إعداد: محمد إسماعيل زاهر

يقول ابن أبي أصيبعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» عن كيفية وجود صناعة الطب وبدايتها: «أقول إن الكلام في تحقيق هذا المعنى، يعسر لوجوه أحدها بعد العهد به، فإن كل ما بعد عهده وخصوصاً ما كَانَ من هَذَا الْقَبِيل، فَإِن النّظر فِيهِ عسير جداً، الثَّانِي أننا لم نجد للقدماء والمتميّزين وَذَوي الآراء الصادقة قولاً وَاحِداً سَاد فِي هَذَا مُتَّفقا عَلَيْهِ فنتبعه، الثَّالِث أَن الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا لما كَانُوا فرقا وَكَانُوا كثيري الِاخْتِلَاف جداً بِحَسب مَا وَقع إِلَى كل وَاحِد مِنْهُم أشكل التَّوْجِيه فِي أَي أَقْوَالهم هُوَ الْحق، وَقد ذكر جالينوس فِي تَفْسِيره لكتاب الْإِيمَان لَأبقراط أَن الْبَحْث فِيمَا بَين القدماء عَن أول من وجد صناعَة الطِّبّ لم يكن بحثاً يَسِيراً»، هو البحث العسير في تاريخ الطب، بل في التاريخ الإنساني بوجه عام، هي تلك الآفاق والفضاءات التي حاول كل المؤرخين القدامى الإبحار فيها، هي مسألة البدايات التي لم يكن يتوافر لمعرفتها الأدوات والتقنيات المعروفة الآن، فكانت الحكايات والمرويات ومتعة القراءة التي نحصّلها، ونحن نقرأ لأي مؤرخ مسلم مجموعة من الأساطير والتصورات التي تعبر عن شوق الإنسان العادي، فضلاً عن المشتغل بالعلوم لمعرفة بداية علم أو فن أو أي مفردة أخرى، هو سؤال التأسيس الذي ينطلق من بساطة الاستفهام و أولوياته التي تنحصر في المكان والزمان والعلة والغاية، وهو ما يقابلنا عند من أرخ للدول والأمم والملوك، وصولاً إلى الصنائع المختلفة ومنها الطب.

أن يهتمّ أحد المؤرخين المسلمين بالطب وتاريخه، مسألة فيها نظر كما يقال، تدعو إلى التوقف والتأمل والسؤال، مسألة تدفع الحداثي للتفكير في ذلك العلم الذي تحول في القرن السابع الهجري، من خلال البيمارستانات ومشاهير الأطباء والمؤلفات، وإجراء العمليات الجراحية إلى سلطة علمية، تستدعي الكتابة عنها والتأريخ لها، مئات الأطباء يضمّنهم ابن أبي أصيبعه في كتابه، ومرة ثانية مسألة تدفع المؤرخ المعاصر للكتابة في تاريخ الطب في الإسلام، ومرة ثالثة تستدعي من دعاة الأصالة البحث أكثر من مرة عن مقومات عوامل قوة الذات، و من الممكن أن تحثّ هواة المقارنات الثقافية والحضارية، للسؤال عن أوجه الشبه والاختلاف بين عالمين ثقافيين متمايزين للطب في الحضارتين العربية الإسلامية والغربية.
ابن أبي أصيبعة هو أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي، (600 - 668 ه)، ولد في دمشق لأسرة معروفة بالطب، فالأب من أشهر أطباء العيون، وكذلك عمه رشيد الدين علي بن خليفة، ويقال إنه لقّب بهذا الاسم، نظراً لأن جده كان يمتلك أصبعاً زائدة. درس الطب في الشام نظرياً وعملياً، وطبق دروسه في البيمارستان النوري، وكان من أساتذته العالم الشهير ابن البيطار، وتخصّص في طب العيون، ومارس هذه المهنة في البيمارستان الناصري في القاهرة. ولمهارته في الطب استدعاه الأمير عز الدين أيبك صاحب صرخد، ليكون طبيبه الخاص، وقد أعجبه مناخ صرخد، فأقام فيها حتى وافته المنية، ويعدّه الكثيرون أشهر أطباء العيون العرب.
تعدّ موسوعته الكبرى «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» المرجع الأوفى لمعلوماتنا عن تاريخ الطب العربي الإسلامي، له ثلاثة كتب أخرى لم تصل إلينا: «حكايات الأطباء في علاجات الأدواء»، و«إصابات المنجمين»، و«التجارب والفوائد».
وقد ألف ابن أبي أصيبعة الكتاب بناء على طلب الوزير أبي الحسن بن غزال السامري وزير الملك الصالح بن الملك العادل، وبدأ فيه في عام 643 ه، وانتهى منه قبل وفاته بسنة واحدة، أي أمضى ربع قرن في تحري سير الأطباء وجمعها من هنا وهناك، ثم عرضها بأسلوب شائق يتضمن صوراً رائعة عن الحياة الاجتماعية التي أحاطت بكل طبيب.

