إعداد: عبير حسين

"من يزرع نبتة طيبة يجني ثماراً طيبة وزهوراً يانعة تشرح القلب وتسعد النفس، ومن يزرع نبتة خبيثة يجني أشواكاً تجرح القلب وتدمي يدي زارعها" . كانت هذه إحدى وصايا الحكيم المصري "امنحتب بن كتحت" إلى ابنه "مرت من" والمحفوظة في بردية تحمل رقم 10474 بالمتحف البريطاني . أما وثيقة "أوروكاجينكا" التي أصدرها ثامن ملوك لكش السومرية والتي حملت اسمه في حضارة ما بين الرافدين (2387 2370 ق .م) فعرفت البشرية عن طريقها للمرة الأولى كلمة "حرية"، وهي أول وثيقة لحقوق الإنسان عرفها العالم نادت بالحرية المقيدة بالقانون للمرة الأولى في التاريخ . وتناولت الوثيقة تخفيض الضرائب الباهظة التي تدفع للكهنة، ومحاسبة الموظفين المخالفين للقانون وطردهم، وحظرت إجبار الفقراء على بيع ممتلكاتهم، وأنهت أعمال السخرة . وفي مجال الأحوال الشخصية منحت الوثيقة للزوجة حق الزواج عند غياب زوجها، ومنعها من الاقتران بزوجين في آن واحد، وجرمت السرقة
إذا كان المصري القديم أول من أهدى إلى البشرية القلم والورقة وحبر الكتابة، فإن حضارة بلاد الرافدين أهدت إليها النظم القانونية والحسابية المتطورة، بينما قدمت بلاد الشام أول مملكة مازالت أطلالها شاهدة على أن هذه البقعة المهمة من العالم كانت المنارة التي أضاءت للبشرية طريق الحضارة، وعبدت لها سبل الانتقال من عصور الظلام والجهل والصراع إلى فضاء الحرية والأخلاق .
وفي الوقت الذي يتآمر فيه الزمان على آثار حضاراتنا العربية إما بفعل فاعل عن طريق معاول الهدم التي يحملها جهلة مأجورين، أو بسبب الإهمال الذي يعرّض كثيراً منها لمخاطر الاندثار بفعل عوامل التغير المناخي، والمياه الجوفية، تحظى القطع الأثرية العربية من منحوتات، ومسكوكات، وبرديات وغيرها بكل الاحتفاء والاهتمام في متاحف العالم الكبرى التي أفردت لها أجنحة خاصة، وتعد سبباً رئيسياً لزيادة أعداد الزائرين سنوياً لها . وعلى حين يزخر متحف اللوفر بأكثر من 5000 قطعة أثرية مصرية، إضافة إلى آلاف القطع التي تحويها مخازنه، يضم المتحف البريطاني أكثر من 100 ألف قطعة أثرية مصرية فقط غير القطع العربية الأخرى . ولا تقتصر الكنوز العربية التي تزخر بها متاحف العالم على الآثار الفرعونية فحسب، بل تشمل العديد من الآثار، أشهرها "بوابة عشتار" الموجودة ضمن معروضات متحف "بيرغامون" في برلين وهي تحفة فنية بديعة تعكس عراقة الحضارة الشرقية .
ومن بين 6 ملايين مخطوطة عربية في متاحف ومكتبات الغرب، تأتي المخطوطات اليمنية في الصدارة لتحتل أرفف بإسبانيا، ومكتبة لايدن بهولندا، ومكتبة سان بطرسبورغ في روسيا، ومكتبة الكونغرس في أمريكا، ومكتبة الفاتيكان، والمكتبة الوطنية في باريس، ومكتبة البودليان الأمريكية .
وتقدر إحصاءات "اليونيسكو" عدد المخطوطات العربية الإسلامية الأصلية في مكتبات العالم بأربعة ملايين مخطوط، ويعد التراث العربي المخطوط أهم تراث إنساني مكتوب، لأنه الوحيد الذي قاوم عوامل الزمن، وبقي محفوظاً بصورة كبيرة قياساً بتراث الحضارات الأخرى .
ويزخر المتحف الوطني البريطاني بأنفس الآثار العربية وأثمنها من اليمن، ومصر، والعراق، إذ يضم أكثر من 15 ألف مخطوطة، وهي أكبر المجاميع الإسلامية، وأكبر ما يعرف من نوعها من المجموعات النفيسة في أوروبا وشمال أمريكا، كما أنها جزء من 20 مليون مادة تحويها المكتبة البريطانية في سانت بانكريس بلندن، وتطلق عليها المكتبة "دار خزانة كنوز التراث العربي والإسلامي" .
