ليس من السهل إبلاغ أب أو أم على وجه الأرض باستشهاد اثنين من فلذات أكبادهما في وقت واحد، هي صدمة قد لا يحتملها أشد الرجال، فما بالنا بأم أو أب بلغا من العمر مبلغه، كان من الضروري التريث والترتيب للأمر.
الشقيق الأكبر، رجل في منتصف العقد الرابع من العمر، تبدو عليه علامات الحكمة، وترتسم على وجهه معاني الصبر والجلد، لا تخفي ابتسامته الدائمة، حزناً دفيناً، ويعد هذا أمراً بديهياً لرجل فقد اثنين من أشقائه في لحظة واحدة.
استطعت تدبير أمر زيارتي لمنزل الشهيدين راشد وحامد محمد عباس البلوشي بصعوبة بالغة، تكمن الصعوبة لدي في كيفية سبر أغوار حكاية يغلفها الألم، فمنذ الوهلة الأولى لاتصالاتي الهاتفية بالشقيق الأكبر، التقطت أذناي نبرة شجن يصعب على أي صحفي في ظلها أن يقنع الطرف الآخر بالاستفاضة في حديث عن أمر يذكّره بلحظات فارقة، وبآلام لعل من الصعب توصيفها.
اتفقنا على اللقاء في منزل العائلة بمنطقة «طريف» بمدينة كلباء في ساعة متأخرة من ذاك اليوم الذي وافق مرور 60 يوماً على واقعة الاستشهاد، التقينا وكانت البداية من المسجد القريب من المنزل، حيث أوعز لي عبد الله محمد عباس البلوشي بأن نصلي العشاء سوياً قبل أي شيء.

منزل الشهيدين

توجهنا إلى المنزل وقد ذابت أفكاري وتحضيراتي للقاء حين وقعت عيناي على 9 أطفال جملة واحدة، هم أولاد للشهيدين راشد محمد عباس البلوشي، وحامد محمد عباس البلوشي، فطن الشقيق الأكبر إلى ذوبان أفكاري، ليبادرني بالحديث، سأقص عليك الحكاية:
هنا ولدا وهنا ضحكا ومن هنا خرجا إلى جبهة القتال، وإلى هنا عادا متوجين بتاج الشهادة، ملفوفين بعلم العزة، هذا أبي.. رجل في نهاية السبعينات من العمر، ظروفه الصحية أجبرتنا على إخفاء الأمر عنه، نعم لا يعلم الأب حتى اللحظة بأن اثنين من أبنائه قد التحقا بالرفيق الأعلى.
كانت مفاجأة لم أتوقعها، لأبادر بالسؤال عن الأم: وماذا عن الأم؟
أومأ الرجل برأسه إيجاباً.. نعم أدركت الأمر بعد إخفائه عنها لبعض الوقت.
احترام سرية عملهم
بعد منتصف شهر أغسطس/آب من العام الجاري بقليل، التحق الجنديان برفاقهما من المقاتلين في اليمن الشقيق، حيث مهمة الذود عن أهله أمام الظلم والتجبر، ضمن قوات التحالف العربي.
كان الشقيق الأصغر عبيد محمد عباس البلوشي، قد عاد للتو من اليمن، لم يكن أحد بالمنزل يعرف أين كان، فقد تربى الأبناء داخل منزلهم وفي البيت الأكبر«القوات المسلحة»، على احترام سرية عملهم حتى فيما بينهم.
سافر الشقيقان ولم يعلما أن أخيهما في طريق العودة من جبهة القتال، شاءت الظروف ألا يلتقيا هذه المرة إلى الأبد، فبعد نحو أسبوعين من تاريخ السفر، وصل الخبر إلى الشقيق الأكبر: «البقية في حياتكم».
يقول الشقيق الأكبر عبد الله البلوشي: «كانت قد وردت أخبار عن عملية استشهاد عدد من جنود الدولة في حرب اليمن، ومن بين الأقاويل، خبر عن استشهاد شقيقي حامد، وإصابة الشقيق الآخر راشد، مضيفاً: رغم الصدمة.. تمهلت حتى تيقنت من الخبر، استشهدا سوياً.
يشير عبد الله إلى إن تلك اللحظة هي أصعب اللحظات التي مرت عليه، «وكان السؤال الذي يدور بذهني، كيف أبلغ العائلة بالأمر، فنحن 9 أشقاء و7 شقيقات علاوة على الأب والأم ؟».
اتفقا الشقيقان عبد الله وعبيد محمد عباس البلوشي، على ضرورة إبلاغ إخوانهم بشكل فردي، واحداً تلو الآخر، وخارج حدود المنزل، يقول عبيد: «كنت قد أبلغت بالأمر أنا الآخر بحكم عملي بالقوات المسلحة، ورغم الآلام، تماسكت وبدأت في التمهيد لوصول الخبر إلى إخواني، حرصت على الخروج وقتها مع أشقائي بشكل فردي، واحداً تلو الآخر لأبلغه بالخبر، وما إن وصل الخبر إلى الجميع، كان الاتفاق بإخفاء الخبر عن والدي ووالدتي خوفاً عليهما من الصدمة، في ظل ظروفهما الصحية.

