الشارقة - محمد أبو عرب:
لا يمكن الحديث عن الزخرفة العربية، من دون التوقف عن تاريخ حركة العمارة الإسلامية، منذ القرن الهجري الأول حتى اليوم، إذ يؤرخ الباحثون للعمارة الإسلامية بدايات تشكلها عبر بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ويؤكدوا أن أكثر ما كان يميّز البيت الذي تحول إلى المسجد النبوي، هو التصميم البسيط الخالي من التعقيد والتقسيمات المتعددة والزخارف.
يروي الباحث محمد حسين الجودي في كتابه «فن العمارة العربية الإسلامية»: «إن دار الرسول صلى الله عليه وسلم خُططت في أولى مراحلها ببساطة كبيرة واقتصاد شديد، يتفقان مع الظروف التي كانت محيطة آنذاك بالمسلمين، وكان تخطيطها على أيدي الرسول صلى الله عليه وسلم والعرب المسلمين من مهاجرين وأنصار، وبدأت الدار بحجرتين من جدران من اللبن والطين وأمامها فناء يحيط به أسوار شيّدت باللبن، وترتفع إلى أكثر قليلاً من قامة رجل». من هنا يمكن القول إن فن الزخرفة العربية جاء استجابة لحالة النهوض والتوسع التي شهدتها الدولة الإسلامية، فإن كانت بدايات العمارة بسيطة كما هي حال الدولة آنذاك، فإن توسّع تلك الدولة ودخولها في ثقافات جديدة وتنامي مفهوم البذخ والترف فيها، أوجد فيها أصنافاً كثيرة من الفنون الإسلامية التي تُعدّ الزخرفة علامة بارزة فيها.
يطلق الدارسون على هذا الفن الجمالي المعماري أسماء عدّة، منها، التزويق، أو الزخرفة، أو الرقش، أو غيرها من الاصطلاحات، وهي كما تقدمها موسوعة حضارة العالم، «نماذج للتزيين معقدة، لأن زخارفه متداخلة ومتقاطعة وتمثل أشكالاً هندسية وزهوراً وأوراقاً وثماراً. وهذا ما يميّز الفن الإسلامي والذي ظهر في تزيين السيراميك وفي العمارة الإسلامية.
وقد انتشر في أوروبا ولاقى رواجاً في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وهذا الفن ظهر نتيجة امتزاج الحضارة العربية وتطورها في العصر الإسلامي الذهبي مع الشعوب الأخرى، إلا أنه كان جلياً لدى الأندلسيين الذين طوروه بشكل كبير، ولاسيّما في مجال الأعمدة ونصف الأعمدة المربعة وفوق الجدران وعلى الأسقف.
وإلى جانب العمارة وجدت الزخرفة التي وصفت بأنها لغة الفن الإسلامي، وتقوم على تزيين المساجد والقصور والقباب بأشكال هندسية أو نباتية جميلة، تبعث في النفس الراحة والهدوء والانشراح والطمأنينة، وسُمّي هذا الفن في أوروبا باسم «أرابيسك» أي التوريق».
«واشتهر الفنان المسلم بالفن السريالي التجريدي، حيث الوحدة الزخرفية النباتية كالورقة أو الزهرة، وكان يجردها من شكلها الطبيعي، حتى لا تعطى إحساساً بالذبول والفناء، ويحورها في أشكال هندسية حتى تعطي الشعور بالدوام والبقاء والخلود». اللافت في الزخرفة العربية الإسلامية أنها مثلت صورة واضحة المعالم لاستجابة الفن لكل المتغيرات الاجتماعية والسياسية والجغرافية والثقافية، فلم تتشكل الزخرفة نتيجة حالة الترف والتوسّع التي شهدتها الدولة الإسلامية وحسب، وإنما هي نتاج حالة تفاعل مع مختلف الفنون من ثقافات شرق آسيا وبلاد فارس، كما أنها استجابة لرفض الإسلام للتشخيص في الرسوم والفنون.