وما بين رأس نفرتيتي في المتحف المصري ببرلين، وحجر رشيد، وتمثال الرأس البرونزي المنقول من معبد أبولو في ليبيا ويعرضه المتحف الوطني البريطاني، إلى أكثر من 5268 قطعة أثرية اشهرها تمثال الملك رمسيس يضمها المتحف المصري في تورينو بإيطاليا، يقف تمثال "سيدة من تدمر" للملكة زنوبيا في متحف باراكو بإيطاليا إلى جانب القبة السماوية "زودياك" المنقولة من معبد دندرة والتي يعد التاريخ الوارد فيها بداية تقويم لتاريخ العالم، وغيرها من آلاف القطع الأثرية شاهداً حاضراً يحكي قصة الحضارات التي غيرت تاريخ البشرية .
وغنيّ عن البيان صعوبة حصر الكنوز العربية التي تزخر بها متاحف العالم، ولكننا سنعرض هنا لأهم هذه المتاحف بحسب عدد مقتنياتها من الآثار، وعدد زوارها سنوياً، وستفرض البداية نفسها من عند المتحف البريطاني ليس لأنه الأول عالمياً من حيث مقتنياته العربية، ولا لعدد زياراته السنوية التي تصل إلى 7 ملايين زائر، ولكن لإعلان وزارة الداخلية البريطانية تشديد الحراسة عليه، إلى جانب المتاحف الأخرى في لندن بعد تهديد تنظيم "داعش" الإرهابي بتدمير كل الآثار العراقية في كل مكان .
المتحف الوطني البريطاني . . جامعة للحضارات العربية:
يعد المتحف الوطني البريطاني من أكبر متاحف تاريخ وثقافة البشرية في العالم، ويبلغ عدد مقتنياته 8 ملايين قطعة من مختلف الحضارات، وكانت القطع الأثرية من مصر القديمة من أهم مقتنياته منذ إنشائه، وكانت البداية مجموعة المقتنيات التي وهبها سير هانز سلون عند وفاته 1753 وشملت 150 قطعة أثرية، واليوم يضم المتحف مجموعة "مصر والسودان" وتصل إلى 100 ألف قطعة تتوزع مابين تماثيل، ومنحوتات، ومسكوكات، يرجع تاريخها إلى 10 آلاف سنة قبل الميلاد .
ومن الكنوز الثمينة التي يحويها المتحف اخترنا أهمها:
حجر رشيد:
وهو أكثر النصوص الحجرية في العالم، وكان اكتشافه الطريق الأول لفك رموز اللغة الهيروغليفية التي استخدمها الفراعنة القدامى في الصلاة، وكتابة النصوص الدينية، والاجتماعية، واكتشف خلال الحملة الفرنسية على مصر ،1799 ونقش عام 196 قبل الميلاد . وتكمن خصوصية الحجر في كتابته بثلاث لغات "الهيروغليفية، والديموطقية، والإغريقية" ونجح في فك رموزه العالم الفرنسي شامبليون وكانت بداية لفهم كثير من أسرار الحضارة الفرعونية .
** تمثال الرأس البرونزي: ويعود التمثال إلى العهد الإغريقي قرابة 300 ق .م ونقل من معبد أبولو في قرينة في ليبيا . والرأس منحوت بعناية فائقة تبرز ملامح الوجه بقوة حيث الوجنتان مرتفعتان، والشعر مجعد وقصير، والشارب والذقن منحوتان بدقة . ويعتقد الباحثون أن ملامح الرجل تدل على أنه كان شخصية مهمة من شعب البربر الذي استوطن شمال إفريقيا . وتعود خصوصية التمثال إلى انه مصنوع من البرونز، وهذه تماثيل نادرة جداً في تلك الفترة التاريخية، وعثر عليه في معبد أبولو، الذي يحتفظ المتحف كذلك بتمثال" ابولو" ذاته .
ألواح الكتابة المسمارية لحضارة مابين الرافدين:
