إعداد: محمد إسماعيل زاهر

يقول عالم الفلك البتّاني عن وصول الضوء إلى القمر: «فمن الشمس تكون الزيادة والنقصان في ضوئه بحسب بعده وقربه منها. وذلك أن كل جسم مستدير فإنما يقع البصر على النصف الذي يواجه البصر منه فقط. فنصف كرة القمر التي تواجه الأرض هو النصف الذي يواجه الشمس، إذا رأينا القمر ممتلئ الضوء، وذلك يكون في أوقات انتصاف الشهر القمري، فإذا كان النصف الذي يواجه الأرض خلاف النصف الذي يواجه الشمس وكان الذي يواجهها هو النصف الباقي لم نرَ فيه شيئاً من الضوء ويكون ذلك وقت المحاق، وفيما بين ذلك فإنما نرى الضوء فيه بحسب ما يقع في النصف الذي يواجه الأبصار من النصف الذي يواجه الشمس من النور، وهو كلما بعد عن الشمس من وقت المحاق كثر الضوء فيه ويزيد إلى أن يقابلها عن قريب من قطر الفلك فيمتلئ الضوء فيه، ثم يبدأ بالنقصان كما كان في الزيادة إلى أن يضمحل في آخر الشهر».

هذا الرأي السابق لعصره لمن أطلق عليه بعض المؤرخين الغربيين «بطليموس العرب» أو محمد بن جابر بن سنّان الحرّاني أو البتّاني، عاش في منتصف القرن الثالث الهجري، أمضى البتّاني حياته دارساً لعلم الفلك والرياضيات وحساب المثلثات، واعتبره العالم الفرنس لالاند من أبرز عشرين فلكياً في العالم كله، ولد في عام 240 هجرية في بتّان من قرى حرّان شرق نهر الفرات، ومن طول إقامته في الرقة والعمل في مرصدها لقّب أحياناً بالرقّي، وكانت حرّان من المراكز العربية التي تسربت منها الثقافات القديمة إلى الشرق العربي. المعلومات التفصيلية عن حياته قليلة فهناك من يذهب إلى أنه عاش مدة طويلة في مدينة أنطاكية وعمل في مرصد هناك حمل اسمه، ينتمي البتّاني إلى عائلة من العلماء فهو أحد أحفاد العالم المعروف ثابت بن قرة، ونتيجة لإسهاماته في علم الفلك حاز لقب بطليموس العرب، وعُرف في الغرب باسم «الباتيجنوس» أو «الباتيجين».
ويذهب الدكتور أحمد عبد الباقي في كتابه «من أعلام العلماء العرب في القرن الثالث الهجري» إلى أن البتّاني عاش في الرقة وتردد إلى مرصد أنطاكية في بلاد الشام، درس مؤلفات بطليموس وما توافر له من كتب القدماء والتي عرفت طريقها إلى العربية نتيجة لحركة الترجمة النشطة آنذاك، ولمع نجمه في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ومطلع القرن الرابع واشتهر بكتابه «الزيج الصابئ»، والأزياج وفق ابن خلدون هي صناعة حسابية تعرف بها مواضع الكواكب، ولهذه الصناعة قوانين مقررة توضع في جداول مرتبة تسهيلاً على المتعلمين.

