الشارقة - محمد ولد محمد سالم:
الحلية الشريفة هي إحدى اللوحات الخطية التي تتميز بثبات الشكل العام مع إمكانات تنويعية داخلية تسمح للخطاط بالتفنن فيها، ووضع بصمته الخاصة على اللوحة، وكان يعد من أصول الإتقان أن يكتب الخطاط حلية شريفة أو عدداً من الحليات الشريفة، ولأن الحلية هي لوحة مقدسة تصنع لتزين بها جدران القصور والمنازل والمساجد، فقد عني الخطاطون بإخراجها بصرياً، بحيث تكون مشغولة بكل عناصر فن الخط والزخرفة الإسلامية، فكأن عين الناظر لها تسرح في حديقة غناء، مملوءة بالأزاهير والنباتات، بل فيها أيضا بناءات هندسية جذابة.
والحلية الشريفة هي نص في وصف النبي، صلى الله عليه وسلم، يستخرجه الخطاطون من كتب الحديث الشريف، وحسب إحدى الروايات الكثيرة الواردة في صفاته ،صلى الله عليه وسلم، الخَلقية والخُلقية، وأكثر النصوص اعتمادا لدى الخطاطين، هو الوصف المأثور عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد وصف الرسول ،صلى الله عليه وسلم ، بكلام جميل مسجع موقّع الألفاظ متوازن المقاطع، ما يسمح للفنان الذي يكتبه بخيارات عدة لصناعة تكوينات متماثلة تعطي للّوحة إيقاعا جميلا، وقد كان الخطاط الحافظ عثمان (1642 م-1698 م)، هو أول من خط لوحة الحلية الشريفة.
تلبي لوحة الحلية هدفين: أحدهما تعبدي روحي وهو الاحتفاء بصفات النبي ،صلى الله عليه وسلم ، واستحضار صورته وهيبته في القلب وما ينشأ عن ذلك من حب له، والهدف الثاني جمالي إمتاعي، وهو يخدم الأول بالضرورة، فلا يليق بهذا الجمال في الصورة الخَلقية والخُلقية لأفضل خلق الله إلا لوحة متناهية في الجمال الصوري، وقد اشتغل خطاطو الحلية الشريفة على مستويات فنية عدة، أولها الخط، حيث تجمع الحلية أربعة أنواع من الخطوط العربية الأصيلة، التي لا يتصدى لها إلا من كان بارعا في هذا الفن، نظرا لدقة قواعدها والحاجة إلى تمام إتقانها، وهذه الخطوط هي الثلث، وهو من أجمل أنواع الخطوط وأصعبها في الوقت نفسه، وخط المحقق، وهو خط قديم قل استخدامه في الراهن، ويمتاز بأنه يجمع بين الإتقان الفني والوضوح، وطول الحروف وطول المدات وتوازنها، وهو بين الثلث والنسخ، وخط النسخ وهو أشهر الخطوط، ويحتاج إلى براعة ورهافة قلم لأنه يشترط فيه الوضوح، والخط الفارسي وهو من خط النسخ، لكن فيه رشاقة وانسيابية.
المستوى الثاني هو العمل على الكتل حيث تقسم اللوحة إلى ثلاثة أجزاء أساسية: في الجزء العلوي تكتب البسملة أفقيا بخط الثلث أو المحقّق، والجزء الأوسط وهو الأكبر يكون نص الحلية الشريفة بخط النسخ أو الفارسي، ويكتب أفقياً لكن أسطره تتناقص باتجاه الأعلى والأسفل بما يسمح بتكوين دائرة حوله، وفي الجزء السفلي ختام النص بالصلاة على النبي وآله، وتوقيع الكاتب، وهو بالنسخ أو الفارسي أيضا، ويفصل بين كل جزأين بآية قرآنية في وصف الرسول الأعظم، مثل آية «إنك لعلى خلق عظيم» أو غيرها، وخطها إما أن يكون بالمحقق أو الثلث.
المستوى الثالث هو الزخرفة التي تأخذ الحيز الأكبر من الحلية، فتحاط اللوحة بمربعات من الزخرفة النباتية المتنوعة والمتدرجة بحيث تفصل بين كل نوعين منها مربع ذهبي، ويحاط النص الأوسط بدائرة ذهبية خطُّ محيطها عريض في الأسفل والجانبين، ويتناهى في الرقة في الأعلى حتى يكون على شكل قمر، ويعطي التذهيب سطوعاً نورانياً للدائرة كأنها للإشارة إلى نورانية النبي ،صلى الله عليه وسلم ، الذي يشبه بالشمس وبالقمر، وحول هذه الدائرة دوائر صغيرة في الأركان الأربعة تكتب فيها أسماء الخلفاء الأربعة، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ويشكل اللعب على التدوير والتربيع بعدا آخر في الأبعاد الروحية الإسلامية، خاصة عن الصوفية، استثمره الخطاطون بجدارة.
في القديم لم يكن الخطاط يترك أي فراغ بين فقرات الحلية إلا وملأه بالزخرفة، لكن الخطاطين المحدثين لم يلتزموا بذلك، فنرى في نماذج كثيرة خلو اللوحة من الزخرفة، واعتماد الخطاط على الهندسة والتكوينات الخطية، وصنع الكتل المتوازنة، كما لوحات عوني النقاش، ومثنى العبيدي، وأحمد فارس العلي الذي استخدم أيضا الخط الديواني الجلي والطغراء.