ولد المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسن، في بغداد في عام 283ه وتوفي في عام 346 ه، أي انه عاش مدة عطائه العلمي في القرن الرابع الهجري، اطلق عليه البعض هيرودت العرب، وكثرت رحلاته بين العديد من بلدان العالم، وتوفي في مدينة الفسطاط بمصر إلا أن ابن النديم يترجم له في «الفهرست»على اعتبار انه من المغرب، ولكن الثابت أنه قضى زهرة شبابه في بغداد وغادر إقليم العراق وإرضاء لميوله وأذواقه، ورغبة منه في التجول، خرج عن بغداد سنة 301 ليقوم برحلة قيل انها استمرت أعواما ثلاثة، وقد قضاها متنقلا بين ربوع فارس وكرمان، ثم بعد ذلك جاب بلاد الهند، وقطن أخيرا في مدينة بومباي حتى سنة 304، ومن المحتمل أن يكون قد أقام حينذاك في جزيرة سيلان ومن ثم شارف الصين، اما جرجي زيدان في كتابه «تاريخ اللغة العربية»، فيذهب إلى ان المسعودي قام برحلة أخرى في عام 314ه طاف فيها ببلاد أذربيجان وجرجان، ثم الجزيرة العربية وثغور الشام وعاد إلى مصر ليبقى فيها حتى وفاته.
كتب المسعودي العديد من المؤلفات، منها: «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، وهو أشهر كتبه وطُبع مرارا، وفيه يصف الأرض والبحار وما فيهما من العجائب، ثم يتتبع تواريخ الأمم القديمة، ملوكهم وعاداتهم وتقاليدهم وحكاياتهم، وينتقل بعد ذلك في الجزء الثاني من الكتاب إلى السيرة النبوية المعطرة ويقف في السرد عند الخليفة العباسي المطيع لله، ويظهر في مقدمة الكتاب اعتماده على عشرات المصادر التي ضاع معظمها، ولم يصل منها إلينا إلا القليل مثل «فتوح البلدان» للبلاذري وتاريخ الطبري. تشعر مع المسعودي بأن الجغرافيا تروي التاريخ، ولأهمية «مروج الذهب» نقله المستشرق بييار دي مينار إلى الفرنسية في عام 1872.
لغة الخيال
ومن كتب المسعودي أيضاً كتاب «التنبيه والإشراف»، و يدور حول موضوعات عدة مثل: الأفلاك وهيئاتها، والنجوم وتأثيراتها، وفصول السنة، وتقسيمات الزمن، والأرض و مساحتها وشكلها، والنواحي والآفاق، وتأثير الجغرافيا على سلوك السكان الموضوع الذي سيعالجه ابن خلدون بتوسع في ما بعد، وحدود الأقاليم السبعة، وذكر الأمم السبع بلغاتها وثقافاتها مع إمتاعية وسحرية هذا الرقم في التراث العربي الإسلامي، ومعرفة السنين القمرية والشمسية.. الخ، وطبع الكتاب في ليدن في سلسلة «المكتبة الجغرافية» في عام 1894 في 500 صفحة، وللمسعودي أيضاً كتاب طويل يقال إنه يقع في 30 مجلداً يشير إليه في كتبه الأخرى بالقول «وقد فصلنا ذلك في كتابنا أخبارالزمان»، ولم يصلنا من هذا الكتاب إلا جزء صغير، وكتب الرجل أيضا ما يقرب من 20 كتاباً ضاعت كلها.