الأم منبع البطولة

تدريجياً، دنا إلى الأم سليمة محمد حامد الخبر، فالحزن يملأ البيت، وكان من الصعب الصمت لفترة أطول، فجعت الأم المكلومة بفلذتي كبدها، قائلة: «عزائي أنهما استشهدا فداء للوطن، وللذود عن كل بيت إماراتي»، معبّرة رغم الألم عن اعتزازها بنيل ابنيها شرف الشهادة.
وأضافت الأم: «كنت أدعو لهما بحسن الخاتمة، واستجاب ربي لمطلبي، موضحة أنها قابلت صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على هامش تقديم سموه العزاء في الفقيدين، موضحة أنها طلبت من سموه إشراك جميع أبنائها في الحرب للدفاع عن الحق، وأنها طلبت السماح لها هي شخصياً بالذهاب إلى اليمن لتكون إلى جوار أبنائها، جنود الإمارات.

زوجات الفداء

من جانبها، قالت ميعاد محمد، أرملة الشهيد حامد البلوشي، إنها فجعت حين تلقت خبر استشهاد زوجها، وفي الوقت نفسه شعرت بالفخر والاعتزاز كونه استشهد وهو يؤدي واجباً وطنياً جليلاً، مشيرة إلى أن للشهيد خمسة من الأبناء (ثلاثة أولاد وبنتان)، أكبرهم يبلغ عمره 10 أعوام، وكان في كل اتصال يوصيها بالاهتمام بهم. وأضافت: «في الاتصال الأخير طلب بأن أعطي كل واحد من الأبناء 20 درهماً، كتحفيز لهم في أول يوم دراسي».
وتابعت: «كان متحمساً لتلبية نداء الوطن، وكان لديه الإيمان العميق بأن تأدية الواجب الوطني هو الشرف الذي يسعى له كل مواطن عاش على أرض الوطن، وأن بذل الروح يعد جزءاً يسيراً يقدم لكل ذرة تراب على أرض دولة الإمارات». مضيفة:«كنا نتطلع لرجوعه للاحتفال بيوم ميلاده، إلا أنه نال أكبر تكريم بنيله الشهادة».
من جهتها، قالت مريم موسى زوجة الشهيد راشد البلوشي، إن «لديه أربعة من الأبناء أكبرهم في ال12 من العمر، وكان قريباً جداً منهم، حيث كان حريصاً على التواصل معنا، والاطمئنان علينا، مشيرة إلى أنه كان صاحب أخلاق عالية، ويحب الجميع ويخدمهم، وكان عوناً وسنداً للجميع، خصوصاً أهل بيته وإخوته، إذ لم يكن يتردد في تقديم العون لمن يطلب منه ذلك.
وأضافت: «آخر رسالة نصية وصلتني من زوجي عبر الهاتف المحمول كانت قبل وفاته بساعات قليلة، وكان محتواها «صباح الخير.. اشتقت لكم كثيراً».

