مارلين سلوم

أحياناً تحب أن تبدأ الحديث عن عمل ما «من الآخر»، ومع فيلم «ولاد رزق» تجد نفسك تتحدث عن آخر ما شعرت به وأنت تخرج من الصالة، لأن حالة الحيرة تبقى هي المسيطرة عليك معظم الوقت. هل تحب الفيلم أم لا؟ هل هو جيد أم أقل من ذلك؟ هل تنصح أحداً بمشاهدته أم أنه لا فرق ومن لم يشاهده لم يخسر الكثير؟ لن تستطيع أن تضع «ولاد رزق» الذي يعرض حالياً في الإمارات في خانة الأفلام الكوميدية، ولا هو تراجيديا، وأيضاً لا تستطيع تصنيفه بالأكشن.

هو خلطة من كل ذلك، وضعها الكاتب صلاح الجهيني وأخرجها طارق العريان ؛لتخرج عن إطار الأفلام التي نشاهدها في السنوات الأخيرة وأبطالها مجموعة من النجوم الشباب.

لا يمكنك إلا أن تستمتع بمشاهدة الفيلم، منذ المشهد الأول، ثم تتصاعد الأحداث فتشدك حتى النهاية.
لكن للجانب الكوميدي واللقطات الطريفة دور في كسر حلقة الفراغ التي يكاد يسقط فيها العمل في بعض المشاهد، ولها دور أيضاً في إخراج الفيلم من خانة «أفلام الشوارع والبلطجة» التي أصبحت موضة السينما المصرية.
القصة قد تبدو عادية ومتداولة، تبدأ من اقتحام الشرطة منزل «ولاد رزق» لكنهم يهربون من فوق أسطح المباني المجاورة، ويتم إلقاء القبض على الشاب الذي بلّغ عنهم عاطف علي سرحان (أحمد الفيشاوي). يحقق الضابط رؤوف حمزاوي (محمد ممدوح) مع عاطف ليفهم من هم «ولاد رزق»، ويبدأ الشاب الذي يبدو بسيطاً ومسكيناً أو بالمفهوم العامي «عبيطاً» في سرد القصة. أربعة أخوة ترك لهم أبوهم ورشة لكنها لا تدر أموالاً تكفيهم.
وجد الأخ الأكبر رضا (أحمد عز) نفسه مسؤولاً عن إعالة إخوته ربيع (عمرو يوسف)، رجب (أحمد داود) ورمضان (كريم قاسم). شكل معهم عصابة تسرق وتخرّب فتجني الكثير من الأموال، لكنهم تعاهدوا على الحياد عن القتل والاتجار بالمخدرات. كبر الإخوة وكبرت ثروتهم، لكنهم ظلوا يسكنون نفس الحي، وعاطف «العبيط» هو رفيقهم الدائم.
ينجحون في كل العمليات حتى السطو المسلح على أحد المصارف.
وعلى طريقة بعض الأفلام الأمريكية التي يختلط فيها الأكشن مع الكوميديا، يقدم العريان مشاهد السرقة بنكهة كوميدية لجعل الجمهور يتقبل السارقين ويحبهم أو يتعاطف معهم.
وما تستغربه، ويعتبر من نقاط ضعف الفيلم، أن ينشأ هؤلاء الأطفال على السرقة دون أن يدخلوا السجن ولو مرة، ولا يوجد لهم أي ملف لدى الشرطة، بل إن أسماءهم وسيرتهم مجهولة بالنسبة للضابط، وكل المعلومات عنهم يسمعها للتو من عاطف.
فكيف تتم سرقة مصارف ومحال وصالات أفراح ونواد ليلية، ويتنقل «ولاد رزق» بمنتهى الثقة، وهم «بلطجية» الحي ولا أحد يستطيع مواجهتهم، وفي نفس الوقت هم بعيدون كل البعد عن الشبهات ولم يشتك منهم أحد قبل عاطف؟ في المقابل تشدك الحبكة لتعرف من هم «ولاد رزق» ولماذا يشكوهم عاطف البسيط وهو الصبي الذي يرافقهم ويعطفون عليه منذ الطفولة؟ ومن أهم عوامل نجاح الفيلم قدرته على شد المشاهدين لمعرفة الحقيقة المخفية، وتداخل الشخصيات والأحداث، وهنا استطاع العريان ببراعته في الإخراج خلط المشاهد بين ما يحصل في اللحظة ذاتها وبين القصة التي يحكيها عاطف.
مشاهد من الآني والماضي تختلط دون أن يتوه معها المشاهد أو تفلت منه خيوط القصة وتسلسلها. كما تختلط الشخصيات حين نكتشف أخيراً أن عاطف ما هو إلا رجب رزق ،وقد اتفق مع إخوته على تنفيذ خطة رضا من أجل إنقاذ أخيهم رمضان المحتجز رهينة لدى المعلم صقر.
رجب تقمص شخصية عاطف لخداع الشرطة، ولا يكتشف المشاهد الحقيقة إلا في الدقائق الأخيرة من نهاية الفيلم. صلاح الجهيني أثبت ذكاءه في حياكة الأحداث بطريقة بوليسية طريفة، تتبدل الشخصيات دون إرباك عقل المشاهدين. وطارق العريان وهو منتج الفيلم أيضاً، عرف كيف يقدم هذه «الحيلة» بخبرته في الإخراج السينمائي.
وفي المقابل، أجاد أحمد الفيشاوي لعب دوري عاطف ورجب، ثم تبادلهما مع أحمد داود. ولولا بعض الهفوات في الإخراج ونقاط ضعف في القصة، لأمكن للعمل أن يكون من بين أفضل الأفلام خلال هذا العام.