في «أخبار الزمان» يقول المسعودي عن «عمر الدنيا»، ذلك الذي شغل مخيال القدماء طويلاً: «فأما ما ذكروه من توقيت الزمان ومدته إلى انقضائه، فإنهم قالوا فيه أقوالاً لا تسلم لهم، إنما تسمع وتذكر على ما يتعجب منه لأعلى جهة التصديق به، نعوذ بالله، ففي كتاب السند هند الذي عمل منه المجسطي وغيره من الزيجات أن دوران الشمس من أول سيرها من الحمل إنما سيرها ينقضي على ما حسبوه من الآلاف ألف ألف وأربعمائة ألف وعشرون ألف ألف دورة لكل دورة سنة، والسنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع يوم وقالوا إن أصل الدور أربعة آلاف ألف ألف وثلاثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف عند كل بدء ألف سنة وأما أهل الأثر، فزعم قوم أن عمر الزمان إلى آدم عليه السلام سبعة آلاف سنة، ورواية محمد بن جرير الطبري على ما قدمناه ذكره أن من آدم إلى انقضاء الخلق سبعة آلاف، وتبقى الأرض خراباً من العالم، ثم يستأنف الله عزوجل ما أراد في الخلق، وكان أرسطا طاليس يرى أن الزمان لا يبيد، ولا ينفد، وأن الطبيعة قديمة، وأنه لا أول لها ولا آخر، تعالى الله جل جلاله»، هنا يتنقل الخيال بسلاسة بين عمر الأرض مرتبطا بعمر الكون و بداية التاريخ، مستفيداً من حدود عصره في الفلك والفلسفة، رافضاً من موقع المثقف المسلم ما ذهب إليه أرسطو ويتعلق بقدم العالم، مقاربا لزماننا الذي يحدثنا فيه العلماء عن عمر الكون بلغة المتناهي في الكبر الذي لا تستوعبه عقولنا، هنا لا معقول المسعودي، ابن اللغة الإطلاقية والحٌلمية لا يختلف كثيرا عن علماء ينتمون إلى لغة بحثية قطعية.
النغمة السابقة يستمر المسعودي في العزف عليها وهو يرصد أمم ما قبل آدم عليه السلام: «فهي متباينة الخلق ومنها أمة طوال خفاف زرق ذات أجنحة كلامهم فرقعة، ومنها أمة أبدانهم كأبدان الأسد ورؤسهم رؤس الطير لها شعور وأذناب طوال كلامهم دوي، ومنها أمة لها وجهان قدامها وخلفها وأرجل كثيرة وكلامهم كلام الطير، ومنها الجن، وهي أمة في صور الكلاب لها أذناب وكلامها همهمة لا يفهم، ومنها أمة تشبه بني آدم أفواههم في صدورهم يصفرون تصفيراً، ومنها أمة في خلق الحيات الطوال لها أجنحة وأرجل وأذناب، ومنها أمة يشبهون نصف شق الإنسان لهم عين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة يقفزون تقفيزاً، وكلامهم مثل كلام الغرانيق، ومنها أمة لها وجوه كوجوه الناس وأصلاب كأصلاب السلاحف، وفي أيديهم مخالب وفي رؤسهم قرون طوال، كلامهم كعوي الذئاب، ومنها أمة لكل واحد منهم رأسان ووجهان كوجوه الاسد طوال لا يفهم كلامهم، ومنها أمة مدورة الوجوه لها شعور بيض وأذناب كأذناب البقر، ومنها أمة في خلق النساء لهم شعور وثدي ليس فيهم ذكر... الخ».
هي صورة أدبية نطالعها كثيراً في التراث، وبخاصة في كتابات الرحالة، وإن كان المسعودي يتحدث عن هذه الأمم محلقا في المخلوقات التي تواجدت على الأرض قبل آدم، فإن ابن بطوطة سيتحدث لاحقاً عن أناس قابلهم ويتميزون ببعض الصفات التي ذكرها المسعودي.