دقة واضحة

تعتبر أرصاد البتّاني من أدق ما أجراه الفلكيون العرب، وأيضاً من أدق القياسات الفلكية حتى القرن السابع عشر، الأمر الذي أثار الدهشة والإعجاب خاصة لافتقار ذلك العصر إلى الآلات الدقيقة التي توافرت خلال القرنين الماضيين، لقد رصد البتّاني زاوية الميل الأعظم، وقاس موضع أوج الشمس قي مسيرتها فوجده قد تغير عن زمن بطليموس في القرن الثاني الميلادي، وصحح قيمة الاعتدالين الصيفي والشتوي، وحسب قيمة ميل فلك البروج، والدراسات الحديثة أوضحت أنه لم يخطئ إلا في دقيقة واحدة في حساب طول السنة الشمسية، وأجرى أرصاداً دقيقة للكسوف والخسوف، وبرهن على احتمال حدوث الكسوف الحلقي للشمس، وحقق مواقع عدد كبير من النجوم، وصحح بعض الأفكار حول حركة القمر وكواكب المجموعة الشمسية.
وضع البتّاني زيجه منطلقاً من بطليموس في كتاب «المجسطي»، والأرصاد التي أجراها بنفسه في مرصد الرقة. في «الزيج الصابئ» عالج البتّاني في سبعة وخمسين باباً مختلف مواضيع الفلك، وخصص البابين الأخيرين لتبيان عمل عدد من الآلات الفلكية القديمة مثل: الرخامة والعضادة واللبنة والبيضة، والرخامة آلة بسيطة يُعرف بها ما يمضي من ساعات النهار في كل بلد، والعضادة شبه مسطرة وتوضع على ظهر الأسطرلاب وبها يقاس ارتفاع الشمس والكواكب، واللبنة جسم مربع الشكل تستخدم في قياس أبعاد الكواكب ومعرفة ميلها الكلي، والبيضة وتساعد في معرفة هيئة الفلك وصور الكواكب. وذيل البتّاني أبوابه بفصول قصيرة للحديث عن سنين العرب وشهورهم وأوائل شهور الروم، ومعرفة التاريخ العربي والرومي منذ هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعرفة استقامة الكواكب وقطعها أفلاك تدويرها. وأنهى البتّاني كتابه بجدول تاريخي بيّن فيه مدة ملك الروم وأسماء ملوكهم قبل النصرانية وبعدها، وجدول بهجرة الرسول وتاريخ وفاته، ثم تاريخ الخلفاء، وجداول تتضمن تحديد مواقع البلدان باستخدام خطوط الطول والعرض، ومنها أربعة وتسعون بلداً ذكرها الخوارزمي في كتابه «صورة الأرض»، لقد مزج البتّاني الجغرافية بالفلك بالرياضيات، أو أسس لجغرافية الكواكب والنجوم.
اشتغل البتّاني بعلم الفلك لمدة أربعين سنة، واستطاع أن يحدد مواقع الكثير من النجوم كما كانت عليه في أواخر القرن الثالث الهجري، حيث رصد في الباب الرابع من«الزيج الصابئ» ميل فلك البروج عن فلك معدل النهار، وميل الشمس عن الفلك المستقيم، وبحث في الباب السادس في خواص الخطوط المتوازية لمعدل النهار وفي تعيين مواضع الأرض العامرة بخطوط الطول والعرض، وأشار إلى البحار المعروفة آنذاك وجزائرها، وفي البابين الرابع عشر والخامس عشر بحث في كيفية قياس عروض البلدان وارتفاع الشمس في وقت انتصاف النهار، وفي الباب السابع والعشرين درس طريقة معرفة طول زمن السنة ومسير الشمس، وتحدث في الباب الثلاثين عن صفة القمر واختلاف حركاته وشرح أبعاد النّيرين عن مركز الأرض وأقطارهما، وفي البابين الثالث والأربعين والرابع والأربعين تكلم عن الكسوف والخسوف مستخدماً الجداول الحسابية، وفي الأبواب من الخامس والأربعين وحتى الثامن والأربعين تناول الكواكب المتحيرة وهي الكواكب التي كانت معروفة في زمانه وهي الزهرة والمريخ وعطارد وزحل والمشترى، ووضع مجموعة من الجداول التي تساعد في معرفة أوضاع تلك الكواكب، وفي الباب الحادي والخمسين بحث موضوع الكواكب التي تتحرك في فلكها أو يتحرك فلكها بها.
نبغ البتّاني كذلك في علم الرياضيات بفروعه المختلفة إلى حد كبير، فكان أول من استخدم جيب الزاوية وجيب التمام بدلاً من وتر القوس الذي استخدمه بطليموس في حساباته الفلكية، واستخدم أيضاً الظل والظل التمام، وتوصل إلى عدد من علاقات النسب المثلثية الرئيسية، ووضع عدداً من المعادلات التي تعتمد على هذه النسب، وابتكر قاعدة لإيجاد الجيب التمام للمثلث الكروي، فمهدت هذه الإضافات لاكتشاف اللوغريتمات فيما بعد، ويعتبره الكثيرون أحد أعمدة علم حساب المثلثات، وإسهاماته في الرياضيات تؤكد ازدهارها آنذاك.

سعة في العلم

توفي البتّاني في عام 317 هجرية، وترك العديد من الكتب، من أبرزها «مطالع البروج فيما بين أرياح الفلك»، و«شرح المقالات الأربع لبطليموس»، و«مختصر كتاب المجسطي وتفسيره»، و«أرباع الفلك»، و«تعديل الكواكب»، و«رسالة في مقدار الاتصالات».
قال ابن صاعد الأندلسي في كتابه «طبقات الأمم» عن البتّاني: «ولا أعلم أحداً في الإسلام بلغ مبلغه في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها»، واعتبره ابن خلكان في «وفيات الأعيان» واحد عصره في فنه وأعماله تدل على غزارة فضله وسعة علمه، أما حاجي خليفة في «كشف الظنون» فذهب إلى أن كتابه «الزيج الصابئ أقرب إلى الصواب مقارنة بأزياج الآخرين، أما دائرة المعارف الإسلامية البريطانية فقالت عن البتّاني: «فلكي ورياضي عربي مشهور، ويعتبر أحد أعلام الفلك في العالم»، ولأهمية كتابه ترجم إلى اللاتينية في عام 1143، وطُبع من دون جداول في نورنبرغ في عام 1573، وفي بولونيا في عام 1645، وأمر ألفونسو العاشر ملك قشتالة بترجمته مباشرة من العربية إلى الإسبانية في القرن الحادي عشر، ومخطوطة هذه الترجمة موجودة ولكنها غير مكتملة في مكتبة باريس، وطبع«الزيج الصابئ» في روما مرة أخرى في عام 1899، وقال مؤرخ العلوم الشهير جورج سارتون عن البتّاني: «إنه أعظم علماء عصره وأنبغ علماء العرب في الفلك والرياضيات»، ووصل اعتراف الغرب بقيمة ومكانة البتّاني أن اطلقت وكالة الفضاء الأمريكية«ناسا» اسمه الذي عرف به في العالم اللاتيني «Albategnius» على أحد سهول القمر.