احتل ديوان الحماسة لأبي تمام حبيب بن أوس الطائي المتوفى سنة 231 ه منذ تأليفه مكانة رفيعة لدى المتأدبين ونقاد الشعر، فشكل مدونة منهجية لكل شاعر يسعى لمعرفة الشعر وإجادته، وموضوعاً دائماً للشرح والنظر النقدي لكل ناقد صاحب رؤية، وراج لدى عامة قراء الشعر رواجا دالا على رفعة الشعر الذي تضمنه، وحسن رأي أبي تمام فيما اختاره.
وديوان الحماسة عبارة عن مجموعة من الاختيارات الشعرية اختارها أبو تمام كأفضل ما ألفه الشعراء في العصور التي سبقته، وقصرها على المقطّعات الشعرية، دون المطولات، وكان المفضل بن يعلى الضّبّي المتوفى سنة 178ه قد سبقه إلى وضع كتاب في المطولات الشعرية شمل قصائد لشعراء الجاهلية وصدر الإسلام، فأراد أبو تمام ألا يكرر ما فعله سلفه، وأن يكمل ما فاته بسبب اقتصاره على القصائد الطويلة، وكان قد نتج عن التطور الذي لحق الشعر في العصرين العباسي والأموي انقلاب الذائقة الأدبية عن المطولات الشعرية إلى المقطعات التي تكون دون العشرين بيتاً، وذلك لأن القصيدة الجاهلية كانت تجمع في ثناياها عدة أغراض شعرية، ففيها الطلل والغزل والوصف، وقد خرجت كل هذه الأغراض من القصيدة الأموية والعباسية، واستقلت فأصبحت القصيدة مقتضبة رشيقة، وكان هذا الواقع الجديد، يحتاج الى تأصيل وتدوين، فحمل أبوتمام هذه المهمة على عاتقه، فجاء بمقطّعات شعرية من العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر الأموي، وبعض المقطّعات لشعراء عباسيين مثل بشار بن برد ودعبل الخزاعي وحماد عجرد.
كان أبو تمام صاحب طريقة شعرية عرفت بطريقة الصنعة البديعية، وذلك لأنه أكثر في شعره من أساليب البديع كالجناس والطباق والمقابلة والتورية وغيرها، ورغم ذلك فإن اختياراته الشعرية خلت من هذا الاتجاه، وربما يكون ذلك بسبب أن العرب لم يعرفوا الإكثار من هذه الأساليب ولم يقصدوا لها قصداً كما كان يفعل أبو تمام، وقد عدّ هذا التصرف من أبي تمام حسن اختيار وسمة موضوعية، فإن المؤلفين في الاختيار عادة ما يجنحون إلى ما يناسب مذهبهم، ويجاري ذوقهم، وقد ظهر في هذه الاختيارات علم أبي تمام بالشعر واطلاعه الواسع عليه، وحسن رأيه فيه، فلم يأت فيها إلا بالجيد السبك القوي العبارة البين الصورة الواضح المعنى، واتبع فيها أساليب الشعراء المجيدين، وطرقهم على اختلافها ليأتي كتابه شاملا، يعطي لقارئه صورة متكاملة عن تلك الأساليب، ونهجاً مستقيماً فيه يستطيع أن يتبعه هواة الشعر لكي يجوّدوا مواهبهم.
سميت اختيارات أبي تمام «ديوان الحماسة» وذلك لأنه يبدأ بباب الحماسة، وهو أغزر أبوابه وأكثره شواهد، وقد جعل الكتاب على عشرة أبواب هي، الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والأضياف والمديح، والصفات، والمُلح، ومذمة النساء، ومن ميزات اختياراته أن يستطرد في المعنى الواحد فيأتي بعدة أمثلة عليه، وقد ضمنها كل موضوعات الشعر والشجاعة ومكارم الأخلاق والحكمة وحب الأبناء وغيرها من الأخلاق الرفيعة، ولقيت هذه الاختيارات من الإقبال والاستحسان ما جعلها موضعاً دائماً للشرح والتعليق من قبل علماء الشعر المتقدمين، ومن الكتب التي وضعت لشرحها: شرح أبي محمد القاسم بن محمد الأصبهاني، والتنبيه في شرح مشكل أبيات الحماسة لأبي الفتح عثمان بن حسني، وشرح المرزوقي أحمد بن محمد، والباهر في شرح ديوان الحماسة لأبي علي الفضل الطبرسي، وشرح عبد الله بن الحسين العكبري، وشرح أبي زكريا يحيي بن علي الخطيب التبريزي.
أصبحت اختيارات أبي تمام نموذجا لأساليب الشعر العمودي، فقد كان شارحه المرزوقي هو أول من حدد بدقة عناصر النظرية الشعرية العربية القديمة بالاعتماد على اختيارات أبي تمام وسماها في «عمود الشعر»، وتلقفها النقاد بعده هذه العناصر وتوسعوا في شرحها.