ففي مشهد السطو على سيارة تنقل أموال أحد المصارف، أحد الأخوة يطلق النار بكثافة في الهواء بينما إخوته يسرقون الحقائب، بينما الشارع خال من المارة ومن السيارات، والمفروض أن العملية سرية وسريعة، فلماذا لفت الأنظار وإطلاق النار بلا داع؟ والغريب أن ذلك يحدث في القاهرة التي لا تخلو أبداً من المارّة على مدار الليل والنهار! كذلك يتأرجح المستوى الذي نرى فيه ولاد عز بين الطبقة الشعبية الجاهلة والطبقة المتوسطة المتعلمة، فكيف يكونون محترفي سرقة و«بلطجية» ولو من غير سفك دماء وقتل، ووجوههم وأجسادهم سليمة خالية من أي علامات أو أثر لمعركة ما وجرح باق؟ صحيح أن الإكسسوارات والملابس وشعر كل الشخصيات تم تصميمها لتليق بها وتتحدث عن البيئة التي تنتمي إليها، لكن الشكل وحده لا يكفي لنصدق أن هؤلاء الشباب يشكلون أخطر وأذكى عصابة في حي شعبي فقير.

إنما الإحساس يرافقنا طوال العمل بأن هؤلاء شباب من طبقة أرقى، يدّعون البلطجة والسرقة للسيطرة على أهل الحي الفقير. الفيلم يضم بعض مشاهد العنف وهو أمر طبيعي يتماشى مع طبيعة القصة، وتكثر فيه العبارات والإيحاءات الجنسية التي كان من الممكن الاستغناء عنها دون أن يختل مسار الأحداث أو تتأثر الحبكة.

بينما في المقابل يجمع الفيلم مقومات النجاح، ويقدم نجوماً محبوبين لدى الجمهور، سبق أن أثبت كل منهم براعته في التمثيل، ونجحوا في تشكيل فريق واحد يمشي كل منهم بجانب الآخر الكتف على الكتف، لا أحمد عز يسبق أحمد الفيشاوي، ولا عمرو يوسف يتأخر عنهما.

حتى الأحدث منهم في عالم البطولة السينمائية أحمد داود يواكبهم وعلى نفس المستوى، بينما الدور الأضعف هو لكريم قاسم الأخ الأصغر الذي لم تكن مساحته كبيرة لإظهار قدراته أمام الآخرين.

علماً أن أحمد الفيشاوي يستحق الإشادة كثيراً لأنه ممثل بدرجة نجم بل تمكن من إثبات نفسه وحضوره المتميز في كل الألوان والأدوار التي أسندت إليه، سواء كانت كوميدية أو تراجيدية، وهو تفوق على والده فاروق الفيشاوي في الموهبة والأداء.

سيد رجب.. الرجل العنكبوت

سيد رجب الذي أصبح الحصان الرابح في السباقات الدرامية الرمضانية، ينتقل بنفس البراعة إلى السينما ليؤدي دور الشرير «الخبيث» بنجاح. فهو شريك في البطولة وإن كان أقل من الباقين ظهوراً، وقد وصفه الكاتب الجهيني في أحدث حواراته ب«الرجل العنكبوت»، ولا شك أنه يسقط هذا التشبيه على رجب من وحي ما كتبه في حوار في أحد مشاهد الفيلم، وجاء على لسان رجب (المعلم صقر)، حيث يقول إن العنكبوت أذكى من العقرب، يعرف كيف يمد خيوطه ويحيكها ليسقط عدوه فيها، لذا فإن الرجل الذكي يجب أن يكون كالعنكبوت.

كواليس

} استغرق تصوير «ولاد رزق» 23 يوماً فقط، ما يعني أن المخرج طارق العريان متمكن من أدواته، وفريق العمل لاسيما الممثلين على قدر من الاجتهاد ويجيدون حفظ أدوارهم وتنفيذها بحرفية. 
} نجل الفنانة أصالة خالد الذهبي (18 عاماً) قام بلعب دور رضا رزق (أحمد عز) في طفولته، وقد أجاد لعب الدور رغم أنها تجربته الأولى في التمثيل.
} قصد الكاتب منطقة «عين الصيرة» وجلس عدة مرات مع أهلها لمعرفة الكلمات الشعبية وأسلوب كلامهم كي تكون كل كلمة في السيناريو «لها طابع شعبي» كما يقول الجهيني.