«إنني لم أقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها، إذ عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية؛ ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان النية، وذلك لما رأيته قد غلب، في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب»، هكذا يكتب ابن منظور الذي عاش في القرن السابع الهجري عن دافعه لوضع أحد أشهر المعاجم في اللغة العربية، تلك التي تعرضت آنذاك لهجمة من اللغات الأجنبية حتى أن أهل العربية تفاصحوا في تلك اللغات وسارعوا إلى تعلمها.
يفتتح ابن منظور معجمه ببابين تمهيديين، الأول يتعلق بتفسير الحروف المقطعة في فواتح بعض السور القرآنية الكريمة، والثاني تحت عنوان «باب الحروف وطبائعها وخواصها»، ويتناول فيه طرائق وجماليات نطق الحروف، يقول: «مِنهَا المجهور والمهموس، وَمعنى المجهور مِنهَا أَنه لزم مَوضِعه إِلَى انقِضَاء حُرُوفه، وَحبس النَفس أَن يجرِي مَعَه، فَصَارَ مجهوراً لأنه لم يخالطه شيء يُغَيِرهُ، وَهُوَ تِسعَة عشر حرفاً: الألف وَالعين والغين وَالقَاف وَالجِيم وَالبَاء وَالضَاد وَاللَام وَالنُون وَالرَاء والطاء وَالدَال وَالزَاي والظاء والذال وَالمِيم وَالوَاو والهمزة وَاليَاء، وَمعنى المهموس مِنهَا أَنه حرف لَان مخرجه دون المجهور، وَجرى مَعَه النَفس، وَكَانَ دون المجهور فِي رفع الصَوت، وَهُوَ عشرَة أحرف: الهَاء والحاء وَالخَاء وَالكَاف والشين وَالسِين وَالتَاء وَالصَاد والثاء وَالفَاء، وَقد يكون المجهور شَدِيداً، وَيكون رخواً، والمهموس كَذَلِك».
أسس ابن منظور معجمه على خمسة معاجم سابقة هي: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«المحكم» لابن سيده، و«الصحاح» للجوهري و«حاشية الصحاح» لابن بري، «والنهاية في غريب الحديث» لعز الدين بن الأثير، وهو ما يؤكده في مقدمة كتابه، وفي منهجه في معجمه فقد نهج ابن منظور نهج الجوهري في الصحاح، وذلك باعتماد الترتيب الهجائي للحروف، بانياً أبوابه على الحرف الأخير من الكلمة، وأول أبوابه ما ينتهي بالهمزة، وقد صرح في مقدمته بقوله: «ولا أدعي فيه دعوى، فأقول: شافهت أو سمعت، أو فعلت أو صنعت، أو شددت الرحال، أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء، أو حملت، فكل هذه الدعاوى لم يترك فيها الأزهري وابن سيده لقائل مقالاً، ولم يخليا لأحد فيها مجالاً، فإنهما عينا في كتابهما عمن رويا، وبرهنا عما حويا، ونشرا في خطبهما ما طويا، ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا... وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في هذه الكتب... وأديت الأمانة في نقل الأصول، وما تصرفت بكلام غير ما فيها من النص، فليعتد من ينقل عن كتابي أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة».
و بلغ عدد المواد اللغوية في «لسان العرب» 80 ألف مادة، وهو وأكثر بحوالي عشرين ألف مادة من المعجم الأشهر الذي جاء بعده، وهو القاموس المحيط للفيروز آبادي.
ابن منظور هو محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقي، ولد في عام630 هـ، وقد اختلفت الأقاويل حول مكان ولادته بين تونس وليبيا ومصر، تتلمذ على يد عبد الرحمن بن الطفيل، ومرتضى بن حاتم، ويوسف المخيلي، وأبي الحسن علي بن المقير البغدادي، والعالم الصابوني. خدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم ولي القضاء في طرابلس، أصيب بالعمي في أواخر سنوات حياته وتوفي في مصر في عام 711هـ.
