أصبحت الهجرة التي يلجأ إليها الكثيرون في الوقت الحالي تشكل مصدر خطر يهدد أرواحهم ونذير شؤم لبلوغ أحلامهم التي يتطلعون إليها لتحقيق رغباتهم وإنجاز أهدافهم .
وأخذت قضية الهجرة غير الشرعية إلى دول أوروبا حيزاً كبيراً من النقاش السياسي والاجتماعي، مع مطلع الألفية الثالثة، لأنها أصبحت تشكل تحد ومشكلة إقليمية ودولية خصوصاً مع بداية العقد الثاني منه، وعلى الرغم من ذلك، فإن المهاجرين لا يتعظون بما يشاهدونه من مآسي وويلات أمواج البحر المتلاطمة التي تغرق مراكبهم المتهالكة، ومن تكتب له النجاة لن يجد ما كان يتمناه فماذا بعد الوصول ؟ هل ستكون النتائج إيجابية وتتحقق أمانيهم التي ظلوا يحلمون بها طوال فترة سفرهم وترحالهم ليلاً ونهاراً أم يواجهون الذل والمهانة .
تثير المأساتان الأخيرتان اللتين حدثتا خلال الأسبوعين المنصرمين، مجدداً مسألة تفاقم ظاهر الهجرة غير الشرعية عبر شبكات التهريب التي تنشط بين السواحل الليبية وجزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ورغم تعدد الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، فإن الدوافع واحدة، فمنها الاقتصادية، التي تأتي في مقدمة هذه الأسباب، فالتباين في المستوى الاقتصادي بين الدول المصدرة للمهاجرين، والتي غالباً ما تشهد افتقاراً إلى عمليات التنمية وقلة فرص العمل وانخفاض الأجور ومستويات المعيشة، ومعدلات البطالة والفقر، وما يقابله من ارتفاع مستوى المعيشة والحاجة للأيدي العاملة في الدول المستقبلة للمهاجرين، إضافة إلى عوامل اجتماعية وثقافية ونفسية وتاريخية تقف وراء هجرة العديد من الشباب العربي الذي تعاني بلاده الكثير .
ولكن في الأونة الأخيرة، ومع تزايد حالات البطالة وخصوصاً من الدول الإفريقية والشرق أوسطية التي أصبحت معاقل للتنظيمات الإرهابية، والحروب الإرهابية، وتعمل جمعيها على هروب الآلاف من الشباب والعائلات، وهذا الأمر لا تعانيه الدول المستقبلة فحسب بل تعانيه الدول التي توجد بها البؤر والمنافذ وخصوصاً تلك المطلة على البحر الأبيض المتوسط من مصر وليبيا والمغرب وغيرها، ومن ثم الانطلاق إلى أراضي الأحلام مثل أمريكا أو دول الاتحاد الأوروبي، والتي أصبحت تعيش هاجس المهاجرين غير الشرعيين، الذين يعانون الأمرين، مرارة الهرب من الأوطان على أمل إيجاد حياة أفضل تمكنهم من مساعدة أنفسهم وعائلاتهم .
بؤر انطلاقة المهاجرين
تعد ليبيا تاريخياً واحدة من أهم بؤر انطلاقة المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا، ونظراً لموقعها الجغرافي، والانفلات الأمني الذي عقب سقوط نظام معمر القذافي، وغياب مؤسسات الدولة، وانتشار الميليشيات المسلحة، جميعها تمثل عوامل محفزة للمهاجرين الأفارقة الذين يعانون سوء الأوضاع المعيشية وتدهور الخدمات الإنسانية في بلادهم . ولا تبتعد ليبيا عن جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، أكبر المناطق الإيطالية استقبالاً للمهاجرين غير الشرعيين، الذين يحاولون عبور البحر المتوسط في رحلة محفوفة بالمخاطر من أجل الوصول إلى أوروبا، سوى 300 كليومتر، وبساحل يبلغ طوله 1170 متراً . ويقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين، الذين يأتون إليها، ويتخذونها منصة انطلاقة بالآلاف وأغلبيتهم من الدول الإفريقية التي تربطها مع ليبيا حدود جغرافية بطول 5 آلاف كيلومتر مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس، والتي تنشط فيها شبكات التهريب .