في «التنبيه والإشراف»، يبتعد المسعودي عن الخيال قليلاً، يقول حول الأرض: «وأن الحكمة في كون الأرض كرية الشكل، انها لو كانت مسطوحة كلها لا غور فيها ولا نشز يخرقها لم يكن النبات وكانت مياه البحار سائحة على وجهها فلم يكن الزرع ولم يكن لها غدران تفضي مياه السبول إليها، ولا كانت لها عيون تجري تنبع بالماء أبدا لأن مياه العيون لو كانت منها تخرج دائماً لفنيت ولصار الماء ابداً غالباً على وجه الأرض فكان يهلك الحيوان ولا يكون زرعا ولا نباتا فجعل عز وجل منها انجاداً ومنها اغواراً ومنها انشاز أو منها مستوية، وأما انشازها فمنها الجبال الشامخة ومنافعها ظاهرة في قوة تحدر السيول منها فتنتهى إلى الأرضين البعيدة بقوة جريها ولتقبل الثلوج فتحفظها إلى أن تنقطع مياه الأمطار وتذيبها الشمس فيقوم ما يتحلب منها مقام الامطار ولتكون الآكام والجبال في الأرض حواشر للمياه لتجرى من تحتها ومن شعوبها وأوديتها، فيكون منها العيون الغزيرة ليعتصم بها الحيوان ويتخذها مأوى ومسكناً، ولتكون مقاطع ومعاقل وحواجز بين الأرضين من غلبة مياه الامطار عليها وما لا يحصيه إلا خالقها».
الحكّاء الممتع
تعود النغمة إلى السياق الإمتاعي المعتاد عند المسعودي بعد ذلك، ليحاول أن يفسر لنا سلوك وطبائع البشر منطلقاً من الجغرافيا وتغيرات المناخ: «العالم أربعة أرباع فالربع الشرقي وهو ما تسافل عن خط الجنوب والشمال إلى المشرق فهو ربع مذكر يدل على طول الأعمار، وطول مدد الملك والتذكير وعزة الأنفس وقلة كتمان السر وإظهار الأمور والمباهاة بها، وما لحق بذلك، وذلك لطباع الشمس وعلمهم الأخبار والتواريخ والسير والسياسات والنجوم وأما أهل الربع الغربي، فإن الغالب عليه التأنيث إلا ما استولت عليه الكواكب المذكرة، كما يغلب التذكير على المشرق إلا ما غلبته عليه الكواكب المؤنثة، وأهله أهل كتمان للسر وتدين وتأله، وكثرة انقياد إلى الآراء والنحل، وما لحق بهذه المعاني إذ كان من قسم القمر. وأما أهل الربع الشمالي، وهم الذين بعدت الشمس عن سمتهم من الواغلين في الشمال كالصقالبة والافرنجة ومن جاورهم من الأمم، فإن سلطان الشمس ضعف عندهم لبعدهم عنها فغلب على نواحيهم البرد والرطوبة وتواترت الثلوج عندهم والجليد، فقل مزاج الحرارة فيهم فعظمت أجسامهم وجفت طبائعهم وتوعرت أخلاقهم وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم، وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة ورقت جلودهم وغلظت لحومهم، وازرقت أعينهم أيضاً، فلم تخرج من طبع ألوانهم وسبطت شعورهم، وصارت صهبا لغلبة البخار الرطب ولم يكن في مذاهبهم متانة. وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهائمية وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد إلى الشمال، وكذلك من كان من الترك واغلا في الشمال فلبعدهم من مدار الشمس في حال طلوعها وغروبها كثرت الثلوج فيهم وغلبت البرودة والرطوبة على مساكنهم، فاسترخت أجسامهم وغلظت ولانت فقارات ظهورهم وخرز أعناقهم، حتى تأتى لهم الرمي بالنشاب في كرهم وفرهم وغارت مفاصلهم لكثرة لحومهم فاستدارت وجوههم وصغرت أعينهم لاجتماع الحرارة في الوجه حين تمكنت البرودة من أجسادهم إذ كان المزاج البارد يولد دماً كثيراً، واحمرت ألوانهم إذ كان من شأن البرودة جمع الحرارة وإظهارها وأما من كان خارجا عن هذا العرض إلى نيف وستين ميلاً يأجوج ومأجوج، وهم في الإقليم السادس فإنهم في عداد البهائم».
عندما نقرأ المسعودي فأننا نطالع موسوعة متكاملة في المعلومات تختزن بداخلها موسوعة رديفة من الدلالات التي تظهر أفق وثقافة عصر نحتاج إلى أن نتعرف إليه أكثر وأكثر.