أغبط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على انتقاءاته للكلمات والقوافي، وفي هذه المرة وفي صباح الأمل والعمل قرأنا قصيدته وهي من بحر الكامل، والقافية حرف القاف قبلها ألف مفتوحة، والكلمات من السهل الممتنع، والقائل الشيخ محمد بن راشد صاحب المركز الأول في كل موقف إيجابي، مما يحتم على الشعراء الفحول منهم قبل الأقزام أن يسكتوا وينصتوا ويستمعوا إليه، ليتعلموا منه صناعة الشعر وانتقاء القوافي الراقصة.
فارسنا الشاعر وشاعرنا الفارس تربى في منبت العز وعلى متون الخيل، وترنم على صهوات الجياد، فلا يرضى بالذل والهوان، وعشقه لأمته كعشقه للفروسية، وحبه لانتصارات أمته كحبه للسباقات العالمية التي حقق فيها المركز الأول.
إنه يعتز بأمته العربية ويتغنى بأمجاد أمته التي لا تضاهيها أمجاد أي أمة سواها، لكن عتبه عليها أنها لم تحتفظ بذلك المركز وتلك العزة التي خضعت لها الأعناق، ولكم يبدي أسفه على ما حلّ بالبلدين سوريا والعراق، ففي سوريا كانت عاصمة الخلافة الأموية، وفي العراق كانت عاصمة الخلافة العباسية.
هاتان العاصمتان اليوم تحولتا إلى عواصم للقتل وسفك الدماء وإزهاق أرواح الأطفال والنساء، فهو ينادي جلّق مرة وبابل مرة، وكلتاهما يجدد في نفس الشاعر الآمال والآلام، وفي خطابه لهما يذكرنا بالشاعرين الرندي وشوقي اللذين بكياً على الأندلس وبلاد الشام عندما حلت بهما النكبات.
يقول شاعرنا:
ناجيت جلق وهي في أسمالها
ونظرت وهي خرائب ومحاق
وبأرض بابل أي سحر أسود
أدمى فلم يعد العراق «عراق»
وما أشبه الليلة بالبارحة عندما رثى أبوالبقاء الرندي الأندلس بقصيدة:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
إلى أن قال:
فجائع الدهر أنواع منوعة
وللزمان مسرّات وأحزان
فاسأل بلنسية ما شأن مرسية
وأين شاطبة أم أين جيّان؟
إلى آخر القصيدة.
وقال شوقي في ضياع ملك بني أمية:
قم ناج جلّق وانشد رسم من بانوا
مشت على الرسم أحداث وأزمان
مررت بالمسجد المحزون أساله
هل في المصلى أو المحراب مروان ؟
إلى أن قال:
فلا الأذان أذان في منارته
إذا تعالى ولا الآذان آذان
نعم...إنني أضع هذه القصيدة للشيخ محمد بن راشد في مصاف هاتين القصيدتين، فالبكاء واحد والأسف واحد، والآمال واحدة والآلام واحدة وإن اختلف الزمانان.
وفي البيت الذي يلي وهو:
أنىّ التفت فإن ثمّة غيلة
ودم يراق ونكبة وشقاق
يذكرنا الشاعر بالبيت الذي يقول:
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد
وجدت كالطير مقصوصاً جناحاه
نعم، ما نراه اليوم إهانة للكرامة الإنسانية، والقرآن الكريم، فهو لم يستثن أمة دون أمة في الكرامة الإنسانية، والإسلام عموماً بريء مما يجري اليوم في الساحة العربية قبل العالمية.
وكم يتأسف الشاعر على الفرص التي تفوّت عندما تتهاون الأمة في علاج المشاكل حتى تصل إلى مرحلة استحالة العلاج فيقول سموه:
من بعد أن يقضي الردى في مهجة
قل لي أينفع بعدها الترياق ؟
وأما قوله:
ما هكذا كانا ملاذ عروبتي
كلا ولا الوضع الرهيب يطاق
فيذكرنا هذا البيت أيضاً بالمثل العربي الذي يقول:«ما هكذا تورد الإبل» وبما أن سموه يحب دائماً أن يطرق الباب الذي لم يطرق، ويستخدم ما لم يستخدم إلا نادراً، فإننا نراه استخدم الفعل أشاق بضم الهمزة وهو مبني للمجهول من أشاق بفتح الهمزة، والثلاثي منه شاق يشوق إليه نزعت نفسه إليه، وورد الفعل المزيد أشاق يشيق إشاقة بمعنى شاق، فالفعل غريب إلى حدّ ما، ولكن استخدامه صحيح لغوياً وفصيح.
ثم ما أجمل هذا البيت:
فإذا الصريف حفيف أجنحة العلا
وإذا الصحائف كلها إشراق
لأن فيه من الاستعارات والصور البديعية الجميلة أشياء كثيرة، فشبّه صريف القلم بحفيف جناح الطير، وشبه وضوح ما احتوته الصحائف بإشراقة الشمس.
نعم...والشيخ محمد بن راشد لا يقول كما يقول المثل الشعبي: إذا سلمت أنا وناقتي إش لي من رفاقتي، ولكنه يقول كما قال الشاعر فخر البارودي:
بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان
لذلك فإنه يشارك الأمة العربية في قضاياها التي تشكو من الإخفاقات، وبما أنه لا يستطيع أن يغيّرهم بالقوة فإنه يدعوهم إلى زيارة دولة الإمارات ودبي، ليروا بأعينهم كيف استطاعت الإمارات أن تغير وتجدد تلك الصور الكئيبة، والإمارات لم تقدم الرفاهية والسعادة لشعبها فقط، بل مدت يد المساعدة إلى الدول العربية والإسلامية والصديقة بفضل قيادتها المرنة، وتتجلى هذه المعاني في قول سموه:
ناديت أمتنا العظيمة أننا
ملأ يجانب عزمنا الإخفاق
لا نرتضي غير الصدارة موضعاً
ولنا على ما ندّعي ميثاق
من زار موطننا وعاين صنعنا
صلى وقال تبارك الخلاّق
إلى أن يقول:
لولا الخليج لضاع من أقطارنا
اليمن الشقيق وناله الإحراق
أجل... إن الشيخ محمد بن راشد يملك رؤية ثاقبة ونفساً أبية وهمة عالية وملكة شعرية وحاسة سادسة وقدرة على تبني كل جديد قبل أن يتبناه غيره، وهو لا يملّ ولا ييأس ولا مستحيل عنده ولا يحب أن يضيع وقته أو ماله أو كلامه فيما لا يعود عليه وعلى وطنه وأمته بفائدة.
فهو إذا ابتسم كان أسداً، وإذا صمَت كان حكيماً، وإذا تكلم كان مصلحاً، وإذا حكم كان ميزاناً، وإذا تبنّى قضية شعبه كان أباً، وإذا تبنى قضية أمته كان مسؤولاً، وإذا ملك الجاه والمال تذكر الضعفاء والمحتاجين، وإذا فكّر في الحياة والموت، عمل لدنياه كأنه ي عيش أبدا، وعمل لآخرته كأنه يفنى غداً.
د. عارف الشيخ