أبناء الكرامة

على صغر سنوات أعمارهم، حرص أطفال الشهداء التسعة على المشاركة في الحوار، محاولين قدر المستطاع إيصال رسالة مضمونها «نحن على الدرب سائرون».
الطفل عبد الله البلوشي، لم يرغب أن أغادر المجلس قبل أن ينشد أبيات شعرية، لعلها أبرز توصيف عن معان الكرامة والفخر التي غرست بداخله، مردداً التالي: ( في سبيل الإله، سوف نبقى جنود... ونبيع الحياة في جنات الخلود)
(موطني موطني، سيدي وقائدي.. نحن للوطن جنود، الله كريم، الله معي،) (يا نفس صبراً لا تيأسي، ليسعد الرجال والكل يهتف الله كريم، الله معين)
الأمر نفسه تكرر مع أطفال الشهيد راشد البلوشي، حيث رددوا أنشودة يا شهيد: يا شهيداً أنت حيٌّ ما مضى دهرٌ وكانا ذِكْرُكَ الفوّاحُ يبقى ما حيينا في دِمانا أنت بدرٌ ساطعٌ ما غابَ يوماً عن سمانا

مسيرة الشرف وأقدس الأوسمة

الشقيقان جمعتهما الأخوة في منزل واحد، يتسم بالترابط والتماسك بين عائلة قوامها 16 فرداً بين البنين والبنات، ولم يمر يوماً دون أن يجتمع أفراد الأسرة كافة في منزل الوالد، ومن هنا كان اقتداء الأخ بأخيه يعد جزءاً أصيلاً بمكونات العلاقة بين أفراد الأسرة.
يقول الشقيق الأكبر عبد الله البلوشي، إن الشهيد حامد (35 عاماً) صمم على الالتحاق بالقوات المسلحة اقتداء بأخيه الشهيد راشد (37 عاماً)، وكان ذلك قبل نحو 18 عاماً، هي المدة التي قضاها حامد في الجيش، ويسبقه راشد بعامين في الخدمة التي استمرت 20 عاماً، وتوجت المسيرة للبطلين بنيل أقدس الأوسمة ألا وهي الشهادة سوياً.
وأوضح أن الشهيد راشد لديه أربعة أبناء هم مريم ابنة ال 14ربيعاً، وموسى الذي يصغرها بعامين وسلطان ابن ال 7 أعوام، وريان البنت الصغرى، مشيراً إلى أن راشد كان أقرب الأبناء إلى قلب أمه، حيث كان الأكثر تواصلاً معها، والأكثر حرصاً على تلبية طلباتها.
أما شقيقه حامد، لديه 5 أبناء أكبرهم عائشة ابنة ال 10 سنوات، يليها محمد وعبد الله وشما وزايد، لافتاً إلى أن حامد عرف بروحه المرحة بين أفراد أسرته، وأخلاقه العالية بين جيرانه وأصدقائه.

لقاء الشهداء

عن الشهيدين قال الشقيق عبيد البلوشي، إنها اتسما بحسن الخلق، وبر الوالدين، وكانت لهما علاقات اجتماعية واسعة، ومن ضمن أصدقائهم المقربين، الشهيد راشد ناصر الزعابي، وهو أحد أبناء مدينة كلباء أيضاً.
أضاف عبيد، إن الأقدار شاءت أن تجمع شهادة الأحباء الثلاثة سوياً، مضيفاً إن الشهيدين حامد وراشد كانا يخدمان في مواقع مختلفة على جبهة القتال، وشاء الله عز وجل أن تجمعهما الظروف وفقاً لأحد الأصدقاء يوم الخميس الموافق 3 سبتمبر/أيلول الماضي، مع صديقهم الشهيد راشد الزعابي، قبل ساعات من استشهاد الثلاثة معاً.وأوضح البلوشي، إن الشهداء الثلاثة صلوا الفجر سوياً صبيحة يوم الاستشهاد.
وأشار إلى أن المصاب وما ترتب عليه من حزن أدمى القلوب، ما أنساهم بأن فلذات أكبادهم قد استشهدوا فداء للوطن والعروبة، مشيراً إلى أن الإيمان بثوابت ديننا الحنيف، والحب للوطن، وقادته تجعل من الشهادة مطلباً يتمناه أي إنسان، وهذا هو العزاء لنا بفقد الأحباء.