والنيجر تمثل أكبر الدول المصدرة للمهاجرين إلى ليبيا، التي ينتقل منها آلاف المهاجرين عبر شبكات المهربين الذين يأتون بهم إلى منطقتي "الكفرة" التي تقع في الجنوب الشرقي وعاصمتها مدينة الجوف، و"سبها" التي تبعد 750 كم عن العاصمة طرابلس . وتعدان أهم بؤر تجمع المهاجرين في جنوبي ليبيا، ومن ثم الانطلاق إلى الشمال عبر الطرق الوعرة مروراً بالعمق الليبي . إضافة إلى مهاجرين من السودان وأريتريا وإثيوبيا وإفريقيا الوسطى هرباً من أوضاعهم وبحثاً عن أوضاع أفضل، وغيرهم من البلدان الإفريقية، إضافة إلى السوريين الذين يهربون من الحروب والميليشيات المسلحة التي أصبحت تشكل لهم هاجساً، إلى جانب الفلسطينيين عبر مطار "معيتيقة" في العاصمة طرابلس وقد ذكرت تقارير إخبارية أن تكلفة الواحد للوصول عبر الجو تبلغ 1000 دولار .
ويرجع تاريخ الهجرة غير الشرعية في ليبيا منذ فترة حكم معمر القذافي، وتوقف عدد المهاجرين إلى أوروبا بين العامين 2008 و2011 جراء توقيع معاهدة بين العاصمة الإيطالية روما والليبية طرابلس، وتوقف عدد المهاجرين، نسبة للإجراءات الصارمة التي تلت الاتفاق، إلا أنها عادت مرة أخرى وتضاعف عدد المهاجرين غير الشرعيين بعد سقوط نظام القذافي .
ونشطت عمليات تهريب المهاجرين غير الشرعيين بصورة واسعة في ليبيا في السنوات الأخيرة، في ظل غياب مؤسسات الدولة .
قصة لاجئ سوري
تناول موقع "دي دبليو" الإخباري قصة معاناة الشاب السوري، الذي استعير عن اسمه ب "ماجد اليوسف" قبل ركوبه "قارب الموت" .
وخدع اليوسف، الذي كان بصحبة أخيه، في رحلته المؤثرة التي تكبدا فيها الكثير من المشاق قبل وصولهم إلى إيطاليا، من قبل مافيا التهريب في منتصف البحر، وحصدت قصة الأخوين تجاوباً كبيراً من قبل جمهور الموقع الإخباري .
يقول الشاب السوري، الذي طالب أن يستعير عن اسمه ب "ماجد اليوسف": "ترددت كثيراً، قبل أن أغادر بلدي، ولكن الحياة لم تعد تطاق في سوريا، وصار الموت والحياة متساويين عندي" .
وقال اليوسف في تفاصيل قصة هجرته المؤثرة التي قادته من دمشق إلى شمالي سوريا، مروراً بتركيا، فالجزائر، ثم ليبيا: "أنا طالب جامعي، أدرس بكلية هندسة الكمبيوتر، في السنة الثالثة، ولكن دراستي توقفت، وأصبح الوضع صعباً، لذا قمنا، أنا وأخي، الذي يصغرني بثلاث سنوات، بإقناع والدي أن يبيع سيارته ويقترض مبلغاً من المال من عمي لكي نتمكن من الهجرة عبر البحر إلى أوروبا، وهكذا أخذت من أبي 4000 دولار، كما أخذ أخي مثل المبلغ" .
قصة ماجد وشقيقه محمود لا تقل مأساوية، إنهما من أسرة كانت قد نزحت من دمشق إلى شمالي سوريا، ومنها إلى تركيا، ولا ينسى ماجد هذا الهم وهو يقول "بمساعدة أصدقاء لنا، ومع وجود مجموعات على الفيسبوك، أسسها مهاجرون وصلوا إلى أوروبا، يتم فيها تقييم المهربين، إضافة إلى أنها تحتوي على نصائح مثل هذا المهرب جيد والآخر محتال احذروا منه" . وهكذا تم التعرف إلى وجود عصابة تهريب في الجزائر، وذات صلة بعصابة أخرى في ليبيا . وكان على ماجد ومحمود أن يسافرا بالطائرة من تركيا إلى الجزائر والأمر كان سهلاً، بالنسبة لهما لأن دخول السوريين إلى الجزائر لا توجد فيه مشكلة . "وعند وصولهم لمطار الجزائر تجمّعوا بصحبة رفاقهم من السوريين، وكان عددهم 12 شخصاً، وبعدها بدأت المرحلة التالية - كما يروي ماجد المهرب - الأول أخذنا من المطار في الجزائر إلى الحدود الليبية، مقابل 300 دولار عن كل شخص، ثم استلمتنا مجموعة جزائرية أخرى، أخذتنا من الجانب الجزائري على الحدود إلى داخل الصحراء الليبية . وفي الداخل تم تسليمنا إلى مجموعة ليبية نقلتنا باتجاه السواحل الليبية، وبالتحديد إلى منطقة "الزوارة" على شاطئ المتوسط، التي تقع غربي ليبيا، وهناك وبعد استراحة لعدة ساعات قرب الشاطئ، حالفنا الحظ وكانت الرحلة في نفس اليوم الذي وصلنا فيه" .
فيلم رعب
يواصل ماجد قائلاً: "عادة ما يأخذ المهرب 600 دولار عن الشخص الواحد، أجرة الرحلة على القارب من ليبيا إلى إيطاليا، ولكن نحن دفعنا له 1100 دولار عن الشخص، لكي نحصل على معاملة حسنة على القارب ويعطونا طعاماً وماء، ويسمحوا لنا بأخذ حقائبنا معنا، ولكنهم خدعونا، وقاموا بانتزاع حقائبنا بحجة تخفيف وزن القارب والحمولة لكي يأخذوا أكبر عدداً ممكن" . ويتابع ماجد سرد حكايته: اكتشفنا في ليبيا أن كل المهربين مرتبطين ببعضهم، وأنهم ربما عصابة واحدة . فالأمور تتم بشكل علني وكل منطقة تسيطر عليها عصابة واحدة، والجنود يشاهدوننا دون أن يحركوا ساكناً .
الصحفي الألماني فولفغانغ باور، خاض تجربة مشابهة بنفسه، وتنكّر مع صديق له كي يبحر على متن مركب بحري من مصر باتجاه إيطاليا، ولكن الرحلة لم يكتب لها النجاح، وفقاً لحديثه لصحيفة "دي دبليو" . وركبنا في مركب مطاطي صغير، كي يأخذنا إلى القارب الكبير الذي يجب أن يبحر بنا باتجاه إيطاليا، من هنا بدأ فيلم الرعب، وكان على متن القارب حوالي 300 شخص، وأمروا كل الشباب بالنزول إلى غرفة المحرك في الأسفل، فيما بقيت النساء والأطفال على سطح القارب وكانت غرفة المحرك ساخنة جداً، والهواء يكاد يكون معدوماً، وليس هناك سوى فتحة صغيرة في السطح يدخل منها بعض الهواء، وكانت هناك الكثير من حالات التقيؤ والإغماء . الوضع لا يطاق، ولكن ليس باليد حيلة، وكما يقول ماجد متنهداً: "هنا خدعونا، لأن من دفع 600 دولار تمت معاملته تماماً مثل من دفع 1100 دولار" . ومضت الرحلة: وخلال ست ساعات وصل قاربنا إلى البارجة التي عرفنا أنها تتبع لخفر السواحل الإيطالي . وبقية القصة معروفة، فالإيطاليون يأخذون اللاجئين باتجاه مراكز الإيواء ليحصلوا هناك على الطعام والشراب وبقية الاحتياجات .
ويقول ماجد، إن ما لفت نظرهم أنّ من قاد القارب هو أحد من كان إلى جانبهم لديه بعض الخبرة في الملاحة وأعطوه جهاز توجيه بالأقمار الصناعية (جي بي إس) وأيضاً هاتف (الثريا) مرتبط بالأقمار الصناعية للاتصال بالطوارئ في حال الخطر .
تعددت الطرق والوجهة كانت في النهاية إيطاليا وكأن كل دروب اللاجئين تؤدي إلى روما، أو هكذا يأمل أولئك اللاجئون، على الأقل . لأن الوصول إلى إيطاليا ليس مضموناً، والموت غرقاً كان مصير الكثيرين منهم .
حكاية مأساوية أخرى
على الرغم من أنهم تجنبوا مصيراً مرعباً، ونجوا من الموت غرقاً في مياه المتوسط فإنهم يواجهون بعد انقاذهم خيارات مريرة وصعوبات قاسية . . إما العودة إلى بلادهم أو الانتظار إلى إشعار آخر من دول المقصد .
وقال محمد شباط، وهو عامل بناء سوري من مدينة حمص، كان قد هرب من جحيم الصراع الدائر في بلده، منذ نحو شهر ونصف الشهر، تاركاً عائلته خلفه: "إذا بقيت في سوريا، فعلي أن أنضم إلى حزب ما أو إلى تنظيم "داعش" الإرهابي، وسأضطر إلى التسلح وقتل الأبرياء، ولكنني لا أريد ذلك، أريد فقط أن أعتني بأطفالي" .