يضم المتحف في قسم "تاريخ المجموعة: الشرق الأوسط" أكبر مجموعة من ألواح الكتابة المسمارية في العالم خارج بغداد . واتسعت مقتنيات المتحف بشكل كبير في منتصف القرن التاسع عشر بعد عمليات التنقيب التي قام بها عالم الآثار اتش لايارد (1817 - 1894) في المواقع الآشورية بنمرود، ونينوى، فمن الأولى تم استخراج الغرف الملكية لقصر الملك آشورناصربال الثاني، وعدة معابد، ومن الثانية اكتشف "قصر سنحاريب"، حيث فتح لايارد ما لا يقل عن 1 .7 قاعة وغرفة ودهليز كسيت جدرانها بلوحات من المرمر المنحوت المسجل عليها حروب الملك الآشوري وانتصاراته . نقل لايارد عدداً كبيراً من اللوحات الحجرية ذات النقوش الغائرة إلى بريطانيا، إضافة إلى مسلة شلمنصر الثالث السوداء، وتماثيل عملاقة كانت تحرس البوابات، ومجموعة متنوعة من القطع الأثرية الصغيرة . وعلى حين وصلت أغلب هذه القطع بدعوى دراستها في بريطانيا التي لم ترجعها إلى بغداد، إلا أن مجموعة ألواح الكتابة المسمارية التي اكتشفت في المكتبة الملكية للملك آشور بانيبال تم تهريبها إلى لندن عام 1854 .
وما بين العامين 1857 إلى 1934 هربت خارج بغداد أكثر من 130 ألف قطعة أثرية تتنوع مابين ألواح، وقطع مسمارية، واسود منحوتة من البرونز بالحجم الطبيعي اشهرها "أمدكد" وهو كائن اسطوري برأس نسر، وجسد أسد . ويضم المتحف مقتنيات لا تقدر بثمن منها تمثال "الكبش في الأحراج"، و"لعبة أور الملكية"، وآلات موسيقية عدة، منها قيثارتان برأس الثور، وبعض المجوهرات .
ويضم المتحف 200 لوح (شاهد) من الحضارة الفينيقية عثر عليها في قرطاج بتونس، إضافة إلى نفائس جنائزية من مقبرة بثاروس في سيردينيا أيام الفتح الأموي لها، ومجموعة تشمل قرابة 40 تمثالاً نصفياً جنائزياً من تدمر بسوريا .
وكانت مقتنيات المتحف من الآثار الفلسطينية متواضعة حتى العقد الخامس من القرن العشرين حتى حصل على إضافات مهمة ما بين أعوام 1954 و1958 ومنها جمجمة مجصصة تعود إلى العصر الحجري الحديث، ومحتويات مقبرة من العصر البرونزي الوسيط نتجت من حفريات كاثلين كينيون 1978 في أريحا .
رأس نفرتيتي أهم الكنوز العربية في ألمانيا
يعد تمثال الملكة نفرتيتي والمعروض في المتحف المصري في برلين من أهم الكنوز العربية في المتاحف الأوروبية، ويبلغ عمره قرابة 3300 عام، نحته تحتمس عام 1345 قبل الميلاد للملكة التي كانت زوجة للفرعون الشهير أخناتون . وتحول التمثال منذ 2009 إلى رمز ثقافي للعاصمة الألمانية، وحتى اليوم لم تهدأ محاولات مصر المستمرة لاستعادة التمثال، وهو ما ترفضه برلين بحجة أن ملكيته انتقلت إلى المتحف وفق قانون تقسيم الآثار المعمول به في مصر، والذي كان قائماً على تقسيم الآثار المكتشفة إلى قسمين تختار هيئة الآثار المصرية قسماً منها، والباقي يصبح من نصيب المكتشف، بينما يؤكد المصريون أن قانون الآثار ينص على "الثلث والثلثين"، وأن البعثة الألمانية التي اكتشفت التمثال في تل العمارنة عام 1912 هربته إلى ألمانيا .
وهناك مجموعة آثار قيمة معروضة في متحف مجموعة الفن المصري القديم في ميونيخ، تمثل مراحل النحت المصري القديم عبر مراحله المختلفة، بدءا بالحضارة النوبية، أي حضارة ما قبل التاريخ، ومروراً بالحضارة الفرعونية من خلال الممالك القديمة والمتوسطة والحديثة، وحتى الوصول إلى الحضارة الرومانية . ومن أهم مقتنيات المتحف أول "مزهرية" مطعمة بالزجاج صنعت في التاريخ القديم، ونقش عليها اسم الفرعون" تحتمس الثالث" من الأسرة 18 . وإضافة إلى تمثال الإله حورس، والإله آمون يقتني المتحف عشرات من أوراق البردي التي تمثل العصر الفرعوني والبطلمي والروماني .

