أجل نشر ثقافة دينية مختلفة . . وإذا كان من الصعب تغيير أو تنقيح كل ما في التراث الإسلامي من شوائب فإن من الممكن التركيز في هذا التنقيح على قضيتي التكفير والخلافة، لأن الاتجاه التكفيري يستند إلى هاتين القضيتين في جذب الشباب وفي دفعهم إلى الموت (الشهادة) . أما العمل وفق الأساليب التقليدية التي لا تزال سائدة في كثير من مؤسسات التعليم الديني ولدى الكثير من العلماء ومن رجال الدين، أو الانتظار ريثما تتم تنقية كل التراث الديني من شوائبه . . فلن يؤدي سوى إلى المزيد من "هجرة" الشباب إلى ضفة التكفير ( . . .) .
* أستاذ علم الاجتماع وعميد المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية