وأنت تقرأ «حي بن يقظان» برغم لغتها الرمزية أحياناً، والصعبة في أحيان أخرى، تشعر بأن مؤلفها تهيمن عليه الرغبة في تلخيص كل معارفه وما حصله من قراءات ومطالعات وما يدور في ذهنه من أسئلة مؤرقة داخل هذه القصة، والتي يتنقل فيها ابن طفيل من غرائب وعجائب القزويني، إلى التأثر المباشر بالقرآن الكريم، إلى تفصيل ربما يصل إلى حد الملل بتشريح الجسد و وظائف أعضائه، إلى تغني الشاعر بجماليات الطبيعة، إلى دهشة اكتشاف النار وكأننا في حضرة الأساطير اليونانية، إلى حكمة وورع الصوفي في سعيه وراء المعرفة القلبية، إلى رموز وإشارات الفيلسوف العقلاني، إلى المربي الأخلاقي..الخ، يجعلنا ابن طفيل في قصة صغيرة لا تتجاوز المئة والخمسين صفحة من القطع المتوسط نلهث وراءه، نستمتع بالسرد مرة، و نتأمل ما تختزنه السطور مرة أخرى، و تفاجئنا بعض تصوراته الساذجة بمعايير عصرنا مرة ثالثة، وننبهر بسعة عقله مرة رابعة.
ابن طفيل، هو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي، ويوصف أحيانا بالأندلسي والإشبيلي، يتراوح تاريخ ميلاده بين عامي 494 و504 ه، أي أنه عاش في القرن السادس الهجري، وعمل في بلاط أبي يعقوب يوسف، وكان مجلس هذا الأخير حافلاً بالحوار العلمي والدرس الفلسفي، وطلب منه أبو يعقوب أن يشرح فلسفة أرسطو بما يبسطها ويقرّبها للقراء، فاقترح ابن طفيل على ابن رشد القيام بتلك المهمة التي حققت له شهرة على مر الأجيال.
عمل ابن طفيل بالطب، حيث ذكر ابن أبي أصيبعة في «عيون الأطباء» أنه ألف كتاباً في الطب يقع في مجلدين، وهو ما تؤكده المعلومات الوفيرة عن الجسد وتشريحه في «حي بن يقظان»، والأمر الذي يؤكد ممارسه العلماء المسلمين لتشريح الجسد في وقت مبكر، ويوصف كذلك بالفلكي، ولفت إلى ذلك تلميذه عالم الفلك الأندلسي البطروجي، وهو أيضاً ما ضمنه في «حي بن يقظان»، حيث يتحدث عن الأفلاك والبروج، فضلاً عن كتابته للشعر، وهو ما يؤشر إلى وحدة المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية، تلك التي تتشكل من حلقات تؤدي كل منها إلى الأخرى، ولا يمكن الفصل بداخلها بين ما يفيد المجتمع إفادة مباشرة، وبين ما يهز الوجدان ويحرك الروح، فلا فارق بين الملموس والمحسوس، أو الواقعي والمتخيل أو الروح والجسد..إلخ، والطرق إلى الحكمة متعددة ولكن الهدف من وراء المعرفة واحد ويتمثل في تحقيق الخير والسعادة للبشرية.
يستند ابن طفيل في «حي بن يقظان» إلى قصتين لابن سينا، الأولى بالعنوان نفسه «حي بن يقظان» والثانية بعنوان «سلامان وأبسال»، وقصة «الغربة الغربية» للسهروردي، وجاء الطبيب ابن النفيس بعد ابن طفيل ليواصل القصة نفسها تحت عنوان «فاضل بن ناطق»، ولكن في كل هذه المعالجات لفكرة إمكانية وصول الإنسان المنعزل عن العالم إلى القيم المطلقة عبر العقل، انتشرت معالجة ابن طفيل في تراثنا العربي، وترجمت إلى اللاتينية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية.
بين عزلتين
تبدأ قصة ابن طفيل بأم حي بن يقظان وهي تلقي برضيعها في البحر، خوفاً من انتقام أخيها الملك والذي رفض زواجها ومن ثم إنجابها، وحملت الأمواج تابوت الطفل إلى جزيرة مهجورة، حيث تبنته غزالة، أرضعته وصارت له أماً، وكبر الطفل ومن خلال تعامله مع الحيوانات و تأمله الطبيعة بمظاهرها المختلفة، اهتدى بعقله إلى ما اهتدى إليه الفلاسفة من ضرورة وجوب وجود الله، وفي خاتمة القصة يأتي إلى الجزيرة رجل صالح يدعى أبسال، ليلتقي بحي، ويعلمه الكلام والشرائع، ثم قاده إلى الجزيرة المجاورة وكان يحكمها ملك تقي يدعى سلامان، وعاش حي وأبسال في الجزيرة وبين الناس، ولكن بعد فترة تعاود حي فكرة العزلة التي تعود عليها والتي يفهم من القصة أنه عاش فيها إلى ما يقرب بلوغه سن الأربعين، فيعود هو وأبسال إلى الجزيرة المهجورة ليفكرا ويعبدا الله بعيداً عن الناس.
القصة تبدأ بالعزلة الإجبارية وتنتهي بالعزلة الاختيارية، ويمكن سرد حدودتها الرئيسية في سطور قليلة، يصيغها ابن طفيل كبناء تعلو طوابقه تدريجياً، ويأخذ القارئ في كل طابق ليعرفه إلى المكونات والمواد التي يستخدمها في التشييد، يمهد لقصته بمناقشة أفكار ابن باجة وابن سينا والفارابي والغزالي، ليؤهلنا لدخول القصة التي تنتمي مفرداتها إلى فضاء هؤلاء، بل لنكتشف أن هذا الفضاء يتسع ليشمل معارف عصر ابن طفيل بأكملها.