الشهيد الزعابي خبر مهم على الهواء مباشرة

الشهيد راشد ناصر الزعابي (30 عاماً - متزوج ولديه 3 بنات)، هو الشهيد الثالث في ملحمة البطولة والفداء، ولعل من المفارقات رسالة صوتية وجهها لأهله في آخر مكالمة مساء الخميس، 3 سبتمبر/أيلول الماضي، أي قبل ساعات من استشهاده، قال فيها «انتظروا غداً خبراً مهماً على الهواء مباشرة». يقول ناصر الزعابي والد الشهيد راشد ناصر سيف حسن الزعابي من مدينة كلباء، إننا لا نزكيه على الله، معبراً عن فخره بنيل أحد أبنائه شهادة العزة والكرامة، حيث مات مدافعاً عن الحق، و ثوابت الوطن والأمة العربية.
وأوضح الأب أن الشهيد كان على تواصل دائم معهم، وكان يوصيهم بالثبات عند المحن والشدائد، وفي آخر محادثاته معهم أكثر فيها من السلام على أفراد الأسرة والأصدقاء، وأوصى بالدعاء له بنيل الشهادة.
وأشار إلى أن الشهيد تمتع بصفات أخلاقية عالية، وعلى درجة رفيعة من التواضع، إذ كانت له طريقة خاصة ومتميزة في التعامل والتواصل مع الناس، يغلب عليها المرح والبسمة، لذلك كان محل احترام الكبير والصغير، وبجانب صفاته الإنسانية المتميزة كان محباً لعمله في القوات المسلحة، ومخلصاً لوطنه.
وقال حسن ناصر الزعابي، شقيق الشهيد إن الشهيد قبل مغادرته إلى اليمن كان يدعو الله أن يستشهد في سبيله، ووفي سبيل الدفاع عن الوطن، وطالما عبرت عن ذلك رسائله على برامج التواصل الاجتماعي، وقد منّ الله عليه بها، لافتاً إلى أن أفراد أسرة الزعابي يشعرون بالفخر بشهيدهم، الذي رفع رؤوسهم عالياً، مدافعاً عن الوطن.وقالت مريم ناصر الزعابي شقيقة الشهيد راشد: «فخورون بشهادة أخي، وهذه الشهادة هي الوسام على صدورنا جميعاً، ونوجه حديثنا لقائد مسيرتنا صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أننا جميعاً فداء للوطن ولكم، نفديكم بأرواحنا وقلوبنا وبكل غال ونفيس».

وقفة رجال

كعادتهم يقفون وقفة الرجال إلى جوارنا في الضراء قبل السراء، بهذه الكلمات وصف عبد الله البلوشي الشقيق الأكبر لشهيدي الواجب، مواقف قادة وشيوخ الدولة تجاه مصابهم، حيث أوضح أن أصحاب السمو الحكام وأولياء العهود وجميع شيوخ الدولة لم يتوان أحد منهم في تعزية أسرة البلوشي، معتبراً أن وقفتهم وقفة رجال، أدركوا معاني رسالة الحكم الرشيد. وأشار إلى أن شيوخ الإمارات يضربون أروع الأمثلة في مفهوم العلاقة بين قيادة وشعب الدولة، لذلك تجد الجميع يتهافت على تلبية أوامرهم، ولو تطلب الأمر فداءهم بالروح، لما تأخر أحد من مواطني الدولة.وأوضح أن أبناء الشهداء في ضمان شيوخنا، حيث تكفلوا بكل شيء يخصهم، ويخص عموم العائلة، وهذا ليس بغريب على شيم الرجال تقديراً لتضحيات شهدائنا، وإيماننا من شيوخنا بواجبهم، وتقديراً وتخليداً لذكرى أبطالنا، حيث لا ينقطع السؤال ولا التكريمات المتتالية لأبنائنا وإخواننا الشهداء ولذويهم.
واتفق ناصر الزعابي والد الشهيد راشد مع البلوشي في القول، حيث ثمن حرص شيوخ الدولة، وقيادتها الرشيدة، على التواصل المباشر ومواساة أهالي الشهداء والاستماع إلى مطالبهم واحتياجاتهم، فضلاً عن تخليد ذكرى، وتضحيات أبنائهم بشتى السبل.