وأكد شباط، الذي نجا من حادثة غرق القارب الأخير، قبالة السواحل الإيطالية، أنه دفع مبلغ 5800 دولار إلى المهربين لكي يخرجوه من بلدته إلى تركيا عبر نقله في حافة . . "بعد وصوله إلى تركيا استقبل أحد القوارب إلى ليبيا" .
ودفع شباط في ليبيا مبلغ 1800 دولار لعصابة أخرى من مهربي المهاجرين، كي يبحروا به إلى إيطاليا، ولكن قبل دقائق من الإبحار، اقتحم مقاتلون من ميليشيات ليبية السفينة وقاموا بسرقة الأموال والحلي التي كانت بحوزة المهاجرين .
وقال شباط: بعد 15 ساعة من انطلاقة السفينة تجاه جزيرة صقلية الإيطالية، ثم نقلهم إلى قوارب تابعة للبحرية الإيطالية .
وتمنى شباط لحظة اصطحاب القارب الذي كان على متنه، من قبل القوات البحرية الإيطالية، لو كان إلى جانب عائلته ويجد عملاً مناسباً، إلا أن هروبه كان بهدف إيجاد عمل مناسب وإسعاد عائلته التي عانت الكثير، وهرب منهم وهم لا يملكون شيئاً .
وعلى الصعيد ذاته، روى الموقع، قصص المراهقين الأريتريين، الذين توسدوا تراب إحدى حدائق جزيرة صقلية وهم يعبرون عن المأساة والمعاناة التي مروا بها قبل نجاتهم ووصولهم إلى بر الأمان .
وقال جيرماي تيسفاميكال الإنجليزية بركاكة: إنه كان ضمن مهاجرين آخرين، استقلوا حافلتين لتنقلهم إلى شواطئ نقطة الانطلاق على شواطئ ليبيا، وبينما كانوا في طريقهم وقبل الوصول اعترضهم عشرة مسلحين من تنظيم "داعش" . وأشار إلى أنه أصيب في ظهره جراء إطلاق النار عليه فيما "قطع عناصر "داعش" رؤوس عشرة من رفاقه الذين كانوا بصحبته" .
وذكر صديقه ايسيايس نيكوسي (18 عاماً) أنه ترك قريته في أريتريا، منذ ست سنوات، وكان قد عاش قبل مجيئه إلى إيطاليا في مخيم داخل إثيوبيا، ثم سافر عبر السودان إلى ليبيا سيراً على الأقدام ثم استقل حافلة .
وأضاف: "أثناء وجودي في ليبيا بقيت في منزل مكتظ لأكثر من عام قبل الإبحار إلى إيطاليا" .
يستهدف المهاجرون غير الشرعيين، دولة المغرب كمنصة للانطلاق والدخول إلى أوروبا ويرجع ذلك لموقعها الجغرافي وإطلالتها على إسبانيا والبرتغال الأمر الذي، يجذب الشباب وخصوصاً الإفريقي منهم من دول الكاميرون وغينيا ومالي .
ويتخذ المهاجرون من مدينة مدينتي "سبتة" و"مليلة" في الشمال الغربي منطلقاً لمغامرتهم، إذ تحتل "سبتة" موقعاً استراتيجياً يجعلها محل اهتمام المهاجرين، فهي شبه جزيرة مطلة على البحر الأبيض المتوسط، وعلى جبل طارق، ولا يفصلها عن السواحل الأندلسية سوى 21 كيلومتراً، أما مدينة "مليلة" تقع في الشمال الشرقي للمغرب، وتديرها إسبانيا .
وتشير إحصاءات الحكومة المغربية، على أن عدد المهاجرين غير الشرعيين، تتراوح بين 25 و35 ألف لاجئ سنوياً، وقد تمت تسوية حالات العديد منهم، أغلبيتهم من الدول الإفريقية المجاورة للمغرب .
ويجيء معظم المهاجرين إلى المغرب هرباً من الأوضاع التي يعيشونها في بلدانهم، وبحثاً عن مستقبل أفضل .
ووفقاً للتقارير، فإن المهاجرين غير الشرعيين إلى الغرب الذين ينون الهرب إلى أوروبا توجد بينهم نسبة عالية من النساء والأطفال .
ولا يعرف الكثيرون ما مصيرهم بعد أن تقطعت بهم السبل، وفقاً لموقع المنظمة الدولية للهجر .