تعد العولمة أحد أشكال الهيمنة الاقتصادية والثقافية والسياسية، فهي ليست مجرد نتاج للثورة العلمية التكنولوجية، وإنما هي حصيلة لاستراتيجيات وسياسات وإجراءات اقتصادية وسياسية وعسكرية.
إن الآثار الاجتماعية والثقافية للعولمة هي أخطر ما في الموضوع، وخصوصاً تلك المتصلة بمخاطر الاقتلاع الثقافي والخوف من فقدان الهوية لدى العديد من الشعوب والأمم وإهمال البعد الإنساني والاجتماعي، وإضعاف التماسك على مستوى العائلة والمجتمع، وخلق عادات وتقاليد وأعراف اجتماعية جديدة وبالتالي قيم وأنماط سلوكية مغايرة لما هو مألوف، وزرع روح الاغتراب في الجيل الصاعد.
ومن أدوات العولمة تكريس أنماط استهلاكية جعلت البشر يبحثون عن سعادتهم في التسوق وشراء سلع غير حقيقية لا يحتاجون إليها، كما أصبحت الوسائط المرئية إحدى الوسائل التي تعتمدها العولمة الثقافية لبلوغ أهدافها، حيث إن الشركات الكبرى، اقتحمت ميادين الإنتاج الدرامي والتلفزيوني وصارت تضخ سلسلة من المسلسلات الدرامية والبرامج التلفزيونية المعولمة، مستفيدة من التسهيلات التي توفرها تقنية البث الفضائي.
وهذه الأعمال الدرامية مصنوعة بمواصفات خاصة، تهدف إلى تحقيق المتعة البصرية، وتحييد الوعي كخطوة أولى تمهيداً لاستمالته في خطوة لاحقة، وهي تقوم على حبكات يتم نسجها بعناية في موضوعات شديدة الإثارة، ويحرص أصحابها على توظيف كل الخبرات والوسائل الفنية والتكنولوجية، وكل ما يعمل على إقناع البصر ودغدغة الحواس، والتلاعب بالعواطف، وتغييب الوعي في آن واحد.
إن مشروع العولمة تحوّل لمشروع أمركة العالم، بحيث يتم غزو العالم بنفس نمط الحلم الأمريكي، الوجبات السريعة والمياه الغازية والحصول على سيارة وبيت ضخم، كما تغير النمط الثقافي والاستهلاكي للبلاد وأصبحت كل المدن تشبه بعضها، حيث تم محو الطابع الثقافي والمعماري وخصوصية كل بلد ليحل محلها النمط الأمريكي فقط.
كل هذا من أجل ضبط سلوك الدول والشعوب، وتهميش الثقافة الأصيلة في دول الجنوب، وطمس سماتها، ثم إزاحتها بعد ذلك وتقديم الثقافة المعولمة التي هي ثقافة دول الشمال بديلاً، بوصفها تقدم لفقراء الجنوب صورة زاهية ل«جنة» الشمال المتقدم، على الرغم من أن أبرز مظاهر العولمة المتوحشة تتمثل في التركيز على الغرائز وتحجيم النشاط العقلي، وتمجيد الفرد، وإشاعة السلبية، والإغراق في تفاصيل اليومي، وتجزئة الزمن وتفتيته لطمس الترابط التاريخي، والاستهانة بالثقافة الجادة وإبداعاتها وبالقيم النوعية.
كل هذا يقودنا إلى ضرورة طرح النموذج البديل لهذا الهجوم البربري على التنوع الثقافي والمعرفي للشعوب، هذا النموذج الذي يراعي الأصالة الثقافية لكل شعب دون طروحات تعصبية قائمة على العرق أو الدين.
فكما أن ظاهرة العولمة الثقافية تتركّب من منظومة متكاملة من النظم السياسية والاقتصادية والإعلامية والتكنولوجية، فكذلك هي المواجهة المطلوبة لآثار هذه العولمة، لا بد أن تكون قائمةً على أسس قوية ، ومستندة إلى مبادئ سليمة، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للعمل العالمي المشترك، على شتى الصعد، وفي جميع القنوات.