تشارك الإمارات اليوم، دول العالم في الاحتفال باليوم العالمي للتراث الذي يوافق 18 إبريل/نيسان سنوياً.
والإمارات، وهي تشارك العالم بهذا الاحتفال، تقوم على أساسين: الأول طبيعتها وموقعها ومناخها، والثاني أهلها الذين كانوا منذ وجودهم على هذه الأرض منفتحين على كل الحضارات والثقافات محبين للحياة والسلام.
والعاملان ينسجمان مع تعريف «اليونيسكو» للتراثين الطبيعي والثقافي.
التراث الطبيعي تعرفه الاتفاقية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي الموقعة في 1972 بأنه «المعالم الطبيعية المتألفة من التشكيلات الفيزيائية أو البيولوجية والمناطق المحددة بدقة والتي تؤلف موطناً للأجناس الحيوانية والنباتات المهددة».
وفي هذا المجال، فإن الإمارات تتمتع بالأفضلية، إذ تمتلك أكثر من 200 جزيرة بحرية ذات قيمة تاريخية وتراثية، ولديها العديد من المحميات الطبيعية وسلاسلها الجبلية لا تقل أهمية عن المناطق الجبلية المنتشرة في أنحاء العالم، وهي أماكن تستحق بدورها أن تكون على لائحة التراث العالمي.
أما التراث الثقافي، فيتألف من مجموع الأبنية ذات القيمة التاريخية والصفة الأثرية والمباني المعمارية وأعمال النحت والتصوير على المباني والكهوف.
ويمكن القول إنه في كل منطقة في الإمارات يوجد مبنى أثري أو تاريخي، وبعض المباني صنف من ضمن لائحة التراث العالمي.
وتحتفل الإمارات هذا العام بعرس التراث العالمي ولديها أكثر من 3100 مبنى تاريخي، من بينها 600 في أبوظبي، و550 في دبي، و600 في الشارقة، و50 في عجمان، و150 في أم القيوين، و550 في الفجيرة، و600 في رأس الخيمة.
وتعتبر القلاع والحصون والأبراج والأسوار والمقابر والبيوت والمساجد الأثرية التي تقف شامخة في كل إمارات ومناطق الدولة، من أبرز شواهد التاريخ الإماراتي.
ولأن التراث سفير الأصالة ومرآتها الجميلة أمام العالم، حرصت الإمارات على أن تكون من أولى دول مجلس التعاون في تسجيل مواقعها الثقافية والطبيعية على قائمة التراث العالمي.
وفي هذا الإطار أدرجت منظمة «اليونيسكو» مدينة العين على قائمة التراث الإنساني العالمي لتصبح هذه المدينة الخضراء في قلب الكثبان الرملية والجبال الصخرية أول موقع إماراتي على هذه القائمة.
واتخذ القرار خلال الاجتماع ال 35 للجنة التراث العالمي في «اليونيسكو» الذي عقد في مقر المنظمة في باريس خلال صيف عام 2011.
وضمت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونيسكو» المدينة إلى هذه القائمة المهمة بعد ست سنوات من الجهود المتواصلة من الجانب الإماراتي.
واستندت المنظمة إلى الأهمية الجيولوجية والأثرية والتاريخية لجبل حفيت الذي يقع عند أطراف المدينة ويشرف عليها، وكذلك إلى حضارة هيلي التي ازدهرت في العين، فضلاً عن المنشآت ذات الأهمية التاريخية، مثل «بدع بنت سعود»، ومناطق الواحات، ونظام الأفلاج الذي كان يستخدم لإدارة المياه والحفاظ عليها.
والاعتراف الدولي بالقيم الاستثنائية العالمية التي تتميز بها مدينة العين يجعل الإمارات محط أنظار واهتمام أسرة التراث العالمي ويضع بالتالي القائمين على شؤونها أمام تحديات كبيرة في سبيل العناية والاهتمام بجميع مكونات التراث الأثري الإماراتي وتأهيل ما هو متاح ليكون إضافة أخرى للرصيد المحلي الذي ينال الاعتراف الدولي ويضع مفردات التراث الوطني ضمن هذه المنظومة العالمية.
