القاهرة: «الخليج»

«هذا الكتاب لا يمثل سوى جزء من العمل الذي قمت به أثناء إقامتي في مصر، التي دامت ست سنوات، كنت أقضي سنوياً ستة أشهر تقريباً، وأنا أعيش معيشة كاملة بين الفلاحين، وأحب أن أوضح لقرائي أن العادات والمعتقدات والأسلوب العام للحياة، كما جاءت في هذا الكتاب، لا تمثل إلا الفلاحين وحدهم، فقد تخلصت الطبقات العليا من ذلك منذ زمن طويل».
هذا الكلام سجلته «وينيفريد بلاكمان» في صدر الصفحات الأولى من كتابها «الناس في صعيد مصر» الصادر عن دار الشروق، وهي تؤكد أن هذه العادات والمعتقدات لها قيمتها الكبيرة في حد ذاتها، لكن كون معظمها شديد القدم يجعل دراستها وتسجيلها بصورة صحيحة أمراً لا بد منه، لقد ألقت أبحاث المؤلفة في هذا الكتاب الضوء على نقاط ظلت قبل ذلك غامضة لدارسي مصر القديمة، والهدف هو وصف حياة سكان وادي النيل المحدثين بأبسط ما يمكن، مع الأخذ في الاعتبار الابتعاد عن اللغة الاصطلاحية، فالغرض من الكتاب هو مخاطبة الجمهور العام، الذي تقدم له المؤلفة وصفاً مقروءاً وصحيحاً في الوقت ذاته عن فلاحي مصر.
كانت المؤلفة حريصة أشد الحرص على أن تكون على أكبر قدر من الدقة في كل عبارة كتبتها، فكل عادة أو معتقد في هذا الكتاب كانت تدققها قبل أن تضعها على الورق، ومع ذلك فإن المتمرسين في العمل الميداني في مجال الأنثروبولوجيا يعرفون كم هو سهل أن يقع المرء في الخطأ وأن يسيء الفهم، حتى بعد التمحيص الدقيق، ولأن الكتاب من تأليف أجنبية فهو يلتقط ظواهر قد نغفل عنها ولا نهتم بها، إلا أن هذه العين الأجنبية قد تخطئ أيضا في تفسير ظاهرة ما، وهذا ما وقعت فيه المؤلفة مرات قليلة جدا، وعلى الرغم من هذا كان جهدها شديد الوضوح في رصدها للظواهر التي عايشتها في الصعيد، مع محاولتها ردها إلى أصولها المصرية القديمة من خلال ما توفر لها من مادة أثرية وتاريخية، وهي تتناول المراسم والمعتقدات المرتبطة بأهم ثلاثة أحداث في حياة الإنسان، وهي الميلاد والزواج والوفاة.
ولم يفت المؤلفة ظاهرة مهمة تحتل مكاناً بارزاً في ثقافة الصعيد وهي السحر والشعوذة، حتى إن الساحر أو المشعوذ كان له دور كبير في كل أنشطة المجتمع، وتمضي المؤلفة فتتحدث عن الاعتقاد في الحسد والعين الشريرة وأثر ذلك في تعاملات الناس وفي صحة الأطفال الذين تهمل أمهاتهم نظافتهم منعاً للحسد.