أمريكا تتزين بالمقتنيات العربية

تقتني أغلب وأكبر المتاحف الأمريكية مجموعة عربية ضمن مقتنياتها الأهم، ويخصص متحف الميتروبوليتان في نيويورك الذي يعد أكبر متاحف الولايات المتحدة، وأحد أكبر متاحف العالم جناحاً خاصاً بالآثار المصرية يضم تماثيل ومنحوتات وقطعاً من الطين، والسيراميك لملوك المملكة الجديدة في مصر القديمة . إضافة إلى ذلك يعد جناح الفن الإسلامي من أهم أجنحة المتحف، ويضم أعمالاً فنية تمثل مراحل مختلفة من الفن الإسلامي ولا تقتصر على الخط العربي، والمنمنمات والزخارف الإسلامية، وإنما تشمل قطعاً فنية تعكس تطور المعمار الإسلامي، وصناعة النسيج، وتطور عن السيراميك من كل أنحاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية، والأندلس، ومصر، وسوريا، والعراق، وتعد القاعة الدمشقية درة الجناح وأكثر قاعات المتحف جذباً للزوار . ويضم متحف "والترز" للفنون في بالتيمور بالولايات المتحدة مئات القطع من الآثار الإسلامية (مخطوطات للقرآن الكريم)، والفرعونية من أهمها مجموعة برديات حول تاريخ مصر القديم، وإن كان أهمها تمثال رأس الإلهه المصرية القديم سخمت البالغ وزنه 1500 كيلوغرام . ويقتني متحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة بنسلفانيا منحوتات ومومياوات من العمارة المصرية القديمة أهمها تمثال "أبو الهول" الذي يزن 13 طناً من الغرانيت ويعود تاريخه إلى 1200 عام قبل الميلاد، إضافة إلى عدة أوان، ومجوهرات ترجع إلى عصر مدينة أور في حضارة سومر مابين النهرين .

"اللوفر" ساحة الفنون العربية والإسلامية

يعد اللوفر أكبر صالة لعرض الفنون عالمياً، صمم مدخله الرئيسي على هيئة هرم زجاجي كبير ليعكس مدى اهتمام الفرنسيين بالحضارة الفرعونية . ويبلغ عدد زواره سنوياً 9 ملايين زائر، وهو مقسم إلى أجزاء بحسب نوع الفن وتاريخه، ويحتوي على أكثر من مليون قطعة فنية ما بين منحوتات، ولوحات، ومسكوكات، ويضم الآف القطع الأثرية المصرية التي هربت خلال حملة نابليون على مصر .
ويضم الجناح المصري داخل اللوفر قاعة الفن المصري القديم، وبها أجزاء من الجدران الأصلية لبعض المعابد، وعدد كبير من التماثيل، إضافة إلى مجموعة من المجوهرات المرصعة بالأحجار الكريمة والعقيق والسيراميك، والتي كانت تتزين بها ملكات مصر القديمة .
ويضم "اللوفر" رأس تمثال "الملك رع" ابن الملك خوفو، وهو أول رأس ملكي يعطي ملامح شخصية الملك في تاريخ الفن، ويعد تمثال "الكاتب المصري" أحد أهم أعمال فن النحت المصري من أهم مقتنيات المتحف، ومجموعة توابيت ملونة ترجع للأسرتين "21 و22"، وتمثال الملكة حتشبسوت، وتمثالاً لعمدة طيبة "سن نفر"، كذلك مجموعة آثار ترجع إلى عصر أخناتون .
ويعرض اللوفر أول تمثال ملكي في الحضارة المصرية للملك خفرع، يجسد الملك وهو جالس على مقعد، وزوجته جالسة على يساره تطوق ساقه بذراعيها، وعلى يمين المقعد نقش يمثل اسم الملك داخل خرطوش .
وبفضل آلاف القطع الأثرية المصرية الموجودة في متحف "اللوفر"، والتي تصل إلى أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية، تم تطوير المتحف بزيادة مساحات جديدة للعرض، لتعرض في أكثر من 31 قاعة .
وقبل عامين افتتح اللوفر جناحاً جديداً خصص للفن الإسلامي على مساحة 3000 متر تعرض مقتنيات يصل عددها إلى 15 ألف قطعة من العالم الإسلامي . ومن أهم القطع التي يعرضها الجناح (المصمم على طابقين) أسد مونثون وهو نافورة أنجزت في الأندلس في القرن الثاني عشر، وبيت عماد القديس لويس وهو حوض نحاسي عائد لحقبة المماليك مرصع بالذهب والفضة نفذه حرفيون مهرة في مصر بالقرن الرابع عشر .

80 ألف قطعة مصرية وسودانية في متحف "بتري"

يضم متحف بتري للآثار المصرية في لندن 80 ألف قطعة أثرية مصرية وسودانية، وتعد مجموعته الأكبر بعد المتحف الوطني البريطاني، والمتحف المصري في برلين، وتأسس المتحف ليكون مصدراً تعليمياً في قسم الآثار واللغة المصرية بكلية لندن .
ويضم المتحف العديد من المقتنيات النادرة من بينها: أول قطعة قماش من الكتان المصري يرجع تاريخها إلى 5000 عام ق .م، وتمثالاً أسدين من معبد الإله مين بمدينة فقط يرجع تاريخهما إلى 3000 ق .م .