وتؤكد التنقيبات والشواهد والبحوث أن الإمارات اليوم منبع الحضارة وقلب الشرق النابض بالثقافة، وشريك أصيل في التراث العالمي، وأن لها تاريخاً عريقاً وموروثاً حضارياً غنياً يزخر بالكنوز الأثرية والتراثية التي تعود إلى حضارات مختلفة نمت وازدهرت على تراب الإمارات منذ ما يزيد على سبعة آلاف عام واستمرت حتى الآن.
وتتمتع بعض هذه المواقع بقيمة استثنائية عالمية تساعد على ترشيحها وإدراجها على قائمة التراث العالمي.
والتنوع الكبير للمواقع التاريخية والأثرية على امتداد أراضي الإمارات يعكس القيمة التاريخية لها وما تمثله من نقطة تقاطع للحضارات الإنسانية عبر العصور.
ويؤكد هذا التنوع كذلك أن غِنى الإمارات الحضاري والتراثي لا يقل عن غناها الاقتصادي الذي عرفت به في الأوساط العالمية.
ومن أهم المواقع الأثرية في الدولة موقع أم النار في جنوب شرق أبوظبي، والقطارة، والهيلي، وحفيت، وبدع بنت سعود، في مدينة العين، والقصيص في دبي، ومليحة في الشارقة، وقصر الزباء في رأس الخيمة، والدور في أم القيوين، والزوراء وقبور المنامة في عجمان، والجيوش والبدية وقدفع في الفجيرة.
واستكمالاً لمنظومة التراث الإماراتي الثري، تمثل المتاحف الإماراتية بمقتنياتها العديدة المتنوعة والنادرة من الآثار صفحات رائعة من التاريخ الإماراتي الذي يجسد حضارة الشعب الإماراتي ودوره الكبير في الحضارة الإنسانية عبر العصور.
وتتبنى الإمارات وضع استراتيجيات تضمن التعاون التام والمستمر بين الهيئات المحلية المسؤولة عن الآثار والمتاحف والمحميات الطبيعية في مختلف إمارات الدولة، إضافة إلى التعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة في هذا المجال، ومنها لجنة التراث العالمي، ومركز التراث العالمي، والمركز الدولي لصون الممتلكات الثقافية «الآيكروم»، خاصة بعد فتح فرع له في الشارقة برعاية كريمة ودعم مباشر من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
وأدى هذا التعاون والجهد المتواصل إلى ترشيح سبعة مواقع إماراتية في القائمة الأولية لمواقع التراث العالمي، وتوجد ثلاثة من هذه المواقع في الشارقة هي: صير بونعير، والمشهد الثقافي في المنطقة الوسطى (مليحة)، وقلب الشارقة، إضافة إلى جزيرة أم النار في أبوظبي، وخور دبي، وموقع الدور في أم القيوين، ومسجد البدية في الفجيرة.
وتسهم إضافة هذه المواقع المرشحة إلى القائمة العالمية في تسليط الضوء على التراث الغني للإمارات الذي يعود إلى مئات السنين.
وكانت منظمة «اليونيسكو»وافقت عام 2011 على اعتماد دراسة ملف طلب تسجيل الشارقة القديمة محمية للتراث غير المادي وضمها إلى لائحة مواقع التراث الإنساني لديها وإدراجها على القائمة التمهيدية.
وتقع منطقة قلب الشارقة في الجزء القديم من الإمارة، ووفقاً لمصادر تاريخية، لعبت هذه المنطقة دوراً بارزاً في تطوير التجار، إذ أكد الإدريسي عالم الجغرافيا العربي في القرن الحادي عشر، وجود ميناء في المكان الذي تقع فيه منطقة قلب الشارقة حالياً.
وتميزت الشارقة تاريخياً بوجود عنصرين أسهما في وجود المستوطنات البشرية في الخليج العربي.
الأول أنها تقع في مدخل محمي من البحر يسمى محلياً الخور، وثانياً وجود المياه العذبة في أعماق ضئيلة نسبياً.
والإمارات وهي تحلق بالموروث إلى فضاء وزمن رحب لا تتوانى عن تسجيل التراث الثقافي المحلي كتراث إنساني وعالمي مستثمرة تعاونها مع «اليونيسكو» للمحافظة على المخزون التراثي للدولة بما يخدم أبناءها وأجيالها المقبلة. (وام)

