الشارقة - عثمان حسن:
لم تحظ أي مدونة أدبية بعدد كبير من الآراء النقدية قديمها وحديثها، بمثل ما حظيت «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، التي تعتبر بحق تحفة أدبية، تنتسب إلى أدب الرحلة، كما لم يحظ أي عمل أدبي، باختلاف المفسرين والباحثين، مثلما جاء بشأن هذه الرسالة، ذلك أنها في الأخير، من الأعمال الإبداعية النثرية التي تصطف في مرتبة النص التأسيسي، لما فيها من سرد قصصي جميل، وهو قص بعيد عن مقاصد العبرة، ويتجاوز ذلك نحو دقائق الأدب.
ف «رسالة الغفران» تصور ابن القارح، يدير جلسة أدبية في الفردوس، يحضرها عدد كبير من الشعراء من عصور الجاهلية حتى صدر الإسلام، وفي حواراتهم مع ابن القارح تسوق الرسالة الكثير من المبررات حول دخول الشعراء جنان الفردوس، في مقابل مبررات أخرى لطرد شعراء آخرين خارج هذا النعيم.
والرسالة بحسب ما قيل فيها من نقد، تؤكد اطلاع المعري وخبرته الدقيقة في الشعر واللغة والأدب، بما في ذلك مستويات النقد، وهو الذي يؤكد عمق معرفته، وثقافته التي سبقت عصره، وبالتالي فقد نالت هذه الرسالة شهرة كبيرة، وحظيت بدراسات جامعية وأكاديمية ترصد دلالاتها، لا سيما ذلك السرد القصصي البديع، في إشارة لسرديات التراث القصصي العربي القديم.
نص «رسالة الغفران» بحسب ما يشير الكاتب المصري سيد خميس، وهو يستعرض موضوع رسالة دكتوراه قدمتها منى طلبة لجامعة عين شمس في إبداع الفيلسوف والشاعر العربي الأشهر أبي العلاء المعري، لا يزال يحتل مكاناً بارزاً في «أدب الرحلة إلى العالم الآخر» في التراث العربي والعالمي، وهو بحسب آخرين نص ملغز يحتاج إلى فطنة خاصة وموهبة بحثية ونقدية حتى تحل شفرته، وحتى يكشف عن معناه ومغزاه الحقيقي.
المفارقة العجيبة، أن كثيراً من النقاد والدارسين العرب المحدثين، قد انتبهوا لرسالة الغفران، كما انتبهوا لأدب المعري بوجه عام، بعد أن تناوله المستشرقون، لا بل إن هناك الكثير من المقارنات التي تربط بينها أي رسالة الغفران و «الفردوس المفقود» لجون ميلتون، وهي ملحمة شعرية كتبت في عام 1667، ويدور موضوعها الرئيسي حول هبوط الإنسان من الجنة إلى الأرض، وحول آدم وحواء وإغراء إبليس لهما وحول جنات عدن متأثر بالروايات الدينية، وهناك مقارنات تربطها بملهاة لدانتي، وهذا الأخير، كما يؤكد المستشرق الإسباني القس ميغيل اسين بلاثيوسن في رسالة الدكتوراه التي عنوانها (علم الآخرة الإسلامي في ملهاة دانتي) قد تقاطع في أفكار كثيرة مع ما ورد في رسالة الغفران، وهو الذي أثار تساؤلات مشروعة حول مدى اطلاع دانتي على مؤلفات محيي الدين بن عربي، ورؤية المعري في (رسالة الغفران)، وهو ذات الشيء الذي يمكن سياقه في معرض الحديث عن تلاقي الفكر الشرقي والغربي في البحث عن الحقيقة.
أبعد من ذلك، فإن دانتي بحسب تحليل بعض الباحثين، قد تأثر بشكل مباشر وغير مباشر برسالة الغفران، التي ظهرت إلى الوجود، قبل ظهور الملهاة بحوالي أربعة قرون، وهو ذات الأمر، الذي يمكن قياسه كذلك في واحدة من دراسات المستعربة الأمريكية سوزان ستكوفتشي، التي تناولت بالتحليل رموز المعري وتأثيرها في الآخرين.
النقاد العرب، من جانبهم، درسوا نصوص أبي العلاء المعري، في ضوء مناهج مختلفة، فالمنهج التحليلي النفسي، على سبيل المثال ورد في أبحاث محكمة، كما هو لدى الدكتورة عائشة عبد الرحمن، ود. محمد مندور، وأنور المعداوي، الذين حاولوا تفسير غموض نصوص المعري من خلال تفسير حياته الشخصية، وما أصابه فيها من حرمان وألم ويأس، بسبب ما تعرض له من آفة العمى، مما ولد لديه قدرة على التعويض والتباهي.
بعض الدراسات الاستقصائية المعمقة، تعتبر أن المعري، هو أول من جمع بين أنواع الخطاب الثلاثة في الثقافة العربية، وهي (الخيال والشرح والاقتباس)، وهو الذي ركزت عليه الباحثة الدكتورة منى طلبة في بحثها المشار إليه آنفا، والتي رأت أن أبا العلاء من خلال الاقتباس يقدم رموزاً سابقة عليه، ومن خلال الشرح يقدم منهجاً علمياً لفك شفرة هذه الرموز «ليتورط من جديد ومن خلال خياله الابداعي في مجاز أشمل هو النص الأدبي في مجمله، وتقول «فإذا كانت هذه الرموز اللغوية في الماضي، فالشرح والإبداع الأدبي هما المستقبل الممكن لها، هكذا يحول أبو العلاء الحلم إلى درس، والفرق في معنى الكلمات إلى استغراق في العمل، وهو أيضاً لا يتنكر للرموز اللغوية والدينية السابقة عليه، ولكنه يفض وضوحها من خلال منهج التحليل اللغوي، ثم ينسج من خيوط متقابلة، ومتشابكة، ومتميز بعضها عن بعض، نوعاً من الحوار بين النص ولغته، أو بين الكاتب وثقافته، أو بين الكلمة ومختلف طبقات المعنى».
ولد أبو العلاء المعري، المعروف بكونه شاعراً ومفكراً وفيلسوفاً وناقداً في (معرة النعمان) في سوريا عام 974 وتوفي العام 1058، وقد عاش في العصر العباسي، أما اسمه الحقيقي فهو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، لديه العديد من المؤلفات أبرزها (رسالة الغفران)، أما كتبه الأخرى، فكثيرة منها: (الأيك والغصون في الأدب)، و(تاج الحرة في النساء وأخلاقهن وعظاتهن)، و(ديوان سقط الزند)، و(رسالة الملائكة)، و(رسالة الهناء)، و(رسالة الفصول والغايات) و(شرح ديوان الحماسة)، و(شرح اللزوميات وغيرها).