فضاء متكامل
لسان العرب ليس مجرد معجم لغوي شهير وحسب، بمعنى أنك لا تفتحه للبحث عن معنى كلمة، فتجد المؤلف يذكر مردفاتها وما تدل عليه في سطور عدة، ولكنك تعثر على فضاء ثقافي متكامل، في لسان العرب ستجد اللغويين والشعراء بجوار الأدباء والمفكرين..الخ، الكلمة في لسان العرب أفق يمتد من معناها اللغوي إلى استخداماتها في المنظوم والمنثور والحكم والأمثال، لنستمع إليه شارحاً كلمة «أدب»: «الأَدَبُ: الَذِي يَتَأَدَبُ بِهِ الأَديبُ مِنَ النَاسِ؛ سُمِيَ أَدَباً لأَنه يَأدِبُ الناسَ إِلَى المَحامِد، ويَنهاهم عَنِ المقَابِح. وأَصل الأَدبِ الدُعاءُ، وَمِنهُ قِيلَ للصَنِيع يُدعَى إِلَيهِ الناسُ: مَدعاةٌ ومَأدُبَةٌ. قال ابنُ بُزُرج: لَقَد أَدُبتُ آدُبُ أَدَباً حَسَنًا، وأَنت أَدِيبٌ. وَقَالَ أَبو زَيدٍ: أَدُبَ الرَجلُ يَأدُبُ أَدَباً، فَهُوَ أَدِيبٌ، وأَرُبَ يَأرُبُ أَرَابةً وأَرَباً، فِي العَقلِ، فَهُوَ أَرِيبٌ. الأَدَبُ: أَدَبُ النَفسِ والدَرسِ. والأَدَبُ: الظَرفُ وحُسنُ التَناوُلِ. وأَدُبَ، بِالضَمِ، فَهُوَ أَدِيبٌ، مِن قَومٍ أُدَباءَ. وأَدَبه فَتَأَدَب: عَلَمه، وَاستَعمَلَهُ الزَجَاجُ فِي اللَهِ، عَزَ وَجَلَ، فَقَالَ: وَهَذَا مَا أَدَبَ اللهُ تَعَالَى بِهِ نَبِيَه، صَلَى اللَهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ. وَفُلَانٌ قَدِ استَأدَبَ: بِمَعنَى تَأَدَبَ. وَيُقَالُ للبعيرِ إِذَا رِيضَ وذُلِلَ: أَدِيبٌ مُؤَدَبٌ. وَقَالَ مُزاحِمٌ العُقَيلي:
وهُنَ يُصَرِفنَ النَوى بَين عالِجٍ
ونَجرانَ،تَصرِيفَ الأَدِيبِ المُذَلَلِ
والأُدبَةُ والمَأدَبةُ والمَأدُبةُ: كلُ طَعَامٍ صُنِع لدَعوةٍ أَو عُرسٍ. قَالَ صَخر الغَي يَصِفُ عُقاباً: كأَن قُلُوبَ الطَير، فِي قَعرِ عُشِها،... نَوَى القَسبِ، مُلقًى عِندَ بَعضِ المَآدِبِ».
ولا يترك مفردة الأدب إلا ويتجول بنا في تخومها المختلفة:«ومَأدَبةٌ، فَمَن قَالَ مَأدُبةٌ أَراد بِهِ الصَنِيع يَصنَعه الرَجُلُ، فيَدعُو إِلَيهِ الناسَ؛ يُقَالُ مِنهُ: أَدَبتُ عَلَى القَومِ آدِبُ أَدباً، وَمَن قَالَ مَأدَبة: جعَله مَفعَلةً مِنَ الأَدَبِ. وَكَانَ الأَحمر يَجعَلُهُمَا لُغَتَينِ مَأدُبةً ومَأدَبةً بِمَعنى وَاحِدٍ. قَالَ أَبو عُبَيدٍ: وَلَم أَسمع أَحَدًا يَقُولُ هَذَا غَيرَهُ؛. وَقَالَ أَبو زَيدٍ: آدَبتُ أُودِبُ إِيداباً، وأَدَبتُ آدِبُ أَدباً، والمَأدُبةُ: الطعامُ، فُرِقَ بَينَهَا وَبَينَ المَأدَبةِ الأَدَبِ. والأَدبُ: مَصدَرُ قَولِكَ أَدَبَ القومَ يَأدِبُهُم، بِالكَسرِ، أَدباً، إِذَا دَعَاهُم إِلَى طعامِه. والآدِبُ: الداعِي إِلَى الطعامِ. قَالَ طَرَفَةُ:
نَحنُ فِي المَشتاةِ نَدعُو الجَفَلى
لَا تَـــــرَى الآدِبَ فِينَـــــــــا يَنتَقِـــر
وَقَالَ عَدِيٌ:
زَجِلٌ وَبلُهُ، يجاوبُه دُفٌ
لِخُونٍ مَأدُوبَةٍ، وزَمِيرُ
والمَـأدُوبَةُ: الَتِي قَد صُنِعَ لَهَا الصَنِيعُ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍ، كَرَمَ اللَهُ وَجهَهُ: أَما إخوانُنا بَنُو أُمَيَةَ فَقادةٌ أَدَبَةٌ. الأَدَبَةُ جَمعُ آدِبٍ، مِثلُ كَتَبةٍ وكاتِبٍ، وَهُوَ الَذِي يَدعُو الناسَ إِلَى المَأدُبة، وَهِيَ الطعامُ الَذِي يَصنَعُه الرَجُلُ ويَدعُو إِلَيهِ النَاسَ. وَفِي حَدِيثِ كَعبٍ، رَضِيَ اللَهُ عَنهُ: إِنَ لِلهِ مَأدُبةً مِن لحُومِ الرُومِ بمُرُوج عَكَاءَ.