اهتمام مبكر ومتواصل

الإمارات بدأت اهتمامها بصون الصقارة كتراث إنساني منذ عام 1976بشكل خاص، عندما نظمت أبوظبي أول مؤتمر دولي للحفاظ على الصقارة وصونها بتوجيهات من المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في إطار اهتمامه المعروف والمشهود له عالمياً بتراثنا العربي الأصيل الذي يمثل قيمنا وعاداتنا وهويتنا الوطنية.

وينظر إلى اهتمام الإمارات بالتراث عامة، وتراث الصقارة خاصة، على أنه من الوسائل الفاعلة التي تسهم في مد الجسور بين الشعوب وتعزيز سبل التقارب والحوار بين الثقافات الإنسانية المعاصرة انطلاقاً من رؤية القيادة الرشيدة لدولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المجالات.

«أيام الشارقة».. بحث عن تاريخ متفرد

بالتزامن مع الاحتفال بيوم التراث العالمي، تتواصل فعاليات الدورة ال 14 من أيام الشارقة التراثية التي رسخت مكانتها، ليس لأنها اعتمدت على القديم والمأثور فحسب، بل لأنها جعلت هذه التظاهرة تنطق بموضوعها، وهو البحث عن الجميل في التاريخ بهويته المتفردة. وكانت المنظمة الدولية للفنون الشعبية «آي أو في» المندرجة تحت منظمة «اليونيسكو» منحت شهادة تقدير لإدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة تقديراً لدورها في حماية التراث الثقافي المهدد بالانقراض.

بداية الوعي

تحتفل بهذا اليوم المنظمة الدولية للثقافة والعلم والتربية «اليونيسكو» مع دول العالم منذ عام 1983، بهدف زيادة الوعي بتنوع التراث الدولي والجهود المطلوبة لحمايته والحفاظ عليه.
بدأت فكرة التحرك الدولي من أجل الحفاظ على التراث العالمي، إبّان الحرب العالمية الأولى التي خلّفت دماراً كبيراً على مستوى العالم، تزايد أكثر في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
وتتابعت الاتفاقيات والاجتماعات التي تهدف إلى حماية آثار وتراث العالم من التهديدات الطبيعية والبشرية، وصولاً إلى عام 1978 حين أدرج أول 12 موقعاً في العالم في قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي. تلك القائمة أخذت تنمو لتسلط الضوء والمسؤولية العالمية على مواقع تمثل تاريخ وتراث الحضارة البشرية على الأرض. وتضم قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي اليوم 1011 موقعاً مقسمة ما بين 782 موقعاً ثقافياً، و229 طبيعياً أو مختلطاً، وضمن هذه القائمة يقع 70 موقعاً في العالم العربي.

«المجلس» نموذج للكرم والحوار

الإمارات وهي تحتفي هذه الأيام بعرس التراث العالمي تحرص على أن يستكشف زوارها وضيوفها عناصر التراث الثقافي الإماراتي المدرجة على قائمة «اليونسكو»، ومنها المجلس، وهو أحد التقاليد الشعبية المهمة في المجتمع الإماراتي الذي يمتاز بطيبة أهله، وكرمهم، وحسن أخلاقهم.
وهذا يظهر جلياً من خلال استقبالهم للضيوف والزائرين في المجلس، حيث يوفر مساحة مفتوحة للاجتماع وتبادل الآراء والخبرات واللقاءات في المناسبات.
ويعتبر المجلس نموذجاً للحوار الثقافي والتواصل والروابط الاجتماعية القوية ويقوم بدور حيوي في نقل التراث الشفهي.