الشارقة - محمد ولد محمد سالم:

تؤكد مسيرة تطور الخط الكوفي دلالة عميقة تتمثل في القدرة الأصيلة لفن الخط العربي على التطور، وامتلاكه الأسس الجمالية للفن الراقي الذي يستطيع باستمرار ورود آفاق جمالية جديدة مع المحافظة على خصوصيته.
تقوم الأسس الجمالية للخط العربي على جدلية الحركة والسكون وهي جدلية بصرية بحتة، تتيح لعين المتفرج تتبع توتراتها وانتظاماتها بشكل مباشر يرسم أمامها صوراً حركية للجمال على مستوى العناصر والكتلة، وذلك عن طريق عناصر التناظر والاختلاف والتكرار والكتلة والفراغ، وغيرها من تمثيلات الحركة والسكون، ويرتكز تمثيل الحركة والسكون في الخط على أصل بسيط وواضح، فكل خط منحنٍ هو خط متحرك، وكل خط مستقيم هو خط ساكن، وعن طريق الوصل بينهما أو تجاورهما تحدث تلك الجدلية الجميلة التي تظهر الشكل كله متحركاً أمام العين، وحتى في الحرف الواحد المستقيم الساكن كالألف يعمد الفنان إلى إضافة الزوائد الخطية والزخرفية التي تخرجه عن سكونيته لكي يبدو متحركاً.
هذا الأساس الجمالي كان حاسماً في تطوير الخط الكوفي الذي هو أبو الخطوط - وتسمية الكوفي لاحقة على ظهور الخط نفسه الذي يرجح أنه كان موجوداً بقرن قبل اختطاط مدينة الكوفة، وهو يسمى أيضاً الخط الحجازي وخط النبط - وقد بدأ الخط الكوفي جامداً ساكناً على هيئة مسامير تمتد أفقياً وعمودياً نظراً لاستقامة خطوطه، وكون زواياه قائمة، لكنه سرعان ما تطورت حروفه إلى الانحناء والمرونة، تحت تأثير مقتضيات تجويد كتابة المصحف، فظهرت منه أنواع لينة مرنة سوف تستقر في شكل الخطوط المعروفة مثل النسخ والثلث والديواني والثلث والرقعة وغيرها.
رغم أن الخط الكوفي في شكله الأول الجاف بدا أنه تراجع على مستوى الكتابة والنسخ في المصاحف ودواوين الحكم والكتب، ابتداء من القرن الثالث الهجري إلا أنه لم ينته، واستطاعت عبقرية الخطاطين المسلمين أن توجد له مجالات جديدة ملائمة لانتظام حروفه واستقامتها، فسرعان ما وجد فيه الفنانون أداة جميلة لتزيين العمارة، نظراً لمناسبة أشكاله للمساحات الجدارية واتساعها، وقابليته الهندسية لأن يكتب بالحجر، فقد كان وجود الحجر الملون والخزف عاملاً مساعداً على دخوله بسهولة في تقنيات فن العمارة كأحد عناصرها القوية، وساعدت احترافية الفنان وخياله الواسع على كسر جمود هذا الخط، وذلك عن طريق عناصر التزيين الكثيرة التي أصبحت ملازمة للخط الكوفي مثل التشجير والتوريق والتزهير والتضفير والتربيع واستخدام العقد، وغيرها من فنون التجميل التي عرف بها هذا الخط حتى صار يضم تحته عشرات الأنواع مثل: (الكوفي المائل، الكوفي المزهّر، الكوفي المعقّد، الكوفي المورّق، الكوفي المعشّق، الكوفي المضفّر، الكوفي الموشّح، الكوفي المشجّر، الكوفي المربّع، الكوفي المدوّر، الكوفي المتداخل، الكوفي الشطرنجي)، وكلها أشكال تستجيب لحاجات المساحات في جدران البناء الذي يكون عادة مقدسا مثل المساجد والمدارس الدينية أو ينظر فيه إلى الأبهة مثل قصور الملوك وأضرحتهم، فالخط بانتظامه وجفاف أصله يحمل عناصر القوة، لكنه بالجماليات التي تضاف إليه يضيف إلى القوة بهاء يصنع له تلك الأبهة أو الملمح القدسي الذي يريد الفنان أن يوحي به، خاصة إذا ارتبط ذلك بنص مقدس أو حكمة بالغة، ولا تزال شواهد ذلك التطور قائمة في العمارة الإسلامية الباقية في القاهرة واسطنبول وغرناطة وغيرها من حواضر الإسلام.
لم تتوقف مسيرة الكوفي عند هذا الحد فقد دخل عالم الفن المعاصر بقوة، فوجد طريقه إلى اللوحة ممهدا، واستخدم الخطاطون المعاصرون تلك الطاقة الجمالية واستعاروا ذلك التاريخ الناجز في إبداع تكوينات فنية جميلة حفلت بها لوحاتهم، كما أن تلك القابلية الدائمة للتطور أهلت الخط الكوفي لأن يدخل مجال فنون التصميم الرقمية من بابها الواسع.