أَراد: أَنهم يُقتَلُون بِهَا فَتَنتابُهمُ السِباعُ وَالطَيرُ تأكلُ مِن لحُومِهم. وآدَبَ القومَ إِلَى طَعامه يُؤدِبُهم إِيداباً، وأَدَبَ: عَمِلَ مَأدُبةً. قال أَبو عَمرٍو: جاشَ أَدَبُ البَحرِ، وَهُوَ كثرَةُ مائِه».
الكلمة في لسان العرب تتحول إلى عالم متكامل بذاته، تبدأ معه ولا تعرف إلى أين يأخذك ابن منظور، تتوقع اللغة وعلى أقصى تقدير شروحات بلاغية ونحوية، فتقرأ مقالة أدبية متكاملة عن الكلمة التي تنبض في مختلف حقول المعرفة.
اهتمامات أخرى
كتب ابن منظور أيضاً «نثار الأزهار في الليل والنهار»، وربما تتملكنا الدهشة من موضوعات الكتاب: «في أوصاف الليل وطوله وقصره واستطابته والاغتباق ومدحه وذم الاصطباح، في الهلال.. في ظهوره وامتلاء ربعة ونصفه وكماله والليلة المقمرة، في صفات الشمس في الشروق والضحى والارتفاع والطفل والمغيب والصحو والغيم»، يقول تحت عنوان «في آراء المنجمين والفلاسفة الأقدمين في الفلك والكواكب»: «قدماء الفلاسفة قسمت الفلك الثامن ذا الكواكب الثابتة باثني عشر قسما سمتها بروجا وهي: الحمل، الثور، الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، والحوت، وجعلوا كل برج منها ثلاثين درجة يكون جملتها ثلاثمئة وستين درجة وقسموا كل درجة بستين جزءاً تسمى دقائق وكل ثانية بستين جزءاً تسمى ثوالث وكذلك إلى الروابع والخوامس والسوادس إلى غير نهاية. وبحلول الشمس وانتقالها في هذه البروج يكون اختلاف فصول الزمان إلى غير ذلك مما يحدث في عالم الكون والفساد من نشوء واضمحلال الجماد والحيوان والنبات. وبحلول الكواكب السبعة السيارة أيضاً في هذه البروج تختلف أحوال جزيئات حوادث العالم السفلي في كل ما يفسد منه أو يتلون بل وفي كل تغير يظهر فيه من حركة أو سكون».
أولع ابن منظور أيضاً بتلخيص الكتب اللافتة والشهيرة مثل «الأغاني» للأصفهاني، و«الحيوان» للجاحظ، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر، وغيرها، وقال عنه ابن حجر أنه كان عاشقاً لاختصار الكتب، وقَالَ عنه الصَفَدِي في كتابه «أعيان العصر»: «لَا أعرف فِي الأَدَب وَغَيره كتاباً مطولاً إِلَا وَقد اختَصَرَهُ، قَالَ: وَأَخبرنِي وَلَده قطب الدين أَنه ترك بِخَطِهِ خَمسمِئَة مجلدة»، ونظم ابن منظور الشعر:
توهم فينا الناس أمراً وصمَمت
على ذاك منهم أنفس وقلوبُ
وظنوا وبعض الظن إثم وكلهم
لأقواله فينا عليه ذنوب
نحن أمام أحد العلماء الذين أمضوا حياتهم في البحث والتقصي والدراسة، وأبدعوا ما أشهر معجم في اللغة العربية، إن لم يكن في الثقافة بوجه عام، عاش في القرن السابع الهجري، ومثل كل القدماء كتب في أكثر من مجال، ودفعه الخوف على اللغة إلى رصد مفرداتها وتتبعها في سياقاتها المختلفة، وتشعر في أسباب تأليفه أن اللغة تتجاوز حتى ما يمكن أن يقال عنها بأنها هوية وانتماء وبلاغة وأدب وقواعد إعراب وأصوات منطوقة، هي نظام لرؤية العالم والتعاطي معه، والتفكير في موضوعاته المختلفة، وهو ما يؤكد عليه علم اللسانيات الحديث. العربية عند ابن منظور تختزن كل ما يمكن أن يقال عنها ليس الآن وهنا وحسب ولكن منذ ذلك التاريخ الضارب في القدم الذي بدأت فيه، ويبدو أنها ككل إشكالياتنا الثقافية تتسم بالطابع الدائري والتكراري، فنشعر في حديثه عما يعترضها من عقبات ومشاكل بأنه يوجه خطابه إلينا اليوم، راصدا أحوالنا مهموما بما تواجهه لغتنا: «وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية»، هي اللغة الباقية كما هي بجمالياتها وطرائق تعبيرها وأيضاً إشكالياتها، ولكن ما ينقصها ابن منظور نفسه.