إعداد : عمر عدس وصباح كنعان

في 18 يونيو/حزيران الماضي، أصدر البابا فرنسيس أول رسالة بابوية له حول البيئة، وكانت بعنوان: «كن مسبحاً، حول العناية بالبيت المشترك». وجاءت رسالته في إطار استعدادات العالم لقمة مؤتمر المناخ الدولي في باريس في ديسمبر/كانون الأول المقبل. وعرضت وكالة «فرانس برس» موجزاً للرسالة جاء فيه:
إن تدهور بيئة العالم هو «نتيجة مأساوية لممارسات الكائن البشري غير الخاضعة لرقابة... ومن خلال استغلاله المفرط للطبيعة، يعرض الأرض للتدمير، ويعرض نفسه لأن يكون بدوره ضحية هذا التدهور».
وشددت الرسالة على أن «تدمير بيئة البشر هو أمر في غاية الخطورة، ليس لأن الله لم يوكل العالم إلى الكائن البشري فحسب، بل أيضاً لأن الحياة الإنسانية هي عطية يجب حمايتها من أشكال التردي المتعددة».
وقالت الرسالة إن «أي جريمة ضد الطبيعة هي جريمة ضد أنفسنا، وهي خطيئة ضد الله»، معدداً من الخطايا «تدمير التنوع البيولوجي»، وإلحاق «الضرر بسلامة الأرض، والمساهمة في التغير المناخي وفي تجريد الأرض من غاباتها الطبيعية».
ودعا البابا أقوياء العالم إلى الإسراع في التحرك لإنقاذ كوكب الأرض الذي تهدده النزعة الاستهلاكية بالدمار.
ولكن البابا شنّ في الوقت ذاته «هجوماً ثورياً» على هؤلاء الأقوياء أنفسهم وعلى منطق اقتصاد السوق الذي يفرضونه على العالم - حسبما يقول الكاتب ستيفن بوم، بروفيسور الإدارة والاستدامة في معهد إسيكس للاستدامة التابع لجامعة إسيكس في بريطانيا. وفي مقال نشره موقع «كومون دريمس»، كتب البروفيسور بوم يقول:
إن ما يجعل البابا ورسالته البابوية ثوريين إلى هذا الحد ليس فقط الدعوة إلى معالجة التغير المناخي بصورة عاجلة، بل أيضاً الانتقاد القاسي والصريح لطبيعة السياسات المطبقة في المجالات الاجتماعية، والاقتصادية والبيئية.
ويبدو البابا فرنسيس مصمماً أكثر فأكثر على الاضطلاع بدور مركزي على المسرح العالمي، ومواجهة النخبة الاقتصادية والسياسية في العالم. ورسالته الثورية يحتمل أن تضعه على مسار تصادمي مع أصحاب النفوذ في العالم، وقادة حكومات، ومؤسسات دولية وشركات متعددة الجنسيات.
وفي الواقع، حدث مثل هذا التصادم حتى قبل نشر الرسالة البابوية حول البيئة. إذ إن المرشح للرئاسة الأمريكية جيب بوش - وهو كاثوليكي - قال إن البابا يجب أن يبقى بعيداً عن النقاش حول المناخ. وهذا الموقف يتبناه أيضاً جمهوريون آخرون، ومجموعات الضغط التي تمثل شركات الوقود الأحفوري، ومراكز دراسات تنكر مسؤولية البشر عن التغير المناخي.
والبابا الأرجنتيني شخص شديد التواضع، ولديه رؤية ل«كنيسة فقيرة من أجل الفقراء»، وهو يعرف معاناة أكثرية البشر في العالم. فحتى قبل أن يصبح كبير أساقفة بوينس ايرس، كان كاهناً في الأحياء الشعبية الفقيرة في العاصمة الأرجنتينية. وبالنسبة له كبابا، فإن تحسين أحوال سكان الأحياء الفقيرة وتصحيح التغير المناخي هما شيء واحد. فكلاهما يقتضي معالجة الأسباب الجوهرية والبنيوية لعدم المساواة، والفقر، وتدهور البيئة. وعلى سبيل المثال، قال في رسالته: «بالرغم من أن نوعية المياه المتوفرة تتردى باستمرار، إلا أن هناك في بعض الأماكن ميلاً لتخصيص هذا المصدر، رغم ندرته، وتحويله إلى سلعة خاضعة لقوانين السوق. غير أن الوصول إلى مياه صالحة للشرب هو حق إنساني أساسي وعالمي، لأن المياه لازمة من أجل بقاء البشر».
وهذا، مثلا، يتناقض بصورة صارخة مع موقف بيتر برابك - ليتمس، رئيس شركة «نستلة» - أكبر شركة في العالم للأغذية والمياه المعبأة - والذي يعتقد أن المياه هي سلعة عادية يحدد السوق قيمتها، وليست حقاً إنسانياً. وشركة «نستلة» ليست بأي حال الوحيدة التي تتبنى مثل هذا الموقف. إذ إن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومؤسسات دولية أخرى، جميعها يدعم سياسة تخصيص المياه.
وفي الواقع، هذه الرسالة البابوية هي هجوم ثوري - وغير مسبوق بالنسبة لبابا وزعيم عالمي - على منطق اقتصاد السوق والنمط الاستهلاكي. وتقول الرسالة: «بما أن السوق يميل إلى الترويج للاستهلاكية المفرطة سعياً لبيع كل منتجاته، فإن من السهل السقوط في دوامة بيع وإنفاق لا لزوم لهما. والاستهلاكية القسرية تحمل الناس على الاعتقاد بأنهم أحرار طالما أنهم يتمتعون بحرية الاستهلاك المفترضة. ولكن أولئك الذين هم أحرار حقاً إنما هم الأقلية التي تقبض على السلطة الاقتصادية والمالية».
وتقول الرسالة البابوية أيضا: «التغير المناخي هو مشكلة عالمية تنطوي على مضامين خطرة، بيئوية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية وفيما يتعلق بتوزيع السلع. إنه يمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها البشرية اليوم».
وهذا يعني أن الوقت قد حان للقيام بعمل جذري بشأن البيئة كما بشأن القضاء على الفقر. وتقول الرسالة البابوية: «إن العقلية التي تحول دون اتخاذ قرارات جذرية من أجل عكس اتجاه الاحترار المناخي لهي العقلية التي تحول أيضا دون تحقيق هدف القضاء على الفقر».