سعة العلم

تميّز ابن أبي أصيبعة في كتابته عن الأطباء، بالعلم الواسع والإنصاف، وبحس أدبي ونقدي متميّز أيضاً، فهو لم يقف عند حدود الطب، وإنما أورد تعريفات جيدة بالآثار الأدبية والفكرية للأطباء، مع تقييم نقدي لقدراتهم الأدبية والبيانية ولأفكارهم الفلسفية ومعتقداتهم، وهكذا نجح ابن أبي أصيبعة، في أن يقدم موسوعة علمية أرقى من أن تكون سجلاً للطب والأطباء، وقد حاول البعض تقليده فعجزوا عن ذلك.
تضمن كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، خمسة عشر باباً، تحدث في الأول منها عن كيفية وجود صناعة الطب، وفي الثاني عن أوائل من اشتغلوا بهذه الصناعة، وفي الثالث والرابع عن الأطباء اليونانيين، وفي الخامس عن طبقات الأطباء في زمن جالينوس، وفي السادس عن طبقات الأطباء الإسكندريين ومن كان في زمنهم من الأطباء النصارى وغيرهم، وابتداء من الباب السابع إلى الخامس عشر تحدث مؤرخنا وطبيبنا عن الأطباء منذ بداية الإسلام وحتى عصره، وكان يعدل دائماً في كتابه عندما تقع في يديه معلومات جديدة، ولذلك استغرق كل هذا الوقت في إنجاز الكتاب.
وسنجد الحسّ الأدبي الإمتاعي الباحث في بدايات الأشياء، يتجلى وهو يتحدث عن أول طبيب في التاريخ، يقول: «قد اتّفق كثير من قدماء الفلاسفة والمتطببين على أن أسقليبيوس هو أول من ذكر من الأطبّاء، وأول من تكلم في شيء من الطّبّ على طريق التجربة، وكان يونانياً واليونان منسوبون إلى يونان وهي جزيرة كانت الحكماء من الرّوم ينزلونها، وقال أبو معشر في المقالة الثّانية من كتاب الألوف إن بلدة من المغرب كانت تسمى في قديم الدّهر أرغس، وكان أهلها يسمون أرغيوا وسمّيت المدينة بعد ذلك أيونيا، وسمي أهلها يونانيين باسم بلدهم، وكان ملكها أحد ملوك الطوائف، ويقال إن أول من اجتمع له ملك مدينة أيونيا من ملوك اليونانيين كان اسمه أيوليوس، وكان لقبه دقطاطر. ملكهم ثماني عشرة سنة، ووضع لليونانيين سنناً كثيرة مستعملة عندهم».

الحكمة والبساطة

وبعد ذلك يفتش في تاريخ الطب عند العرب قبل الإسلام، ذلك الطب المهجوس بالحكمة والبساطة، ويورد حواراً بين الحارث بن كلدة الثقفي وكسرى أنو شروان: «قال كسرى أعربي أنت؟ قال الحارث نعم من صميمها وجبوحة دارها. قال فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها وضعف عقولها وسوء أغذيتها؟ قال أيها الملك إذا كانت هذه صفتها كانت أحوج إلى من يصلح جهلها ويقيم عوجها ويسوس أبدانها ويعدل أمشاجها. أيها الملك العقل من قسم الله تعالى قسمه بين عباده كقسمة الرزق فيهم». ثم يسترسل كسرى في سؤال الحارث عن الطرائق المثلى لمعالجة الكثير من الأمراض. ويترجم ابن أبي أصيبعة للفارابي مازجاً بين عمله بالفلسفة والطب قائلاً: «هو أبو نصر محمّد بن محمّد بن أوزلغ بن طرخان مدينته فاراب، وهي مدينة من بلاد التّرك في أرض خراسان وكان أبوه قائد جيش. وكان ببغداد مدّة ثمّ انتقل إلى الشّام وأقام بها إلى حين وفاته، وكان رحمه الله فيلسوفاً كاملاً وإماماً فاضلاً، قد أتقن العلوم الحكميّة وبرع في العلوم الرياضية زكي النّفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدّنيا مقتنعاً منها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدّمين، وكانت له قوّة في صناعة الطّبّ وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها ولا حاول جزئياتها. وحدثني سيف الدّين أبو الحسن عليّ بن أبي عليّ الآمديّ، أن الفارابي كان في أول أمره ناطوراً في بستان بدمشق وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنّظر فيها والتطلع إلى آراء المتقدّمين وشرح معانيها، كان ضعيف الحال حتّى أنه كان في اللّيل يسهر للمطالعة والتصنيف ويستضيء بالقنديل الّذي للحارس، وبقي كذلك مدّة، ثمّ إنّه عظم شأنه، وظهر فضله، واشتهرت تصانيفه، وكثرت تلاميذه، وصار أوحد زمانه وعلامة وقته».
تعددت طبعات الكتاب واهتم به كثيراً مؤرخو الطب والعلوم في الغرب في العصر الحديث، وعدّه جورج سارتون الكتاب الرئيس في تاريخ الطب الإسلامي، وقال عنه المستشرق لكلير: «ما من مؤلف آخر يمكن أن يحل محله سعة في المعلومات وغنى، وإن فيه من نواقص لا تحول دون إعجابنا بمعرفة الأطباء العرب والحركة الفكرية التي كانت تعمّ الشرق، بينما الغرب في ذلك الوقت غائص في الظلمات الهمجية».
وقد قام المستشرق الألماني مولر بطبع الكتاب عن نسختين خطيتين عثر عليهما، وقامت المطابع المصرية بنقل الكتاب عن نسخة مولر، ولذلك يطالب الكثير من الباحثين العرب بتحقيق هذا الكتاب، وإعادة طبعه، ليكون بين أيدي الأجيال الجديدة لمعرفة ما وصلت إليه أمّتهم في مدة من الزمن.