ارتبط الخط العربي طوال تاريخه القائم على امتداد الحضارة العربية، بالتراث الديني الإسلامي، فلا يمكن الحديث عن الفنون الإسلامية من دون التوقف مطولاً عند الخط بوصفه أبرزها وأكثرها حضوراً، الأمر الذي يجعله محل تساؤلات كثيرة، من شأنها أن تكشف تاريخ العلاقة مع التراث الإسلامي، وجذورها، وأسبابها، وأهميتها للخط وأثرها على ممتهنيه.
فما الذي جعل هذا الارتباط قائماً بين الخط والتراث الإسلامي؟، وهل الأسباب تتعلق بالخط نفسه أم بالمنظومة الإسلامية الجمالية؟، وما أثر ذلك على تطور الخط العربي؟ وهل أسهم في بقاء الخط، أو أخّر مشوار تطوره؟، وهل لذلك دور في تشكيل هوية الخطاطين الجمالية تاريخياً وحديثاً؟.
لا يمكن الإجابة عن كل تلك التساؤلات من دون العودة إلى تاريخ الخط العربي، ومراكز تكونه في الجغرافيا العربية، إذ يكشف التاريخ المدوّن للخط العربي أن مراكز الاهتمام به كانت في عواصم إسلامية هي الحجاز، والكوفة، فكان للبيئة وثقافة المدينتين أثراً على تشكيل نوع من الخطوط الأولى، حيث عرف عن الخط في الكوفة حدته وقسوته، على عكس ما كان في الحجاز.
تعيد هذه البدايات إلى الاهتمام المتطور بالخط، فالتاريخ القديم للخط العربي شائك، وحوله الكثير من الخلاف، بدءاً من نشأته، وتطوره، ووصوله إلى العربية، فمنهم من يرى أنه امتداد للخط الحميري، وآخر يرى أنه امتداد للنبطي، ومنهم من يرى أنه مزيج بين الخطين.
لا يشكل هذا إضافة في الإجابة على ارتباط الخط بالتراث الإسلامي، فكل هذا التاريخ سابق لظهور الإسلام، وما يمكن أن يكشف سر العلاقة يرجع في التاريخ إلى ألف وأربعمئة عام ماضية، لينظر في البيئة الحاضنة لبدايات التدوين، وتوظيف الخط في التراث العربي الإسلامي، إذ يجد أن قوام الثقافة العربية صار إسلامياً المزاج، سواء على صعيد العلم، والقراءة، والمراسلات، وغيرها.
ليس ذلك وحسب، فإن المعاين لتلك العلاقة بين الخط والموروث الإسلامي، يجد أن العناية بالخط كانت أسبابها في البداية تدوين القرآن الكريم، وحتى مجمل التطورات التي صارت على الخط سواء التنقيط، أو تبيان الحركات كانت لغايات خدمة القرآن، بعد أن توسعت الدولة الإسلامية، وتعدد القراءات، واللهجات القارئة للقرآن.
يكشف التاريخ سر العلاقة بين الخط والتراث الإسلامي، وفي الوقت نفسه يفتح فضاءً لقراءة تكريس الخط باعتباره أبرز الفنون الإسلامية تاريخياً، ويشير إلى أثره على الخطاطين، فلا يمكن النظر إلى الخط العربي باعتباره فناً جمالياً منزوعاً عن صيغته الوظيفية الأساسية، من دون النظر إلى الأحكام الإسلامية ونظرتها إلى الفعل الجمالي البصري، فحتى اليوم لا يزال الخلاف قائماً حول رفض الإسلام التجسيد، ورسم كل ذي روح، وهذا ما كان الخط العربي متخلصاً منه بالطبيعة.
وصل الخط العربي في مراحل تطوره إلى أقصى درجات التجريد البصري، فكان مناسباً للمنظومة الدينية التي جاء بها الإسلام، والرافضة للتجسيم، لتقاطعه مع موروث الديانات الوثنية، وعبادة الأصنام، فصار المساحة الرحبة أمام الفنان والخطاط المسلم، لممارسة فنونه.
ليس ذلك وحده ما جعل الخط لصيقاً بالموروث الإسلامي، ففي الوقت الذي امتدت فيه الحضارة العربية الإسلامية، وشهدت مراحل من الرخاء، صارت العمارة واحدة من أبرز آثارها، دخل الخط العربي في الفضاء الجمالي لعمارة القصور والمساجد، وظهرت الزخرفة كخادمة له في تزيين الجدران والقباب والأقواس.
يحكي كل ذلك أيضاً تاريخاً مقابلاً للخطاط في التاريخ الإسلامي العربي، ففي الوقت الذي صار الخط العربي رمزاً للفنون الجمالية للمسلمين، صار للخطاطين حظوة عند الخلفاء، والأمراء، وصارت مهارة الخط حرفة مجدية، يمتهنها الفنانون وتكفل لهم حياة رغيدة، حيث شكل ذلك تراكماً وتنافساً، أنتج الكثير من أنواع الخطوط العربية، فمنها ما صار وظيفياً، مثل الرقعة والنسخ، ومنها ما صار جمالياً، مثل الديواني، والكوفي وغيرها من الخطوط التي تحتاج إلى جهد في الكتابة.
يذكر تاريخ الخط في العصر العباسي أنه: «ذاعت شهرة الخطاط الضحاك بن عجلان في خلافة أبي العباس السفاح، والخطاط إسحاق بن حماد في خلافتي، أبو جعفر المنصور وأبو عبد الله محمد المهدي، حتى بلغ الخط في عهدهما أحد عشر نوعًا، وتعددت أقلام الخطاطين وخطوطهم في عهد هذين الخطاطين، حتى كانت مضرب المثل في إظهار ملكتهم في الحرف العربي. فلما جاء عصرا هارون الرشيد والمأمون نضجت العلوم والفنون والمعارف، وراح الخطاطون يجوّدون خطوطهم، وينافسون في ذلك، حتى زادت الخطوط على عشرين خطًا، منها المستحدث ومنها المطور».
مساحة رحبة أمام الفنان المسلم لممارسة الإبداع
الخط العربي.. تاريخ جمالي وفكري يضرب بجذوره في التراث
25 يونيو 2016 02:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 يونيو 05:02 2016
شارك
الشارقة:محمد أبو عرب