ينطلق ابن طفيل بوصف الجزيرة، ومن خلال مناخ فانتازي يقول «ذكر سلفنا الصالح رضي الله عنهم أن الجزيرة من جزائر الهند تحت خط الاستواء، وهي الجزيرة التي يتولد بها الإنسان من غير أم ولا أب، وبها شجر يثمر النساء، وهي التي ذكر المسعوي أنها جزيرة الواق الواق»، هذه البداية الغرائبية تمهد لفكرة يناقشها على مدار عدة صفحات ويعتمد فيها على عوامل المناخ والجغرافيا والفلك، وتتمثل في إمكانية تولد الكائن من دون أب وأم، وكأنه يحاول أن يبدأ حياة إنسان لا علاقة له إطلاقا بالبشر، أي يؤسس لعمارته الفلسفية من الصفر، ويبدو أنه لم يقتنع عقلياً وعقائدياً بتلك البداية فاختتمها بالتأكيد على أن هذه المسألة تحتاج «إلى بيان أكثر من هذا، لا يليق بما نحن بسبيله».
ينسج ابن طفيل قصته بعد ذلك من مفردات الفلسفة في إطار سردي، فيبدأ حي سيرته بتقليد الحيوانات، ثم يفكر في تميزه في الشكل والمظهر عنها، وهنا يبدأ العقل الإنساني في العمل ويدرك أنه يجب أن يغطي بعض الأجزاء في جسده والتي يجب ألا تبقى عارية، فيصنع لنفسه أول ثوب من أوراق الشجر والخوص والحلفاء، هنا الشعور بالتميز والاختلاف يدفعه إلى الاختراع، ويدرك تميزه الثاني بالوجدان عند موت الغزالة التي تعهدته بالرعاية، فيتأمل الجسد بحثاً عما يبقيه على قيد الحياة، و يفكر في مختلف الحواس وأعضاء الجسد، ويعرف أن هناك شيئاً غائباً هو ما يحرك الجسد ويمنحه الحياة: «فلما نظر إلى جميع أعضائها الظاهرة الغزالة ، ولم ير فيها آفة ظاهرة، وكان يرى مع ذلك، العطلة قد شملتها، ولم يختص بها عضو دون عضو، وقع في خاطره أن الآفة التي نزلت بها، إنما هي في عضو غائب عن العيان»، تستمر القصة بعد ذلك لتحكي على مدار صفحات تعامل حي، وهو في السابعة من عمره، مع أعضاء الغزالة بمهارة الجراح الخبير مركزاً على القلب، ليدرك فناء تلك الآلة وأن من يقف وراءها أعظم وأجلّ، ليختتم ابن طفيل المشهد بالقول: «فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له إلا شوق إليه».
تتعدد الإشارات في قصة حي والمصادر التي يعتمد عليها ابن طفيل ليقول واصفاً كيفية تعامل حي مع جسد الغزالة الميتة: «وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، وود أن لا يراه، ثم انه سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صُرع أحدهما ميتا، ثم جعل الحي يبحث في الأرض، حتى حفر حفرة، فوارى فيها ذلك الميت بالتراب، فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه، وإن كان أساء في قتله إياه، وأنا كنت أحق إلى فعل هذا بأمي.
تتناثر مفردات الفلسفة وقضاياها طوال القصة فيتأمل حي مكونات العالم الأربعة التي تحدث عنها الفلاسفة كثيرا: الماء والهواء والتراب والنار، ثم دهشته وهو يكتشف قوة هذا العنصر الأخير، النار، ويتناول ابن طفيل بتفصيل آخر معنى الحركة وتعريف الأجسام فلسفيا وفيزيائيا، والطول والعرض والعمق، و يفرد عبر صفحات طويلة سطورا يضمنها رؤيته للحدس والحواس، ويتوصل إلى أن كل جسم متناه ومحدث، ثم يحلل الآراء المختلفة لمسألة شغلت الفلاسفة طويلاً ونعني بها قدم العالم، وبين كل ذلك هناك إشارات وأفكار حول الفلك، وتعريفات للسعادة، زخم يصل به ابن طفيل وعبر حي بن يقظان إلى وجوب وجود الله تبارك وتعالى، ومن خلال إنسان لا يعرف الكلام ولم يسمع عن الشرائع، ولم يتلق أي قدر من التعليم، ولم يجلس في أحد الحلقات النقاشية أو المجالس العلمية، بل يتجاوز هذه الحقيقة العقلية إلى العشق القلبي والذي يحتاج إلى سنوات طويلة من القراءة والتعليم والتأمل ومجاهدة الذات، ويختار بعد أن يندمج بالناس حيث الحياة الطبيعية أن يعود إلى عزلته متأملاً داخل قلبه.
لقد قال ابن طفيل في رسائل مختصرة وفي شكل سردي كل ما أحاط به من زخم، ولخص فيها معارفه، كان يهدف إلى تعريف الآخرين بإمكانية الوصول إلى الحقيقة من خلال التفكير والتأمل الروحي، وكان يسعى إلى نقاش قدرة الإنسان على الارتقاء والخروج من حالة التوحش للوصول إلى الحب والخير والسلام عبر التأمل والتدبر.